الرئيسية | اتجاهات | أمريكا تحارب العالم صفقة القرن تتحول إلى صفعة القرن/ محمد الحسن أكيلال

أمريكا تحارب العالم صفقة القرن تتحول إلى صفعة القرن/ محمد الحسن أكيلال

 حين اكتشفت القارة الأمريكية جندت الدول الأوروبية كل الصعاليك والمغامرين والباحثين عن الثروات، بل وحتى الباحثين عن لقمة العيش وسد الرمق لغزو الأرض الجديدة والفتك بأهلها من السكان الأصليين، الذين سموهم الهنود الحمر.

هكذا كانت البداية. الإنسان الأبيض المتوحش مدفوعا بغرائزه الحيوانية يغزو قارة كان يسكنها أناس أكثر إنسانية بالفطرة، لهم ثقافتهم وحضارتهم ونمط حياتهم المتميز كل التميز عن نمط حضارة الأبيض الأوروبي الذي اعتنق دينا حرفه حسب مصالحه وأهوائه واكتسب نمط حياة مما جمع من مهارات أثناء غزوه لسواحل البحر الأبيض المتوسط الجنوبية والشرقية وألف بمزجها نمطه الخاص، فكان ذلك النمط مقدمة لفلسفته وعقيدته التي أسسها على مبدإ “القوة فوق الحق”.

الإنسان الأبيض الذي غزا أمريكا وخاصة الشمالية فرض ثقافته وأسلوب عيشه وحضارته على باقي أفراد المجتمع المكون فعلا من فسيفساء بشرية أتوا إلى القارة من قاراتهم وأوطانهم الأصلية، لقد فرض ذلك بقوة الحديد والنار على بني جلدتهم وبالسوط والأصفاد والسلاسل على السود الذين أخذوهم معهم من إفريقيا كعبيد لاستغلالهم في أعمال الزراعة والأرض والمناجم.

هذه هي الأسس الأولى التي نشأت منها وعليها الأمة الأمريكية الحالية، وأولئك الصعاليك والمغامرون والقتلة الذين أبادوا السكان الأصليين هم أسلاف أمثال “دونالد ترمب” الذي يتبجح الآن بتهديد العالم أجمع، لا فرق بين خصم وحليف وعدو وصديق، الكل يجب أن يخضع ويذعن لمشيئته، الكل يجب أن يدفع المال لأمريكا لكي تحافظ على هيبتها المهددة بالزوال والأفول من طرف الإنسان الأصفر، القزم الآسيوي الذي تحول فجأة إلى عملاق يقف في وجه الأبيض الأمريكي المدجج بمختلف الأسلحة والأكثر عصرية ودقة.

الأكيد أن “دونالد ترمب” لم يكن ليصل إلى سدة الحكم في أمريكا لولا القوة الأكثر تأثيرًا في المجتمع الأمريكي، تلك القوى اليمينية المتطرفة التي بدأت تظهر رؤوسها ليس في أمريكا فقط، بل في كل بلاد الإنسان الأبيض حيث نشأت الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى.

“دونالد ترمب” لم يأت من فراغ، وأمثاله من زعماء الغرب كثيرون، وهم يتكاثرون لأنهم شعروا فعلا بالخطر الداهم على أوطانهم وأجناسهم وأموالهم التي بدأت تتناقص بازدياد عدد الشعوب المتحررة والمدافعة عن أوطانها وثرواتها.

لقد غامر الأمريكي وقامر في أفغانستان والعراق فخسر فيهما أمواله، ثم غامر وقامر في سوريا وأحس بخوار قواه ودنو أجله، فأعلن صراحة حربه ضد كل العالم خوفا من هزيمة عسكرية تلحق بجيشه في حرب عالمية ثالثة أرادها فعلا أن تشتعل في الشرق الأوسط وتكون سببا في زوال دولة اليهود، أعلنها حربا تجارية ضد الجميع ظاهريا وضد روسيا وإيران والصين الشعبية باطنيا، فالحرب التي يريدها يهدف بها إلى انتصار ساحق ضد هؤلاء، وهي ستكلفه أموالا باهظة لا تستطيع خزينته تحملها واقتصاد بلاده في الوضع الحالي، لذلك قرر أن يعلنها حربًا تجارية ضد حلفائه والأقربين وضد أعدائه وخصومه الذين لم يخف يوما في تصريحاته من هم وعلى رأسهم الصين الشعبية وروسيا الاتحادية وإيران التي أصبح وجودها في العراق وسوريا مبعث خطر على الدولة العبرية، واندفاعه الطائش أنساه أن خطأ مثل خطأ جيش إسرائيل ضد الطائرة الروسية في الشهر الماضي يمكن أن يكون سببًا مباشرًا في اشتعال هذه الحرب التي لا تبقي ولا تذر، كما أن إعلان الحصار ضد إيران لمنعها من بيع بترولها يمكن أن يكون سببا في اندلاعها إذا كان رد فعلها كما صرحت إغلاق مضيق “هرمز” في وجه كل السفن البترولية.

لقد أعلن وهو في قمة النشوة عن قرب موعد عقده صفقة القرن فيما يتعلق بقضية الشرق الأوسط، وبدأها بتوقيع قرار الاعتراف بأن مدينة القدس عاصمة موحدة وأبدية للدولة اليهودية ونقل سفارة بلاده من مدينة “تل أبيب” إليها حاثا دول العالم، بل ضاغطا على الحليفة الحقيقية منها لبلاده السير خلفه، لكنه فوجئ بأن العالم كله يقف ضده وضد قراره ما دفعه إلى التريث بإبداء تصريحات تخفف من حدة التصريحات الأولى مثل إعلانه بأنه مع حل الدولتين ومع تشجيع حل سياسي سلمي بين الفلسطينيين واليهود.

التهور الأمريكي يقلب الطاولة على رأسها

لقد بدأ الحرب التجارية برسوم جمركية وضرائب باهظة ضد كل من الصين وفرنسا وبريطانيا وكندا وألمانيا لزيادة مداخيل الخزينة واستعادة الاستثمارات في القطاعات الصناعية إلى بلاده من الصين بصفة خاصة، لكن الذي حدث إعلان كثير من الشركات الأمريكية ورجال أعمال عن قرب إفلاسهم وإغلاق مصانعهم وتسريح العمال؛ إن قرارات “ترمب” هذه بمثابة هدم للمعبد على من فيه في أمريكا قبل كل العالم، إنها تدمير للعولمة والنظام العالمي الجديد اللذين بنتهما أمريكا خلال العقود الخمسة الماضية وإزاحة للنخبة الأمريكية الحقيقية المتميزة بالكفاءات الفكرية والاستراتيجية وتعويضها بأخرى يبدو أنها في مستوى الرئيس أو أقل منه كما يبدو من خلال تصريحاتهم، فوزير خارجيته ومستشار أمنه القومي يستميتون في الدفاع عن ترهاته وتقلباته المزاحية ما بين تصريح وآخر وتغريدة وأخرى على “التويتر” الذي يفضله على غيره من وسائل الإعلام الأخرى.

إنه يدفع بأمريكا إلى المجهول في كل المجالات وكل القطاعات وعلى كل المستويات والصعد، إنه يدفعها إلى استعداء جميع شعوب العالم والاكتفاء فقط بالشعب اليهودي.

لقد أعلن منذ شهر تقريبا عن قرار آخر مناقض لسابقه يتعلق بسحب القوات الأمريكية من سوريا، لقد اشترط لسحب قواته من الشمال الشرقي لسوريا خروج القوات الإيرانية من عموم سوريا، إنه ليس قرارًا أمريكيًا، بل هو قرار الدولة اليهودية التي تخاف من إيران وقوات المقاومة، وفي هذا ما يغني عن أي شرح أو تفسير للموقف الأمريكي الجديد الذي بناه وبلوره أسلافه وآخرهم “باراك أوباما” الذي وقع الاتفاق النووي الإيراني بمعية الدول الكبرى في العالم.

لقد نسي السيد “ترمب” أن التهديد الحقيقي للسلم والأمن في العالم هو آت من طرف الدولة العبرية التي كلف زوج ابنته بملفها وبخصوصية علاقاتها المتميزة مع دولته ومع الدول المجاورة، والحلفاء الجدد من العرب الذين استمالهم بالحماية والتخويف من بعبع إيران والابتزاز المالي لا يمكن الاعتماد عليهم لأنهم بمثابة مرتزقة قد ينقلبون ضده بمجرد الشعور بالخطر من شعوبهم التي أصبحت فعلا في حالة من التململ هذه الأيام نتيجة قرارات عشوائية اتخذها حكامهم الجدد لاقتدائهم بالرئيس “ترمب” في العشوائية والتهور ولغة التهديد والوعيد والإخفاء لمعارضيهم.

إن الشعوب العربية والإسلامية باللحمة التي تجمعها من ماليزيا إلى المغرب الأقصى لا يمكن لها أن تبقى مكتوفة الأيدي وهي ترى يوميا الجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في فلسطين والاستباحة اليومية لحرمة المسجد الأقصى، والإرهاب كمصطلح مطاط وضع لاتهام الدين الإسلامي وأتباعه أصبح عديم الصلاحية، والأوان آن ليفرق المسلمون أولا والعالم كله ثانيا بين الإرهابي والمقاوم الذي يدافع عن حقه في الحياة وعن حريته وحرية وطنه وسيادته.

إن الأمم المتحدة والنظام العالمي لم يعودا بسبب أمريكا نفسها يقنعان الشعوب والدول الكثيرة التي ضاقت ذرعا بتصرفات أمريكا وجرائمها ضد الإنسانية التي تدعي أنها حامية الحريات والحقوق فيها وهي بعيدة كل البعد عن المبادئ والأخلاق والقيم الإنسانية النبيلة ومن بينها حرية الشعوب في تقرير مصيرها وهي أولى من الحريات الفردية والجماعية وحقوق الإنسان بالمفاهيم الأمريكية والغربية المثيرة للسخرية في هذه الأيام بعدما أعلن عن صفقة القرن التي تتضمن التنكر كل التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في العودة إلى وطنه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أدعياء السنة دعاة الصهيونية صراحة “ترمب” تعري المملكة / محمد الحسن أكيلال

  رحم الله الكاتب الصحفي الكبير “محمد حسن هيكل” وأسكنه فسيح جنانه، لقد أطال الله …