الرئيسية | على بصيرة | من لغتنا الجميلة إلى لغتنا المرقعة/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

من لغتنا الجميلة إلى لغتنا المرقعة/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

يا حادي العيس في وطني الجزائر ! ويا حامل سنابل الخير والبشائر ! ويا واهب الأنس للأحرار وللحرائر!

عرِّج على ربعنا فالجرح فيه غائر، والعزم خائر، والضر مس جل الضمائر. لقد بُحّ النداء وغاب رجع الصدى، وصار الناس يسيرون على غير هدى.

فإلى جانب فقد الأمان على حياة الولدان وشرف النسوان، وإلى جانب تفشي فساد المال والذمة في الديوان، ها هو العدوان على اللسان، والعقل، والجنان.

إننا على وشك أن تعم العجمة كل لسان وكل عناوين الحيطان. وقد نلجأ إلى استخدام الفرنسية في رفع الأذان، وحتى في إقامة الصلوات في كل حين وآن.

فستون سنة من استقلالنا، لم تشفع لنا في استرجاع سيادتنا، وامتلاك إرادتنا، والمصالحة مع ذاتنا.

ويتحدثون لنا عن المصالحة، وإن المصالحة الحقيقية إنما تبدأ من المصالحة مع الذات والقضاء على كل الآفات، وتقديم الدليل على ذلك من المسؤولين والرعاة.

إنّ الفساد كلٌّ لا يتجزأ، ومحال أن يفسد العقل، والقلب، واللسان، وتصلح العين والأذن، واليدان. وهذه هي حقيقة الواقع المر الذي نعيشه في ربعنا.

فالسطو على المال العام، أضحى –في شريعة البعض- مباحا. والتحايل –بكل الوسائل- من أجل الثراء، أصبح بحبوحة وانشراحا، ومخاطبة الشعب، بغير لغته صار تطورا وانفتاحا.

رحماك ربي، مما أصاب لغتنا الجميلة التي تحولت إلى لغة مرقعة، مشتتة الكلمات مختلفات، فإذا ثرنا للدفاع عنها والمناداة بنصرتها، اتُّهمنا بالتعصب، والعبثية والإخوانية، وهي ” شنشنة أعرفها من أخزم ”

لا تلمني في هواها       أنا لا أهوى سواها

إن قومي ضيعوها       فدهاها ما دهاها

واليوم، ونحن على أبواب السنة الاجتماعية والتربوية، والجامعية الجديدة. ألا يحق لنا أن نتساءل –ماهي حصيلة ما أنفقنا من نفقات وتضحيات في سبيل تكوين العقل؟

ما هو العلم التربوي الأصلح الذي نقدمه لأجيالنا، فنغرس فيهم حب الوطن المفقود؟ ونكوّن لديهم الوعي الحضاري المنشود؟ ونجعل منهم الجيل المستقبلي الصالح والموعود؟

أما آن لنا أن نعيد النظر في منظومتنا التربوية فنوطد مفرداتها؟ وفي هيكلتنا الاجتماعية، فنعرّب ذاتها ولهواتها؟ ونجدد مسيرتنا العلمية الجامعية، فنقيمها على القيم الإسلامية الإنسانية السامية في مقاصدها وغاياتها؟

لماذا لا نُدخل الثقافة العربية الإسلامية في التخصصات الطبية، والفيزيائية، والرياضية، والهندسية، وغيرها، لنكوّن جيلا منسجما مع ذاته، ومع متطلباته، ومع إداراته؟

إنّ مقاومة الغلو، والتطرف، والإرهاب، والتشدد، تبدأ من هنا، فمحال أن يتطرف عقل أُسس على التدين السليم من أول يوم، وعلى العلم القويم من بداية تكوينه.

وإنّ العلم والدين، وجهان لعملة واحدة، هي الإنسانية في أغلى وأعلى مبادئها ومعانيها.

نحن إذن تائهون، في فلاة من السراب، نخلط بين السحاب والضباب، فاضطربت لدينا مفردات الخطاب من الإعلام إلى المحراب، فضاع من عقولنا الرشاد والصواب.

فيا إخواني !

يجب البدء من البداية، وما البداية إلا هذا البيت العائلي الذي أهملناه، وهذا القسم المدرسي الذي غرّبناه، وهذا المحيط الاجتماعي الذي فرنسناه، وهذا التنظيم السياسي الذي لوثناه.

فليس العيب أن نخطئ، ولكن العيب كل العيب، أن نصر على الخطإ العظيم فنبقى فيه ماكثين، وفي ضلاله تائهين.

إننا نملك كل مقومات الإقلاع والنهوض والإصلاح لو كنا صادقين، فنعترف بأخطائنا، والاعتراف سيد الأدلة، ونتوب من ذنوبنا، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ونتوسل –بالعمل الصالح- إلى وطننا وإنّ الوطن غفور رحيم.

ولن يتم الإصلاح بالمفسدين، ولا التقدم بالمتخلفين، ولا نشر العلم أو الدين بالجاهلين، أو المشعوذين، يجب أن نعطي القوس باريها، فنسند الفرص على أساس الكفاءة، والنزاهة، ليس على أساس القبلية أو الجهوية أو المحسوبية.

كفى تطبيقا لسياسة النعامة، فالتحديات كبيرة وخطيرة، والصفحة الاستعمارية لم تُطو بعد، وإن المتربصين بنا محليا ودوليا كثر، فعدم الوعي بذلك، هو مساعدة للعدو على إعادة احتلالنا، واحتلالنا اليوم لن يكون بالسلاح من سيدي فرج، ولكنه سيكون بالثقافة من قسم الجامعة والمدرسة، وبالاقتصاد من آبار النفط في حاسي مسعود، وبزرع الفتنة والانفصالية، انطلاقا من الطائفية والمذهبية والإيديولوجية. إن ذلك كله من شأنه أن يفقدنا المناعة الوطنية، والثقافية والدينية والأيديولوجية، فيسهل غزونا، ويتحقق انسلابنا.

نصحت ونحن مختلفون دارا

ولكن كلنا –في الهم- شرق

 

إننا نرى بعض المستغربين، الذين يطالبوننا بتقليد الغرب، بدءًا بلبس القبعة، وانتهاء بهدم الصومعة فيا ليتهم يقتدون به في كسب العلم الذي هو أداة التقدم، وبالتمسك بلغته وثقافته التي هي عنوان إثبات الذات ﴿… فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (سورة النساء، الآية:78).

أرى لِرجال العرب عزا ومنعة

وكم عز أقوام بِعز لغات

أتوا قومهم بالمعجزات تفننا

فيا ليتكم تأتون بالكلمات !

إن لغتنا الجميلة، التي هي عنوان عزتنا وفخرنا، قد تحولت إلى لغة مرقعة فصارت دليلا على محنتنا وموتنا.

وإن وطنيتنا الحصينة التي كانت –ذات يوم- عامل تحررنا وإثبات سيادتنا، قد حولها البعض إلى وسيلة لتوطئة أكناف البيت، إلى العدو الباحث عن الصيت والزيت. فلطفك اللهم، يا رب البيت !

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ظهر الفساد، وعمّ العالي والنازل من العباد/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

عندما تبتلى أمّة ما بشمولية الآفات، فتأتي –في سلوكها- أشنع الكبائر، وأحقر الصغائر، لأنها فقدت …