الرئيسية | اتجاهات | الأمم المتحدة للولايات المتحدة/ محمد الحسن أكيلال

الأمم المتحدة للولايات المتحدة/ محمد الحسن أكيلال

 

مقر ترويض الدول

 

لا شك أن الحرب العالمية بما كلفت الدول والشعوب التي خاضتها من أرواح ومعطوبين وثكالى وأيتام وأموال، ودمار لمدن وقرى قد جعلت أعيان ووجهاء العالم يفكرون جديا في اتفاق يمنع مستقبلا نشوب حرب مثلها، وهذا يقتضي إيجاد صيغة مثلى لذلك ليست كصيغة عصبة الأمم التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى التي لم تستطع الوقوف في وجه ألمانيا النازية.

لقد اتفق الحاضرون وهم الأقلية المنتصرون في الحرب وقليل من الدول المستقلة وشبه المستقلة، اتفقوا على تعويض عصبة الأمم بــــ “منظمة الأمم المتحدة” بهيكلتها الحالية ونظامها وميثاقها الحاليين، إنه تعويض، بل تغيير في الشكل، إنه مراعاة لعدد الدول التي نالت وستنال العضوية فيها والأخذ بعين الاعتبار الفروق والاختلافات العقائدية والسياسية لهذه الدول، إذ ليس من الممكن إيجاد منطق لسياق يربط بين توازن الردع بين القوى الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي باعتباره السلطة التنفيذية ذات الصلاحيات اللا محدودة وقرار منع وقوع حرب عالمية ثالثة والاكتفاء بحروب صغيرة محدودة للتنفيس وتجريب الأسلحة من الطرفين لضمان عدم توقف مصانع وشركات الأسلحة عن الإنتاج والتصدير.

إن اختيار مدينة “نيويورك” لمقر الأمم المتحدة لم يأت اعتباطا ولا بحسن النوايا، فالرئيس الأمريكي في تلك الفترة لا شك أنه محاط ببطانة أغلبهم من كبار المفكرين السياسيين الصهاينة الذين لم يفصلوا يوما بين الإيديولوجية الصهيونية ومصالح وطموحات الإدارة الأمريكية في بسط نفوذها على الكوكب، علما أن الصراع بينها وبين الاتحاد السوفييتي لم يكن قد بدأ، والحرب الباردة كما هو معلوم قد بدأت بينهما في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، والصراع بين العرب والصهاينة قد بدأ وأغلبية الدول العربية كانت تحت الحماية البريطانية أو الفرنسية، وما يسمى حاليا بـــ “محور المقاومة” لم يظهر إلى الوجود إلاّ أن بلغت الثورة الجزائرية مستوى من القوة فرض على الأمم المتحدة تسجيلها في جدول أعمال إحدى جمعياتها العامة، ما أعطى لمصر التي أحدث الضباط الأحرار فيها تغييرًا في الحكم بالانقلاب على الملكية والتحول إلى النظام الجمهوري.

لقد بدأت الولايات المتحدة مستعينة بحليفتيها فرنسا وبريطانيا محاولة تجسيد نوايا في تحويل هذا المحفل الأممي فعلا إلى حكومة موسعة للعالم تروض بها حكوماتها ودولها ومن ثم شعوبها لإخضاعها للأمر الواقع الإمبريالي الاستعماري للاحتفاظ بالأراضي والمكاسب والمكتسبات التي استولت عليها خلال عهد الاستعمار.

إن السرعة التي مرر بها قرار منح أرض فلسطين ليهود العالم والصيغة التي حرر بها والتي أبقت القضية على ما هي عليه إلى اليوم تدل على النوايا المبيتة منذ البداية وسبق الإصرار والترصد.

الأكيد أن الولايات المتحدة الأمريكية وهي تسعى لتحقيق حلمها الكبير المتمثل في الهيمنة الكاملة على العالم فكرت منذ البداية في وضع استراتيجية جديدة غير تلك التي كانت انتهجتها الدولتان الإمبرياليتان اللتان تركتا لها الريادة والقيادة بعدما لحق بقوتيهما من ضعف جراء الحرب وحروب التحرر الوطني في كثير من الأقطار والأقاليم، في حين أن أمريكا التي فاجأت العالم بقوتها الاقتصادية والتكنولوجية والفكرية والثقافية التي هي في الحقيقة امتداد لنظيرهما في أوروبا وتطور لها لم تعد الدولتان السالفتان لها تقدر على صنعه لأسباب وعوامل شتى لا يتسع المقال لذكرها.

المهم أن الأمم المتحدة التي يفهم من ظاهر ميثاقها أنها منظمة أسست لمعالجة النزاعات بين الدول وإيجاد حلول للأزمات طبقا لقوانين وقرارات الشرعية الدولية والأخلاق والأعراف الإنسانية لم تنجح يوما في شيء من هذا القبيل إلاّ في بعض حالات منح تقرير المصير والاستقلال لبعض الدول الإفريقية التي تنازلت برضى منها الدول الاستعمارية لحاجة في نفس يعقوب ولتغيير أو تعويض استراتيجية بأخرى. أما بلدان أخرى قد وقع الاتفاق بشأنها على بقاءها مستعمرة كأرض فلسطين أو تحت الحماية كمنطقة الخليج العربي وبعض الدول الواقعة على المنافذ المائية كتركيا ومصر والقرن الإفريقي فإن الصراع بشأنها ما زال قائما إلى حد الساعة.

إن دائرة الصراع التي يمتد قطرها ما بين مضيق “جبل طارق” ومضيق “هرمز” وباب المندب وقناة السويس بالإضافة إلى منطقة القوقاز، هذه الدائرة ما زالت معرضة لانفجارات قد تجتمع كلها لانفجار كبير قد يهدد كل النسل البشري لا سمح الله.

لقد آن الأوان فعلا لتغليب الضمير الإنساني في التفكير الجدي في إصلاح هذه المنظمة قبل فوات الأوان، وخاصة وأن رجلين فقط هما “نتانياهو” رئيس حكومة “تل أبيب” و”ترامب” رئيس الولايات المتحدة قد أوصلا العالم هذه الأيام إلى تبادل التهديد بين القوتين النوويتين الأعظم، و”نتانياهو” وهو يستند إلى “ترامب” قد تعمد في الأيام الماضية إسقاط طائرة روسية للدفع بها إلى رد فعل يفجر المنطقة والمناطق المجاورة لها مثل أوروبا.

إن القرارات التي صدرت عن منظمة الأمم خلال العقود السبعة الماضية عن احتلال فلسطين تفوق المائة والثلاثين قرارًا ما بين القرارات التي صدرت عن الجمعية العامة والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن، ولم ينفذ من هذه القرارات ولو قرار واحد، فقط لأنها تخص الدولة العبرية وهي محمية بقرارات الفيتو الأمريكية والبريطانية والفرنسية في الماضي، وحاليا كل العالم يتفرج على الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ترتكبها القوات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل ولا تستطيع الدول الأوروبية بما في ذلك فرنسا وبريطانيا إعلان اعترافها بالدولة الفلسطينية بعد اعتراف أكثر من 134 دولة بها، الأدهى والأمر أن دولا وجدت إسرائيل ضالتها فيها بالابتزاز والاستناد عليها لفرض الأمر الواقع مثلها في اقتراف نفس الجرائم ضد شعوب أخرى مثل اليمن والصحراء الغربية لأن الدول التي تقترف هذه الجرائم كالمغرب والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تستند على حماية إسرائيل وعلاقاتها الخاصة جدًّا بالولايات المتحدة الأمريكية التي تسيطر على الأمم المتحدة، وقد بدأت فعلا في هذه الأيام تمارس الابتزاز ضدها وضد دول كثيرة منها الدول الحليفة لها كدول الخليج السالفة الذكر واليابان وكوريا الجنوبية وكندا وكل دول الحلف الأطلسي وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، إنه منطق رعاة البقر المجندين لحماية الشخصيات وممتلكاتهم والتي هي في الحقيقة ممتلكاتها هي، فأموال دول الخليج تعتبرها أمريكا صراحة هذه الأيام من حقها باعتبارها هي التي تحميها من إيران والمقاومة، ومن لم يصدق فليستمع للسيد “ترامب” وهو يعلن ذلك صراحة.

لقد ترأس السيد “ترامب” هذه المرة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وخطب كعادته مرافعا عن مواقفه وقراراته، وقد قوبل من طرف أغلبية الحضور في البداية بالضحك الخافت الذي سرعان ما تحول إلى قهقهة من طرف الكثير، هذا الضحك وإن كان يدل على استهزاء به، ولكنه يدل أيضا على استهزاء بهذا المحفل الذي تحكمه دولة الصهاينة والحركة الصهيونية من خلال أقوى قوة تحكم العالم هي الولايات المتحدة الأمريكية التي ظهر للعيان أنها فعلا خططت لإيواء الأمم المتحدة لتجعل منها إدارة من إداراتها أو ولاية من ولاياتها تقرر في شأنها ما تشاء وتقرر بها ما تشاء في شأن العالم وشعوب العالم ودول  العالم دون رقيب ولا حسيب إلاّ من الصهيونية العالمية التي جعلت من نخبتها فئرانها تخيفهم وتبتزهم بتمويل الحملات الانتخابية لمن يريد منهم الترشح فيها.

إن الأمم المتحدة قد تحولت فعلا في هذه الأيام إلى نادٍ للضحك والاستهزاء والسخرية، وقراراتها أصبحت مادة للتنذر لما وصلت إليه من هوان على أيدي الصهاينة الأمريكيين واليهود في فلسطين المحتلة، وما الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يتشدق بها هؤلاء وأتباعهم ما هي إلاّ وسيلة من وسائل التدخل في شؤون الشعوب والدول الأخرى الأقل قوة وجبروتا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

آخر دوائر الصراع الشام..كانت البداية..وأصبحت النهاية/ الأستاذ محمد الحسن أكيلال

  في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، تنفس الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الصعداء بانهيار …