الرئيسية | في رحاب الشريعة | أسباب الأمن والأمان في الوقاية من الانزلاق في خطوات الشياطين/ محمد مكركب

أسباب الأمن والأمان في الوقاية من الانزلاق في خطوات الشياطين/ محمد مكركب

 

قرأتم وتيقنتم أن الشيطان عدو للإنسان، وتيقنتم بأن له خطوات من وقع فيها وظل غافلا جره إلى الغرق في المعاصي ولا يخرج الغافل من خطوة إلا نادما متحسرا، وقد يخرج من واحدة ليقع في أخرى، وعلمتم أنه من مفاتيح الانتصار وبناء المجتمع الفاضل، ومن ثم بناء الوطن والدولة القوية اجتناب خطوات الشيطان، ولن يتيسر ذلك إلا بأسباب، فتعالوا معنا لدراسة هذه القضية ذات الأذرع الأخطبوطية، لنتعرف على أخطارها، وكيف نحمي أنفسنا وبلادنا من خداعها. فما هي خطوات الشيطان التي نهى عنها الرحمن؟ وما أنواعها؟ وبم نحصن أمتنا من خطرها؟ 

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة لا نجد كلاما أبلغ وأبين من كلام الحكيم الخبير، فخير ما نبدأ به المقال، وهو نور الاستدلال من كلام الكبير المتعال، بدءا بالآية التي قرأتها في المقال السابق:﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:22].

لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ، أي لما قطع وفرغ منه، وانتهى وقت الحساب، وعَلِمَ كل فريق أين الطريق، فأحدهما إلى الجنة ونعيمها، والآخر إلى النار وبئس القرار، حينها يقوم الشيطان خطيباً في الأشقياء الذين اتبعوه، ولم يتحصنوا من خطواته في الدنيا، من الجنّ والإنس، فيقول:﴿ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ وهو البعث والجزاء على الأعمال، وهو وعد حق فأعطى من وفى منكم. ﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي ما كان للشيطان على أتباعه من تسلط وقهر، وما كان له من قوة تجبرهم على الكفر والمعاصي، فقط ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إلا دعائي إياكم إلى الضلالة يقول لهم: فقط كنت أُوَسْوِس لكم بالإغراء والتخويف، وأزين لكم المعاصي.

قال الزمخشري:( وهذا دليل على أنّ الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه، وليس من الله إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين. ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإنّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه. فإن قلت: قول الشيطان باطل لا يصح التعلق به. قلت: لو كان هذا القول منه باطلا لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل له في النطق بالباطل في ذلك المقام: ألا ترى إلى قوله ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ كيف أتى فيه بالحق والصدق، وفي قوله ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ وهو مثل قول الله تعالى:﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ}.

فيا من تختلس المال العام، يا من تتجسس على الناس، وتغدر، وتقتل من حيث لا تشعر، يا من تأكل الرشوة، يا من تخون الأمة، وتخون الوطن، هل تظن أن الحياة سائبة  لا رقيب ولا حسيب ولا جزاء؟

1 ـ ما هي خطوات الشيطان: الخطوات: جمع خطوة بضم الخاء، وهي المسافة مابين قدمي الماشي، والمعنى هنا آثار الشيطان واتِّباعه، أي: هي آثاره، وطرقه، وأساليبه، وأفعاله. وهي كل قول أو فعل مخالف لأمر الله تعالى. ومنه: السوء، والإثم، والفحشاء، والمنكر.

2 ـ أنواع خطوات الشيطان: ومن خطواته كلام السوء، والفحشاء، قال الله تعالى:﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(البقرة:169). ومنه: تحليل ما حرمه الله، وتحريم ما أحله الله. والوقاية من هاتين الخطوتين. العمل بأحكام الشريعة، وترك الهوى وشهوات النفس.

ومن خطواته: الجدال بالباطل ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾(الحج:3) وما أكثر الناس الذين يقعون في الجدال بالباطل، حتى بعض الذي ينتسبون إلى الدعوة والفكر ويسمون أنفسهم الدعاة، أو المفكرين المجددين، ويقعون في خطوات الشيطان، عندما يخوضون فيما لا يعلمون،أو يعيرون بعضهم، ويتهمون، ويسخرون من بعضهم.

ومن أخطر خطوات الشيطان في هذا العصر: أبواق ودعاة مارقون يطعنون في السنة والقرآن والشريعة الإسلامية من النصارى المستوطنين في بلدان إسلامية مع الأسف. كما دخل الشيطان من باب مغرورين يسمون بالمفكرين الإسلاميين، تصدوا للبحث عن أخطاء العلماء والفقهاء، وعندما يجدون ثغرة أو هفوة في التراث الإسلامي يصرخون بملء فيهم عبر القنوات، وكأنهم فتحوا فلسطين، أو استرجعوا الأندلس. وعملهم هذا من الابتلاء الشبيه بحادث الإفك المتكرر.

من الدروس المستفادة من قصة الإفك أن أهله روجوه جهلا وطغيانا، وزوروه افتراء وبهتانا، بدعوة الشيطان لهم، فكان كل ذلك الإرجاف، وتلك الأحزان، وما يتحمله الذين تولوا كبره، كل ذلك كان نتيجة اتباع خطوات الشيطان، هذه التي نهى الله عنها، فالشيطان سول لهم وأملى لهم فاتبعوه، ونسوا مواعظ الخالق جل جلاله.

من خطوات الشيطان التحريش بين علماء وعلماء، وبين العلماء والحكام، وبين شباب وشباب. فعن جابر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول:[إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم](مسلم.2812).

من خطوات الشيطان الانقسامات وكيف تنبت الفرق والأحزاب لا لشيء إلا لتقسيم الأمة وتفتيت الجهود، فالتنظيمات المشيخية الفرقية، والأحزاب النعراتية السياسية، هي المشاتل التي يُزرع في حقول عصبيتها وتعصبها الشنآن وبذور النزاع.

عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، قال ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت](مسلم.2813).

3 ـ ما هي الوسائل والأسباب للوقاية والتحصين من الوقوع في خطوات الشياطين؟

1 ـ الاستعاذة بالله تعالى. قال الله عز وجل:﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(فصلت:36) ومن معاني الآية: أي: إذا وسوس لك الشيطان وأحسست أنه يدفعك بوساوسه، وبنزواته وشهواته، إلى مراكب الغرور والتطاول، وإلى أن تعادي أخاك، أو تقاتله، وتحارب جارك وشريكك والمواطن معك، أو تنقلب على ابن أخيك لتأخذ مكان سلطته، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.

وأقبح خطوة من كل هذا أن يلعب الشيطان بالمسلم حتى يعميه ويحارب أبناء وطنه ويخرج عليهم بالسلاح، فتلك هي الخطوة الإبليسية الكبرى، قال عليه الصلاة والسلام:[سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر]. ما أجمل أن يلجأ المسلم إلى ربه سبحانه، ويتعوذ به من الشيطان الرجيم، بدلا من أن يعادي أخاه، أو يحاربه.

من خطوات الشيطان الحسد، وما أقبح الحسد في نفوس الحاسدين. والعبرة المعبرة في قصة يوسف عليه السلام. ذلك أن إخوته اعتدوا عليه وكادوا له حيث حسدوه، وتآمروا عليه ليقتلوه، ولما تفطن لكيد الشيطان ومكره، صبر وعفا، وصفح وأصلح.

بدأت الحكاية التي تطورت إلى التفكير في قتل يوسف، أن إخوته رأوا الحظوة والمكانة والمنزلة التي كانت ليوسف عند أبيهم فحسدوه، والحسد إذا تمكن من القلب انقلب العقل إلى هوى، فلما اشتعلت نار الحسد، أرادوا أن يكيدوا له، فكان منهم ما كان، وفي الأخير قال عليه السلام تواضعا لله:﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ وكان حذره أبوه وقال له:﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ نعم، إن الشيطان للإنسان عدو مبين، فمن دفع المتنطعين الحرابيين في العالم لحمل السلاح على الآمنين، إنه نزغ الشيطان بجهل الإنسان، من يحمل الجار على جاره يحاربه، والشاب على رئيسه يفتنه، والحاكم على شعبه يفقره ويدمره، والساحر المشعوذ على البريء فيشقيه ويهلكه، والعامل على أملاك الأمة وخزائنها فيختلس ويخون. كل هؤلاء ما تفطنوا لخطوات الشيطان. وما تدبروا القرآن، ويقولون إنهم مسلمون﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾(الفرقان:27/29).

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …