الرئيسية | قضايا و آراء | التربية التواصلية الهادئة/أ. آمنة خنفري

التربية التواصلية الهادئة/أ. آمنة خنفري

قاعدة الحوار والتواصل

{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النحل آية 125].

بهذا الأسلوب الحضاري والراقي علمنا ربنا في كتابه الحكيم كيف نتعامل مع الآخر، كيف تعامل الرسول مع قومه وكيف يجب أن يتعامل المدير مع عماله  والزوج مع زوجته والآباء مع الأبناء؟ فأنجع وسيلة للتواصل هو فتح باب الحوار الجاد والهادف والبناء والعقلاني والهادئ  القائم على الحب والاحترام والاستماع والاستيعاب والاحتواء والتوجيه السليم.

فالعلاقة التربوية القائمة على الحوار تجعل الطفل معنياً بما يدور حوله، فاعلاً في هذا العالم ومؤثراً فيه، يتعود تدريجياً تحمل المسؤولية، وتنمو لديه الثقة بالنفـس. كما أن الحوار يعوّد الطفل ضبط السلوك وتبادل الأدوار وينمي عنده قدرات التواصل ومهارات التبادل مع الآخرين. مما يمكنه من دخول الحياة من بابها الواسع، واثقاً من نفسه متفائلاً، نشطاً في دوره، وباحثاً عن تحديد مكانته.

ولكي توفق في الاتصال وتنجح في احتواء طفلك:

– عليك أن تكون متواجدا وحاضرا.

قال أحد الآباء:” عندما يكون ابنك صغيرا جدا، فإن ما يحتاجه هو حضن دافئ  ووجه مبتسم دائما، في البداية يحتاجون إلى تأكيد منا بأنهم محبوبين ولكن بعد ذلك يحتاجون لما هو أكثر من ذلك، يحتاجون اهتماما أكثر، وتوزيعا جيدا للأصوات ذهابا وإيابا بينهم وبين والديهم. وهذه هي المشكلة التي يواجهها كثير من الآباء والأمهات –فيكون صوتهم هم هو المسموع دائما وهو الغالب على صوت أبنائهم. ونحن عندما لا نستمع إلى أبنائنا فإنهم يشعرون بالتجاهل. يجب عليك أن تولي اهتماما لاحتياجات أبنائك، وإلا سوف تزرع بتجاهلك لهم بذور الاستياء التي يمكنها أن تجلب عليك مشاكل لا حصر لها فيما بعدط. [من كتاب “كيف ينشئ الآباء الأكفاء أبناء عظاما ص54” د آلان دبفدسون وروبرت ديفيدسون].    

– عليك بتحديد مواعيد للحديث مع أبنائك والتزم بها كما تلتزم بأي موعد عمل مهم وافتح مجال الحوار لكل عضو في عائلتك.

– عليك بفتح الحوار حول المواضيع الشائكة كالجنس والمخدرات بطريقة تربوية مهذبة محترمة بالأدلة العلمية والدينية، ولا تغض الطرف عما يجري في الساحة من شذوذ وانحراف، بحجة أن ابنك بعيد عن هذه البيئة الملوثة.

قال أحد الآباء:” نحن في نهاية القرن العشرين، وسواء أعجبك هذا أم لا، فإن الأبناء يعرفون الكثير عن الجنس ويصلهم الكثير من المعلومات عن العالم، أما المخدرات فيعرفون عنها أكثر من الذي يعرفه آباؤهم. يمكنك أن تدفن رأسك في الرمال إذا أردت، ولكن إذا كان لديك إدراك ووعي كاف فسوف تذهب للمشاركة في مثل هذه الأحاديث ومعك عدسة مكبرة”. [من كتاب “كيف ينشئ الآباء الأكفاء أبناء عظاما ص61” د آلان دبفدسون وروبرت ديفيدسون].       

دورك أيها المربي في الاستماع لطفلك كالمحلل النفسي، فعليك بالاستماع لا الحديث، بهذه الطريقة يتمكن طفلك من التنفيس عما يجيش بخاطره بالتالي تستطيع تشخيص الداء ومعرفة الألم الذي يعانيه طفلك. لنجاح التواصل عليك باحترام رسائل طفلك القولية والحركية.

تقنيات الحديث والاستماع:

– التزم الصمت والاستماع الجاد، عندما يتحدث طفلك، فهو في حالة إفراغ ما بداخله من ضغوط لذا فاحذر المحاضرات الكلامية وابتعد عن التعليق والاستهجان فإن ذلك يعوق طفلك للتعبير عن مكنونات نفسه.

– هيئ الجو الملائم للاستماع والحديث (مكان مناسب، جو هادئ، استعداد نفسي) لاستقبال رسائل طفلك سواء أكانت إيجابية أم سلبية، بعد أن هيأت الجو اقترب من طفلك وأشعره أنها لحظة تجاوب المشاعر لذا تجنب الأسئلة فبدلا أن تسأل طفلك “ما الذي يضايقك؟” قل “تبدو قلقا”

احذر من فشل التواصل الناجم عن عدم الوعي وعدم صدق المشاعر  وقلة زاد ثقافة التواصل.

“حذار من أخطار التواصل، فلا تكن مخادعا، كن مستمعا جيدا. إن هذه الطريقة تساعد طفلك على التصريح بمكنون صدره، وتساعدك على تفادي أشيع الأخطاء التي ينطوي عليها التواصل بين الوالد والطفل. وتذكر أنه بمجرد أن يتحسن التواصل بينك وبين طفلك، فإن كل شيء بعد ذلك جائز بينكما”.[روث بيترز (وضع القواعد ص129)].

وأخطار التواصل تتمثل في:

– عدم السيطرة على المشاعر: يستخدم الأبناء من كل الأعمار وسائل كثيرة لإثارة الآباء والأمهات وذلك تبعا لما اكتسبوا من سلوك في بيئتهم العائلية “يكتسب الأبناء سلوكهم من مراقبتهم لسلوك أبويهم اللذين يعدان أهم مصدر يستقون سلوكياتهم منهما” [من كتاب “كيف ينشئ الآباء الأكفاء أبناء عظاما ص40” د آلان دبفدسون وروبرت ديفيدسون].       

فأنت أيها المربي تحصد ما تزرعه لذا فتحلى بالصبر والسيطرة على مشاعرك إذا ما حاول طفلك إثارتك وراجع طريقة تربيتك.

– الانتقاد السلبي هذا السلوك هو السم الزعاف، الذي يولد غضبا ورغبة في الانتقام كرد فعل.

– الاتهامات “الاتهامات هجوم، والهجوم يحتاج من أبنائنا لأخلاق جيدة جدا كي يقفوا صامتين يتلقون صفعاته. وهذا نادرا ما يحدث. غالبا ما يكون رد فعل الأبناء هو الهجوم المضاد، وعليه تستمر المعركة لفترة أطول”. [من كتاب “كيف ينشئ الآباء الأكفاء أبناء عظاما ص44” د آلان دبفدسون وروبرت ديفيدسون].       

فأنت عندما تقول لطفلك ” أنت كسول ” وتكررها فذلك يرسخ في ذهن طفلك الكسل وبالتالي يزداد كسلا.

– الاستعجال في تقديم المساعدة: لا داعي للاستعجال في تقديم المساعدة، أعط لطفلك الفرصة الكافية للتعبير عن ذاته فالاستعجال وعدم الصبر يخلق حاجزا بينك وبين طفلك.

” انتظر صابرا عندما يحاول ابنك أن يعبر عن نفسه. ربما تضيع منه أفكاره، أو يتوقف ببساطة في منتصف جملة ينطقها، فالأبناء يترددون ويتلعثمون، وأحيانا يثرثرون في تفاهات، أو حتى يذهبون في مناجاة غاضبة مع أنفسهم، إن ما يفعلونه هو اختبار للحياة قبل أن يقفزوا إليها حتى يتعرفوا على مزاجك ومدى استعدادك للاستماع إليهم”.[من كتاب “كيف ينشئ الآباء الأكفاء أبناء عظاما ص46” د آلان دبفدسون وروبرت ديفيدسون].

– المنغصات: تجنب التحذير والاستجواب والتهديد وإصدار الأحكام.

– تقبل الصمت: صمت طفلك هو ضرب من التعبير عن الذات وهو تقوقع في صمت لفهم ما يختلج في أعماقه لذا فاحترم صمته لحين.

“عليك بالنظر إلى الصمت على أنه واحد من الآليات العادية والطبيعية التي يستخدمها أبناؤنا في مراحل مختلفة من نموهم، وغالبا ما يكونون في حاجة ماسة إلى الانسحاب إلى داخل قواقعهم لأسبابهم الخاصة”.[من كتاب “كيف ينشئ الآباء الأكفاء أبناء عظاما ص49” د آلان دبفدسون وروبرت ديفيدسون].       

تطبيق القاعدة

لكي تنجح لغة التواصل بينك وبين طفلك، عليك بإتباع “أساسيات الاستماع” الست والالتزام بها، التي تؤدي إلى تطور تدريجي ملحوظ من استماع صامت سلبي للآباء إلى تشجيع الأبناء على الحديث مما يفضي إلى مشاركة أكثر فاعلية تكسر حاجز الكبت والخوف والصمت.

وأساسيات الاستماع للتجاوب تستوجب شروطا معينة نختصرها في:

1– وضعك وهيئتك التي يجب أن تنزل لمستوى طفلك حتى يتبين له أنه موجود لكي تسانده وتساعده وليس لكي تحاربه.

2- إجادتك لفن الاستماع وانفتاحك، والتركيز لما يقوله طفلك فليس هناك شيئا محبطا لشخص يعبر عن نفسه أكثر من مستمع يستمع إليه بأذن واحدة.

3- إن الأحكام الانتقادية تقتل التواصل لذا شجع طفلك على تكوين معتقداته وآرائه الخاصة مع احترامها، واتركه يسترسل في التعبير عنها بدون انتقادات.

4– عدم المقاطعة والاستماع الصامت ينقل طفلك من مرحلة التمهيد السطحية إلى مرحلة عاطفية أكثر عمقا وشفافية، وهذا لا يمنعك أن تتجاوب مع ما يقال ببعض الإشارات والإيماءات البسيطة أو الابتسامات فذلك يؤكد لطفلك أنك تنصت إليه بجدية، دعه يسترسل في كلامه بعدها يتضح موضع الألم مما يدفعك إلى الحوار والتفاعل والمشاركة.

5 مشاركتك الآن أكثر فاعلية إذا التزمت الهدوء والمرونة والإصغاء والانفتاح فطفلك يلتجأ إليك لتأخذ بيديه، بهدوء ولطف بادره ببعض الأسئلة المفتوحة تجنب الأسئلة التي تجاب بنعم أو لا: فبدلا أن تسأله “هل واجهتك أي مشاكل بالمدرسة اليوم؟ يكون سؤالك كالآتي:” ماذا حدث بالمدرسة اليوم؟”.

6- استرجاعك لما قاله طفلك من كلمات هي مفاتيح تساعدك لفهم رسائل طفلك لذا تجنب الفهم الخاطئ، لا تخمن ما يقصده ابنك في حديثه إذا قال:” لن أستطيع أن أكمل تمرين الرياضيات في الوقت المحدد” أجبه بقولك:” إنك تشعر بتوتر وعدم ثقة في أنك ستؤدي تمرينك بشكل جيد، أليس كذلك؟” ليكن ما تقدمه له استرجاعا لا نصيحة”.“الاسترجاع الهادئ ينتج عنه إحساس بالرعاية والصداقة الحميمية”[من كتاب “كيف ينشئ الآباء الأكفاء أبناء عظاما ص71” د آلان دبفدسون وروبرت ديفيدسون].            

كيف يمكنك توصيل رسالتك 

* إذا حدث وسلكت سلوكا هجوميا وأخطأت في حق طفلك بادر إلى الاعتذار “فالاعتذار يقدم استعدادا لعلاقات جيدة”[من كتاب “كيف ينشئ الآباء الأكفاء أبناء عظاما ص73” د آلان دبفدسون وروبرت ديفيدسون].       

* يمكنك أن تحسن سلوك طفلك غير المرغوب فيه باستخدام عبارات جوفاء، فلا تتهم بقدر ما تشرح، وتعرض أسباب توجيهاتك له فالاتهام يفسد التواصل.

* الفت انتباه طفلك للمنغصات التي تفرزها سلوكياته وتصرفاته البغيضة ومدى تأثيرها على الجميع وذلك بالشرح والتوضيح البسيط فطفلك يفهم ويدرك رسائلك إذا تحريت أسلوب التواصل الجيد.  

* إليك بعض الخطوات المجربة من الآباء والأمهات الخبراء، والتي ثبت أنها لها تأثير لتحقيق تواصل جيد:

– عليك بتجنب الرسائل الغامضة والطويلة.

– قبل أن تقول أي شيء خطط له، استعد وتدرب عليه إن أمكن.

– تجنب الرسائل المخلوطة مثل المدح في غير موضعه كقولك لطفل صغير ” أنت ناضج بإمكانك البقاء بمفردك في المنزل” هل فعلا طفلك ناضج؟

– كن محددا وواضحا، فالمراهق يستغل الغموض ليبرر مواقفه السلبية

(اجعل من الحوار الجاد والتواصل جزءا من منظومة قيم لعائلتك).

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

تهافت مقولة فصل القرآن عن الشريعة (2)

أ. عبد القادر قلاتي/ أكثر ما يزعج تيار العلمنة من الدين كلمة «الشريعة»، فهي في …

تعليق واحد

  1. موضوع شيق و هام جدا . شكرا للكاتب