الرئيسية | على بصيرة | شمس مشرقنا العربي الحزينة/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

شمس مشرقنا العربي الحزينة/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

ما بال شمس مشرقنا العربي، تبدو –على غير عادتها- ودون باقي شموس العالم، كليلة حزينة، أنوارها ملبدة بالسواد، وقرصها مجلل بثوب الحداد؟

هل دهاها، ما دهاها، لهول الظلم الذي رأت، وفضاعة الجور الذي شهدت؟

إنّ الثابت في ثقافتنا الإسلامية، هو أنّ الشمس كالقمر، آية من آيات الله، لا تخسف لموت أحد، ولا لحياته، فمال شمس مشرقنا العربي حادت عن سننها الكونية، ومالت عما ألفته باقي شموس البشرية؟

لا تفسير لهذا السواد، وهذا الحداد، الذي تعانيه الشمس الطبيعية، إلا التأثر بما تعانيه، شموس العلوم والإعلام العربية، من تغييب في ظلمات زنزانات السجون، وتعذيبهم، إلى حد ملاقاة ريب المنون، وتسليط أنكى التهديدات التي تؤدي إلى العته والجنون.

فضيع –حقا- ما يحدث في واقع وطننا العربي، من حجب للشمس بالغربال، واعتداء على كرامة النساء والرجال، وتدجين لفحولة الشرفاء، والأبطال.

أفلا يحق للشمس –في ظل كل هذا التعتيم- أن يختل طلوعها، وأن تتصدع ضلوعها، فيعم ربوعها الظلام، ويسود فيها صمت كصمت الموت الزؤام؟

ذكرني هذا برثائية أمير الشعراء أحمد شوقي بمناسبة موت أحد العظماء، حيث قال:

شيّعوا الشمس فمالوا بضحاها

وانحنى الصبح عليها، فبكاها

وبرثائية أبي الطيب المتنبي في موت أخت سيف الدولة التي جاء فيها:

 

فيا ليث طالعة الشمسين غائبة

وليت غائبة الشمسين لم تغبِ

فعندما أُنزّل هذه الأمثلة على واقع أمتنا العربية، تتراءى لي أجزاء خريطتها الملونة بالدماء، المبللة بالدموع، فلا يكاد يسلم أيّ جزء منها.

فما تلقي به هذه الخريطة من نفايات، وما تقدمه للعالم كل يوم من مهازل ومؤامرات، في اختطاف قسري، وتغييب قهري، وتقتيل همجي، وحكم تعسفي، يجلب إلينا العار والشنار، ويعيدنا إلى عصر المغول والتتار.

فبعد إصدار أحكام الإعدام الجماعي في مصر الكنانة، وطمس معالم العدالة، بكل أنواع الإهانة، وإنزال العقوبات على الأبرياء، وإدانتهم بأسوء ألوان الإدانة، ووصفهم بالسفالة والنذالة.

وبعد الزج بالشرفاء، والعلماء، والأتقياء، في غياهب السجون، بأرض الحرمين، لا لجرم اقترفوه، وإنما للجهر بإصلاح ذات البين، وبعدما تطالعنا به مأساة اليمن المعذب بأبنائه وأشقائه، وما جر ذلك على “الغلابة” اليمنيين من مرض عضال، وأنين، وسعال، وفقد لأبسط أنواع اللباس من الأسمال، ها هي ذي ثالثة الأتافي، القنبلة الإعلامية العالمية، ممثلة في اختفاء إعلامي سياسي، بطوله وعرضه، وأين تم هذا في ملاذه “الآمن” قنصلية بلاده؟

فإذا كان الإسلام الذي أدبنا فأحسن تأديبنا، علمنا، أنّ من أغلق باب داره على نفسه من المعارضين فهو آمن، ومن دخل دار زعيم المعارضين في مكة أبي سفيان، فهو آمن، فكيف لا يأمن على نفسه من يدخل قنصلية بلاده لإجراء معاملة إنسانية اجتماعية عادية؟

اللهم لطفك مما حدث ويحدث في بلادنا العربية، التي برق فيها البصر، وخسف فيها القمر، وذبلت الشمس والقمر، وصار المواطن فيها يصرخ أين المفر؟

فبأي وجه نلقى العالم، ونحن نصر على الحنث العظيم؟ وكيف نبرر دينيًّا وأخلاقيًّا، وإنسانيًّا ما نأتيه من فصول هذه المسرحيات الدامية الفصول، الباعثة على الذهول؟

لا نجد -والله- إجابة على ما يلقيه العالم علينا من أسئلة، وما نلقيه نحن على أنفسنا من تساؤل البلهاء، وتعجّب السدج  الأغبياء.

أما بعد.. فكيف السبيل إلى إنقاذ الشموس بمختلف أنواعها، من ألوان الخسوف؟ وكيف يكون تحرير، أهالي الكهوف، من زنزانات الظلمة، والخوف؟

أما آن للقابضين على مقاليد الأمور، بالحديد والنار، أن يدركوا، أنّ عصر نيرون، وشمشون الجبار، قد ولى، ولم يعد له مكان في الديار؟

إنّ الضمائر العربية، -بمختلف مستوياتها- أمام امتحان مصيري عصيب. فالعالم بشتى إيديولوجياته، ومعتقداته، ينظر إلى بقاع أرضنا بكل احتقار، ويوشك أن يضعنا في درجات ما تحت الأصفار، لما يشاهده على شاشات أرضنا، من قتل، وختل ودمار.

فأمتنا العربية الإسلامية، التي كانت خير أمة أخرجت للناس، انحدرت، وتقهقرت بسبب السفهاء، وغير العقلاء منا، ففقدت على سلم الحياة كل أساس.

لطالما نادينا بملء أصواتنا، واستعنا على ذلك بأناتنا وآهاتنا، أنّ البناء الوطني، لا يبنيه القهر والاستبداد، وأن القلوب لا تتآلف إلا بالتصالح والوداد، وذلك بالاستعانة بالخيّرين من ذوي العقول العلمية، ودعاة الرشاد.

ولطالما، خاطبنا الضمائر لدى الأحرار والحرائر أن خذوا المثل من أبناء الجزائر، فالوطن الذي حرره الجميع، يجب أن ينبه الجميع، فما بال القائمين على الشؤون الوطنية هنا وهناك يتمادون، في إدارة ظهورهم إلى البديهيات مما يجمع عليه كل العقلاء من بني البشر؟

إن أوطاننا تتآكل بمعاول أبنائها، وأموال أغنيائها، وأسلحة أعدائها،وإن دام هذا الحال، بما يحمل من أهوال، فإننا سوف نمحى من خريطة الأجيال، ولي بنفعنا الإسلام النافع المتعال بالرغم مما يقدمه لنا من لآلئ وأفضال، كما تؤكده سورة البقرة، والأعراف والأنفال.

ويح أمتنا، من كل لحظة تعيشها تحت وطأة، الخسف، والهوان، والنكال، فأحرارها معذبون، وشرفاؤها مهددون، ومفسدوها متسلطون معربدون.

إننا نعيش الرمق الأخير، ما قبل الزوال، فهل يبعث الله إلينا، ثلة من الأخيار، يكونون طوق نجاة، يعيدون إلينا الأمل بعد يأس، والرخاء بعد البأس، والتفاؤل بعد نحس؟

فإن لم يتحقق ذلك، فسيكون مصير كل واحد من شرفاء هذه الأمة، مثل مصير سلمان العودة، وصفوت حجازي، وجمال خاشقجي، وغيرهم.

ويومها، سيبكي كبراؤنا، وزعماؤنا، وأمراؤنا، بدموع النساء، مجدا لم يدافعوا عنه دفاع الرجال الأبطال.

إنَّ بين الحياة والموت، وبين البناء والهدم، خيط رقيق ودقيق، هو خيط العدل والإحسان، فإن لم يُمتّن هذا الخيط، وإن لم تتم صيانته وتقويته، فعلى أمتنا السلام، وعندها سنندم، ولا ينفع الندم، وسنندب حظنا، ولاة حين مناص، ذلك أنّ دولة الظلم ساعة، وأنّ دولة الحق إلى قيام الساعة.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ظهر الفساد، وعمّ العالي والنازل من العباد/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

عندما تبتلى أمّة ما بشمولية الآفات، فتأتي –في سلوكها- أشنع الكبائر، وأحقر الصغائر، لأنها فقدت …