الرئيسية | في رحاب السنة | مجالس السيرة النبوية دراسات في السيرة النبوية تطور مناهج الكتابة في السيرة النبوية (8)/خير الدين هني

مجالس السيرة النبوية دراسات في السيرة النبوية تطور مناهج الكتابة في السيرة النبوية (8)/خير الدين هني

وحين نعود إلى عصر ما بعد السهيلي من المتأخرين، نلفهم ينظرون إلى المتقدمين بشيء من التقديس والتبجيل الزائدين، فظنوا أنهم لم يتركوا شيئا ليكتب فيه المتأخرون، لهذا ضعفت هممهم وفترت عزائمهم، فانصرفوا إلى الزهد وكتابة الحواشي والتعليقات، ربما للتبرك بها والاستئناس بقربهم مما كتبه العلماء الذين كانوا محل تقديس وتبجيل عندهم.

مناهج المعاصرين:

وفي تاريخنا المعاصر كانت الوثبة قد أخذت منحى آخر، اعتمدت مناهج جديدة دعت إليها ضرورة العصر، وفهوم المسلمين وظروف بيئاتهم، وما استلزمته من احتياجات جديدة، وطرق مستحدثة في التفكير والعمل، فرأت أنها غير معنية بمناهج القدماء التي كانت تركز الاهتمام على المرويات والأخبار والشمائل والخوارق، والتعليقات والحواشي وألفيات المديح، وهي مناهج كان لها قدرها وجلالها في أزمنتها، وقد أدت غرضها وأهدافها، وأمدتنا – نحن اليوم- بفيض من الاحتياجات المعرفية، حول ما وقع من تفصيلات ودقائق الأحداث والأخبار التي جرت في عصر النبوة، وما قبلها وبعدها عبر تسلسل زمني متصل.

فحين أقدم الكتاب المعاصرون، ولاسيما طبقة المفكرين والأدباء، ممن نمت لهم نامية من خلال مناظير جديدة استوحوها من بيئاتهم الجديدة التي نبتت فيها حقول معرفية جديدة، لم تكن معروفة لدى من سبقهم من كتاب السير والمغازي، حيث نشأ هؤلاء الكتاب على شيء من التحرر من القيود المنهجية التي وضعها القدماء على الكتابة في السيرة، خصوصا وأنهم لم يجدوا في كتب أهل الحديث تفاصيل المغازي وأخبار الصحابة بما يروي الغلة، لأن الأحاديث التي تضمنتها الصحاح والمسانيد غير مستوفية لأحداث السيرة ووقائعها، كالتي بسيرة ابن هشام وكتب التاريخ والمغازي.

لذلك التجأوا إلى كتب التاريخ والسير والمغازي التي تعتمد على الأسانيد الجماعية، فضلا على أن العصر لا يطيق ترديد عنعنة الأسانيد، ولم يصل إلينا كتاب في السيرة أوفى معنىً وأوضح ديباجة، ككتاب ابن هشام، فهو من أبرز مصادر السيرة النبوية التي وصلت إلينا، وقد نال ثناء العلماء ورضاهم عبر العصور، فاعتمدوه كأساس في كتابة السيرة.

إلا أن الكتاب المعاصرين من المفكرين والأدباء، ممن تأثروا بالمنهج التحليلي المعاصر الذي وضعه الغربيون، قد جعلوا من السيرة النبوية مادة دسمة لإشباع هواياتهم الفكرية والأدبية والسياسية والحركية، والتصوير الفني  والعاطفي، مثلما فعله (طه حسين) في كتابه (على هامش السيرة)، الذي طغت عليه المسحة الأدبية والفنية، والبعض الآخر غلبت عليهم النزعة الإنسانية، فذهبوا إلى تقليد المستشرقين في اعتبار النبي –  صلى الله عليه وسلم-  عبقريا خارق الذكاء، من غير أن يتفطنوا إلى قصدهم من هذا الوصف الذي لم يكونوا يريدون منه إلا نفي النبوة عنه. –صلى الله عليه وسلم- .

مثلما فعله العقاد –على حسن نية – في كتابه (عبقرية محمد)، وكأن النبي – صلى الله عليه وسلم- جاء كمصلح اجتماعي أو سياسي، قاده طموحه السياسي إلى طلب المال أو الملك والسلطان، ولم يبعث نبيا رسولا موجها من السماء لشرح هديه وتعاليمه وفق إرادة عليا حددها الوحي في توجيهه وإرشاده. وصفة العبقري، صفة إنسانية تبرز جوانب النبوغ والتفوق عند الفرد البشري، وقد أطلقها المستشرقون لتبرير جوانب القوة والعظمة عند النبي صلى الله عليه وسلم، من جهة أولى. وكذلك ليضللوا بها المسلمين ويدخلوا الشك والارتياب إلى نفوسهم من جهة أخرى.

وفعل مثل العقاد – على حسن نية أيضا- كثير من المثقفين والأساتذة والأكاديميين والدعاة المسلمين، في كتاباتهم ومحاضراتهم، ودروسهم وهم يريدون الإشادة والتنويه بقدرات النبي الفائقة، وكأنه إنسان نابغة موهوب، وليس نبيا رسولا، فألف عبد الرحمن الشرقاوي (1921م- 1987م)، مصري، شاعر وأديب وصحفي، ومفكر إسلامي ومؤلف مسرحي، له مسرحية عن جميلة بوحيرد، ساهم في كتابة سيناريو الرسالة مع توفيق الحكيم، ألف كتابه (محمد رسول الحرية)، عالج فيه المساحة الكبرى التي شغلتها مبادئ الحرية في تفكير النبي وأهداف شريعته. وألف منير الغضبان (1942-1914م) من مواليد (التل دمشق) داعية إسلامي، ألف كتابه (المنهج الحركي للسيرة النبوية)، حاول أن يعطي فيه للسيرة بعدها السياسي، عبر الحركة المنهجية التي اعتمدها صلى الله عليه وسلم في دعوته، وكأنه أراد أن يربط مسار الحركات الإسلامية المعاصرة  بأحداث السيرة .

ولذلك نرى أصحاب المنهج الحركي من الإسلاميين، يجوزون المظاهرات والتجمعات والعصيان المدني، مستشهدين بخروج النبي صلى الله عليه وسلم حين اجتمع لديه جمع من المؤمنين، عددهم ثلاثون من أصحابه من دار الأرقم التي كان يدعو فيها سرا، خرج مع من آمن بدعوته ممن شكلوا النواة الأولى من المسلمين، يعلنون دعوتهم جهرة بما يشبه المظاهرة في أيامنا هذه،  وقد يمموا نحو الكعبة حيث مجالس المشركين والسادة من قريش، وكان هدف الحركيين من هذا الربط والقياس تأسيس حركة بنيوية هرمية متماسكة تؤدي في النهاية إلى إحياء مفهوم الخلافة، من طريق الاقتداء والتأسي، بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وهناك من انتهج منهج الدراسات في تاريخنا المعاصر، على نحو ما فعله الدكتور عماد الدين خليل (1941م-…)، ولد بالموصل في العراق، مفكر وباحث ومؤرخ، له دراسة في السيرة النبوية، (406ص) ركز فيها على الجانب التحليلي لأحداث السيرة، وأقوال بعض المستشرقين وتعليلاتهم المغرضة، للنيل من النبوة وأهدافها النبيلة، ومعارضة زعماء الوثنية لرسالته صلى الله عليه وسلم.

وهناك دراسة أخرى للدكتور حسين مؤنس (1911م- 1996م) مصري، وهو أستاذ باحث ومفكر ومؤرخ، ركز فيها على جوانب منهجية مثيرة في السيرة، فتناول الفرق بين الرؤية التاريخية والرؤية العاطفية في كتابة السيرة النبوية، وفسر بعض  الأحداث والوقائع بتعليلات واستنتاجيه شخصية، غلب عليها النظر التاريخي في التحليل، قد لا تتوافق في بعض جزئياتها مع واقع النبوة والرسالة، ولكن في العموم فإن الدراسة جيدة وعذبة الأسلوب والصياغة، وهي تستحق التقدير.

وفي الجهة المقابلة، نجد بعض المتشددين، يبالغون في التحوّط من الخروج عن مناهج المحدثين في كتابة السيرة النبوية، ويعيبون على ما يسمونهم أصحاب المدرسة الإصلاحية من أهل الفكر والأدب، بنزوعهم نحو المنهج التحليلي، فكانوا بتشددهم أن ضيقوا واسعا على الأمة فهم السيرة، بقراءة معاصرة متوافقة مع روح القرآن والسنة. مثلما فعله الأستاذ محمد سرور بن نايف زين العابدين – رحمه الله- (1938 – 2016) في كتابه، (دراسات في السيرة النبوية)، رجل دين سوري الأصل والمولد، وهو صاحب منهج متشدد، زاوج فيه بين مذهبي ابن تيمية وسيد قطب، عاش متنقلا بين السعودية وبريطانيا والأردن، وله آثار ونشاطات حافلة بالغنى والعطاء، وهو أحد المشنعين بأصحاب المنهج التحليلي، فرماهم بالضعف والقصور والابتعاد عن منهج السلف الصالح (منهج الجمع والترتيب والتحقيق بالسند، من غير تعقيب ولا تحليل ولا استنتاج) في كتابة السيرة النبوية، لأنه لا يقبل كتابة السيرة بالمنهج الذاتي التحليلي المعاصر، وهو منهج مأخوذ عن المستشرقين في نظره.

وعلى أساس هذا المنهج سار كتاب معاصرون آخرون، فسلكوا مناهج المحدثين في كتابة السيرة، إذ اعتمدوا على كتب الحديث في تخريج أحداث السيرة، فكان أن أضفوا عليها صبغة متشددة، بقواعد الضبط التي اعتمدها المحدثون في قبول المرويات في كتب الحديث، كالذي فعله الدكتور أكرم ضياء العمري المولود بالموصل بالعراق، في كتابه (السيرة النبوية الصحيحة)، فأثنى عليه البعض ممن يميلون إلى مدرسة الحديث في التوثيق والتأصيل فاعتبروه كتابا نفيسا، لأنه خلص السيرة من المرويات المرسلة في زعمهم، مع أن المرسل مقبول في السيرة اتفاقا وفي الفقه عند السادة الحنفية، وقبول الروايات المرسلة كثير في كتب السيرة والمغازي.

وهناك مآخذ أخذها عليه آخرون، ممن يضيق بهم منهج المحدثين في كتابة السيرة النبوية، فاعتبروا كتابه كتابا في الحديث أكثر مما هو  في السيرة، ووصفوه بأنه كتاب جاف، لأنه لا يتضمن شرحا للمرويات ولا تعليقا ولا استخلاصا للعبر والعظات، وقال آخرون الكتاب يصنف في كتب الحديث أكثر مما يصنف في كتب السيرة، وقالوا إنه اعتمد على التسلسل التاريخي، بدلا من التسلسل المنطقي لأحداث السيرة، وها أنا الآن وقد أبنت الغاية من هذا المنهج سأكتفي بالحديث عن منهج الدكتور العمري الذي سيغنينا عن بقية من انتهجوا نهجه في كتابة السيرة الصحيحة في أيامنا هذه، لأن غايتهم واحدة ليس فيها اختلاف.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مراحــــل الــدعـــوة النبــويـــة فـي مـكـــة1/ خير الدين هني

المرحلة الثالثة: حينما انتهت المرحلة الثانية وهي المرحلة السرية التي كانت تجري وقائعها في دار …