الرئيسية | قضايا و آراء | رؤية إسلامية لمسألة النهضة النسائية/ د. إبراهيم نويري ـــ كاتب و باحث جامعي

رؤية إسلامية لمسألة النهضة النسائية/ د. إبراهيم نويري ـــ كاتب و باحث جامعي

 

مما لا شكّ فيه أن قضية المرأة وما يتصل بها من مسائل وتداعيات فكرية واجتماعية وسلوكية وفلسفية، ليست بالأمر الهين أو الثانوي أو الهامشي في مجال الصّراع المفاهيمي والفكري والاجتماعي والحضاري، لذلك ينبغي إحلالها مكانتها الحقيقية كقضيّة مركزية في الخطاب الإسلامي المعاصر، لاسيما إذا وضعنا في الحسبان أنّ موضوع المرأة بات يوظّف على نطاق واسع وفضفاض خلال هذه المرحلة الحساسة من تاريخ البشرية.

وكم نحن بحاجة مؤكدة إلى دراسات ميدانية عميقة ومراجعات نقدية دقيقة، لمختلف أنساق الأطروحات الفكرية والاجتماعية التي عالجت قضايا المرأة كي نسدّ الثغرات التي يُحدثها دعاة التغريب والإلحاق الفكري والثقافي في البناء الاجتماعي للمجتمعات المسلمة .

يقول المفكر المسلم الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:” إن قضية المرأة ليست قضية جنس يسكن المريخ! إنها قضية أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا، فنحن مدفوعون إلى بحثها وفي جوانحنا عواطف التوقير والحب والحنان، وهي قضية نصف الأمة، النصف الذي لو حُكم بإعدامه مادياً وأدبياً، لمات النصف الآخر حتماً، فنحن نحفظ ديننا ودنيانا كليهما عندما نحفظ على المرأة وضعها الصحيح في المجتمع، وهي قضية الإسلام الذي كذبوا عليه يوم أوهموا الناس أنه يمحق إنسانية المرأة ويخدش اعتبارها، ويمنع تعليمها..فليس صحيحاً أن الإسلام يَعُدُّ المرأة ( لأنها أنثى) دون الرجل ( لأنه ذكر) فرُبَّ امرأة أفضل من رجل لأنها أرقى منه عقلاً وأسمى خُلقاً وأنقى ضميراً .. ما قيمة اللّحى والشوارب في وزن النفوس وعظمتها؟!  إن مريم ابنة عمران وعائشة بنت أبي بكر أفضل من رجال كثيرين..إن الله سبحانه سوّى بين الرجال والنساء في ميادين التقوى والاستقامة   {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ}[آل عمران:195].. نعم بعضكم من بعض.. إن الرجل ينسل البنين والبنات فتتوزّع صفاتُه الجسدية وميزاتُه الأدبية على أولاده كلّهم، لا يضع أدناها في جنس وأعلاها في جنس، ثم ينطلقون جميعاً في رحاب الحياة ويُبتلون بتكاليف المعاش والمعاد، فيكون أَولاهم بالله أتقاهم له، ذكراً  كان أو أنثى، وهو الأفضل في نفسه وعند ربه..”( من هنا نعلم ص 150).

فهذا الخطاب الفكري النقدي الذي يقدمه الشيخ الغزالي مهمّ، وأشعر أنه ضروري لواقع مجتمعاتنا المسلمة.. أولاً: لكونه خطاباً ينصف الإسلام مما أُلصق به ظلماً وبغير وجه حق؛ وثانياً: بوصفه خطاباً يُعيد للمرأة المسلمة دورها ومكانتها الحقيقية ويحرّضها على المبادرة والفعل الإيجابي البنّاء من منطلق شعورها بشخصيتها المتفرّدة وثقتها بنفسها وبرسالتها في الحياة…وبناءً على ذلك فإن هذه القاعدة الفكرية أو الرؤية المفاهيمية يجب التمكين لها للاعتبارات المذكورة آنفاً .

 من قضايا المرأة المسلمة

ومن الكتب النسائية المهمة التي جاءت في سياق مناسب ومعتبر من منطلق المساهمة في وضع بعض المعالجات النافعة لقضايا المرأة المسلمة في خضمّ التدافع السلوكي والحضاري والمفاهيمي، كتاب الدكتورة ليلى بلخير الأستاذة المحاضرة بجامعة الشيخ العربي التبسي في الجزائر، الموسوم بـ (من قضايا المرأة المسلمة)… إن مضمون هذا الكتاب أجده ــ من وجهة نظري ــ يدور في فلك ثلاثة محاور رئيسة هي (صورة المرأة المسلمة من خلال نماذج من القصص القرآني) وهي مسألة تُسلك في سياق التربية بالقدوة، أي الاقتداء بالنماذج الفذّة من النساء اللاتي تحدث عنهن القرآن الكريم.. و(هموم المرأة المسلمة المعاصرة) كقضية البحث عن النموذج وضرورة التميّز في هذه المرحلة التاريخية الحساسة التي تحتوشها التجاذبات الفكرية والإيديولوجية من كلّ جهة، ومسألة المرأة المسلمة الباحثة والعاملة بصفة عامة وكيفية تصرّفها مع شؤون الحياة، وتوفيقها بين واجبات الأسرة ـــ الزوج والبيت والأولاد والمحيط الأسري ـــ وبين مقتضيات العمل والبحث العلمي ـــ في حالة المرأة الباحثة ـــ وما يتفرّع عن ذلك من قضايا كقضية التهميش الاجتماعي للمرأة الذي ما تزال بعض التقاليد البالية والراكدة تفرضه على المرأة المسلمة، والغريب أن تلك التقاليد المهترئة تُقدّم في مجتمعات شتى على أساس أنها جزء أصيل من مفاهيم منظومة التعاليم الإسلامية!!…إلى غير ذلك من الهموم والمشكلات التي تُعتبر ذات أولوية في البرنامج الحياتي والفكري والنفسي للمرأة المسلمة المعاصرة.

أما المحور الثالث والأخير من الكتاب فيدور حول فكرة ( النهضات النسائية المعاصرة وموقع المرأة المسلمة الرسالية فيها)..لذلك لا أجد أية غضاضة في وصف هذا المحور من الكتاب بأنه الأهم..على الأقل من زاوية الصراع المفاهيمي والفكري في زمن العولمة وما يندرج في بعض محاورها من تطلعات تستهدف تقارب الحضارات والثقافات والعادات، وبروز رغبة قوية ظاهرة لدى الطرف الحضاري الأقوى في محو خصوصيات الآخر المختلف فكرياً وعقدياً ونفسياً وحضارياً …وكذلك من زاوية ضرورة دفع الحرج والضغط الإيديولوجي والنفسي الذي باتت المرأة المسلمة الملتزمة تشعر به، بل وتكابد وطأته، وهو حرج وضغط متأتيان من المناشط التي تقوم بها ـــ بالوكالة عن الدوائر الغربية المعادية لديننا وأمتنا وقيمنا ــ بعضُ الحركات والجمعيات النسائية البعيدة كل البعد عن الأصالة، بل المعادية لمرجعية الأمة في الفهم والسلوك والاعتقاد والامتثال والاستجابة.

 

ولعلّ الأخت الكاتبة ليلى بلخير نفسها أدركت حساسية وخطورة هذا المحور في كتابها فراحت تحذّر من مغبّة الانخداع بأساليب هذا التيار التغريبي المنضوي تحت لواء حركات ونهضات نسائية مختلفة المنازع والأهواء والأهداف..ومن ذلك تصديها العقلاني الذكي للكاتبة المصرية المشهورة ( نوال السعداوي) التي تقول عن الحجاب ـ انتصاراً للسفور وتقليد المجتمعات الغربية ـ:” إن إجبار المرأة على لبس الحجاب ضد حقوق الإنسان لأنّه تدخّل غير مشروع في حريتها الشخصية، واختيار ملابسها، وهذا تأكيد للتفاضل والتمييز بينها وبين الرجل”!! وترد الأخت المؤلفة داحضة مفتريات السعداوي فتقول:” الملاحظ أن إثارة قضية المساواة والتفاضل هو بهدف ضرب حجاب المرأة المسلمة..لكن نقول لها إن الحجاب ليس شكلاً عقابياً مسلطاً على المرأة امتهاناً، بل هو تلبية صادقة لنوازع الفطرة في شخصيتها”.

ضرورة المتابعة النقدية لأفكار النهضات النسائية

إن الأفكار والطروحات المنحرفة التي تطلقها وتدعو إليها بعض رموز الحركات والنهضات النسائية في أقطار العالم العربي والإسلامي ينبغي مناقشتُها وكشفُ دغلها وزيفها…ولا يتم ذلك إلاّ بجهود أقلام نسائية أصيلة متمكّنة ومطلعة على شتى التيارات والاتجاهات الفكرية والإيديولوجية، إلى جانب التسلح بفهم سليم لأحكام الإسلام وتعاليمه الراشدة، وكذلك بالسعي الحثيث لتكوين وبعث نهضات نسائية بديلة قائمة على ركيزة ومنطلق الانتصار لقيم ومفاهيم الإسلام والتمكين لصيغه وأنماطه الاجتماعية والسلوكية والحضارية.

إن جهود واجتهادات ومرئيات الدكتورة ليلى بلخير في هذا المؤلف الطيب النافع قمينة بأن تُثمّن وذلك من خلال النظر فيها والانتفاع العملي الحي بما ورد فيها، لاسيما على صعيد الجمعيات والنهضات النسائية المعاصرة في الوطن العربي والعالم الإسلامي ..

ذلك أنها إضافة حسنة لدراسات كثيرة قدمها الفكر الإسلامي المعاصر في مجال قضايا المرأة المختلفة، لعل أشهرها وأهمها الدراسة الموسوعية الضخمة التي قدمها المفكر الدكتور محمد عبد الحليم أبو شقة الموسومة بـ (تحرير المرأة في عصر الرسالة) وكتاب الشيخ محمد الغزالي المتميز بحق لاسيما على صعيد نقد بعض التقاليد البالية:( قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والأفكار الوافدة).. ودراسة المفكر الإسلامي الكبير الدكتور مصطفى السباعى ( المرأة بين الشريعة والقانون).. وغيرها من الأعمال والأبحاث والدراسات ذات التميّز والعمق والأصالة …

إن ما يمكننا التشديد عليه في هذا السياق ـــــ تحصيناً لمجتمعاتنا المسلمة من الأفكار والأنماط الوافدة والراكدة على السواء ــــــ ضرورة متابعة أفكار وطروحات النهضات النسائية وترشيدها وفق منهج سليم من شأنه أن يعصم ديننا وهويتنا من فريقين الأول جاهل بالإسلام ومقاصد شريعته، والثاني جاحد بمزايا الإسلام وقيمه، علّة الفريق الأول متأتية من الجهل وقلة الوعي الإسلامي الصحيح وسيطرة التقاليد الراكدة التي لا صلة لها البتة بالإسلام الحق. بينما علّة الفريق الثاني تكمن في نكران وجحود مزايا الإسلام ومحاسنه، وذلك بسبب لوثات التغريب والتأثر بأنماط وأنساق الثقافة الغربية التي ما فتئت تنخر أفكار وعقول الفتيات المسلمات وتحوّل بعضهن إلى نماذج طبق الأصل مظهراً ومخبراً لنساء وفتيات الحضارة الغربية، وتلك معضلة عويصة، ينبغي أن يعالجها الفكر الاجتماعي الإسلامي والدعوة الإسلامية في هدوء وتؤدة بعيداً عن بوغاء الصراع الذي تبحث عنه الكثير من دوائر الرصد المعادية لأمتنا وقيمنا وهويتنا، قصد توظيف نتائجه المرة لصالح الثقافة الغربية الغازية.

والله وليّ التوفيق .

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …