الرئيسية | اتجاهات | آخر دوائر الصراع الشام..كانت البداية..وأصبحت النهاية/ الأستاذ محمد الحسن أكيلال

آخر دوائر الصراع الشام..كانت البداية..وأصبحت النهاية/ الأستاذ محمد الحسن أكيلال

 

في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، تنفس الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الصعداء بانهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه وانضمام كثير من دول أوروبا الشرقية ابتداء من بولونيا حيث مقر “حلف وارسو” إلى معسكر العدو  و “حلف شمال الأطلسي”، وأحس هذا الغرب بنشوة النصر واقتراب موعد التخلص النهائي من أصل المشكلة والمعضلة المتمثل في القضية الفلسطينية التي كانت وما تزال الفتيل المتصل بأنبوبة (ت.ن.ت T.N.T) والتي هي بدورها تنتظر اليد المفجرة.

لقد اجتهدت الدول الغربية بمعية الكيان الصهيوني مستفيدة من خدمات دول عربية، بعضها بأموالها وأخرى بسكوتها ورضاها عن الجريمة المقترفة في حق المقاومة الفلسطينية بإخراجها من لبنان والقذف بها بعيدًا في الشتات كاللاجئين، لقد استغلت هذه الدولة حال منظمة التحرير الفلسطينية لتستدرجها خوفًا وطمعًا إلى “أوسلو” لتبريد أعصابها وتقتنع بأساليب شتى بالقبول بأحلى المرين وابتلاع الطعم المخدر والرضا بالاستراحة في سجن الضفة الغربية ذي الباب الواحد والوحيد، باب “جسر الملك حسين” (رحمه الله) الذي أعدّ هو أيضا نفسيا ومعنويا وماديا لتوقيع اتفاقية “وادي عربة” أسوة بالرئيس المصري “محمد أنور السادات” الذي تكلّف بإعداده عربي واحد هو الملك “الحسن الثاني” ملك المغرب.

الصراع بين القوتين كان في حقيقته صراعا بين القوى الإمبريالية الاستعمارية بزعامة بريطانيا وفرنسا في البداية ثم بزعامة الولايات المتحدة أخيرا؛ وبين قوى التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بزعامة الاتحاد السوفييتي الذي تبنى منذ البداية الفكر الثوري التحرري وحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها؛ لذلك كانت دوائر الصراع ومواقع وقواعد الاشتباك كانت من الشساعة والاتساع بمكان أعطى توازن القوى وتكافئها الحظ الأوفر لهذا المعسكر المكافح؛ وهذا ما ساعد فعلا على انتصار هذه القوى وهي تصبو إلى بناء عالم جديد ونظام عالمي أكثر عدلا وإنصافا في التبادلات والعلاقات الدولية. ومع بداية سبعينيات القرن الماضي مع بداية بروز ظواهر وملامح انهزام هذا المعسكر الإمبريالي، قام فريق من كبار المفكرين الاستراتيجيين في أمريكا بوضع استراتيجية جديدة وبداية هجوم جديد تستعيد به المواقع والقواعد بأي ثمن كان للإبقاء على أوضاعها الهجومية السابقة التي تمكنها من المحافظة على كل الامتيازات في السيطرة على المجالات الحيوية والأسواق والثروات الطبيعية والمواد الأولية التي تحتكرها منذ القرن الماضي.

الجغرافيا سيدة الموقف دائما

مما لا شك فيه أن عصر النهضة وما حققته فيه الدول الأوروبية الكبرى من تقدم في شتى فروع العلم والمعرفة قد فتح أعينها على ضرورة تقصي الآفاق واستكشاف الأراضي والبلدان التي تمكنها من الاستزادة من ثرواتها وتطوير اقتصادياتها المتنامية أصلا بالثورة الصناعية، هذه الثورة نقلت بكثير من الذكاء والخبرة عمليات الإنتاج من اليد العاملة البشرية إلى الآلة الميكانيكية والكهربائية؛ لقد وجدت نفسها في حاجة ملحة إلى التوسع الجغرافي، فهو لا مناص منه لبناء القوة، الطريق الصحيح والوحيد للمجد.

لذلك كان أول اتجاه لأنظارها إلى الإمبراطورية الإسلامية المحيطة بها شرقا وجنوبا، إمبراطورية الخلافة العثمانية التي أسقطت القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، فهذا من جهة من دوافع الانتقام، ومن جهة ثانية يوفر الوقت والجهد المادي  والمالي والعسكري لاسترجاع المستعمرات الرومانية الأوروبية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث تقع البحار الدافئة والمضائق المائية والمواقع الإستراتيجية الأحسن للحروب المتوقعة، وهذه الدولة الإسلامية زيادة على كونها تتربع على كل هذه المساحة الشاسعة وتتحكم في مصائر شعوب مختلفة تنام على ثروات باطنية ضخمة، فهي تعاني فعلا كل أسباب وعوامل الانحطاط والتدهور وبالتالي فهزيمتها غير مكلفة ما دامت الشعوب التابعة لها أصبحت تضيق ذرعا بها حسب تقارير الجواسيس الخبراء الذين كلفوا بدراسة هذه المجتمعات.

إن القضاء على هذه الخلافة سيسهل عملية السيطرة على كل المنطقة وكل المناطق المجاورة لها، ولتكون أهم المواقع الإستراتيجية للغرب المسيحي الإمبريالي في صراعه ضد القوى الناشئة الأخرى المناوئة له في الشرق.

لقد انفردت القوتان الأعظم – بريطانيا وفرنسا – بالسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وآسيا الصغرى باستثناء جمهوريات القوقاز التي انضمت إلى الاتحاد السوفييتي بعد اكتمال تأسيسه، لذلك لابد من وضع خارطة قسمت بمقتضاها المنطقة بين الدولتين البريطانية والفرنسية وحددت فيها فلسطين استثناء أرضا تخصص للشعب اليهودي الذي تؤسس له دولة ترعاها الدولتان لتكون الموقع الأمامي للصراع القادم المحتمل.

الغريب أنه لم يفكر أحد من هؤلاء في وضع حدود نهائية لهذه الدولة رغم زرعها قسرًا في محيط رفضها منذ البداية، ويعلمون جيدا أن دولة كهذه لا تقتنع بجغرافية فلسطين لوحدها، وخاصة وأنها منذ ميلادها كانت دولة عسكرية، فهي فرض عليها واقعها خوفا دائما من الجوار بما أن اليهودي، أي يهودي بطبعه خائف من الآخر، فكيف تكون دولة ترعاها قوتان إمبراطوريتان في البداية – بريطانيا وفرنسا – ثم خلفتهما أمريكا، فهي الدولة الأكثر تسليحا في كل المنطقة بكل الأسلحة المتطورة بما في ذلك القنابل الذرية التي أكسبتها إياها فرنسا عام 1959.

لقد كانت فلسطين المحتلة أولى دوائر الصراع وأبقيت بعيدًا عن الدوائر الأخرى حماية لها، ولتكون آخر دوائر هذا الصراع فقط عندما تضيق الدوائر الأخرى الأبعد منها، وهذا لا يحدث إلاّ إذا بدأ الغرب في الانسحاب منها، كما يحدث الآن في سوريا والعراق، بعد تأكد الولايات المتحدة الأمريكية من هزيمتها في الاشتباك ضد روسيا مدعمة بالصين وإيران.

الصراع يتجدد مع كل الشرق

لم يصدق الغرب نفسه أنه تخلص من روسيا السوفييتية بعد سنوات من الصراع معها بكل الوسائل والأساليب ليخلو له الجو في كل القارة الأوروبية التي انضمت كلها باستثناء روسيا البيضاء وأوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، لكنه ما لبث وهو في عز النشوة والخيلاء بانتصاره حين حرك عملاءه في أوكرانيا للانقلاب على الرئيس المنتخب والمخلص للتوجه الروسي الجديد، فوجئ بعودة قوية للقوة الروسية، وهذه المرة مدعمة بالصين الشعبية التي تحسنت علاقاتهما التي ساءت في عهد “بريجنيف” لأسباب أقنعت الدولتان الآن بأنها واهية لا تستحق انفصام عرى الصداقة وحسن الجوار بينهما.

خلال سنوات الصراع الأولى بين الغرب والاتحاد السوفييتي وحرب المواقع خسر الغرب موقعا استراتيجيا بالثورة الإسلامية في إيران، وقد أظهرت الأحداث أن هذا الموقع جد مؤثر في تفاعل الأحداث وتطورها على الساحة الدولية، لكن مع ذلك عوض هذا الموقع بموقع مصر التي انتقلت بتوقيع اتفاقية “كامب ديفيد” مع الدولة الصهيونية وفي هذا تحصين وحماية لدولة إسرائيل.

روسيا في عهد الرئيس “فلاديمير بوتين” قررت بداية الهجوم المضاد لاسترجاع الواقع وقواعد الاشتباك القادم انطلاقا من جزيرة القرم التي تقع في البحر الأسود وبالغرب من مضيقي “الدردنيل” و “البوسفور”، بموازاة هذا استغل العلاقات الإستراتيجية التي تجمعه مع سوريا ليعقد معها حلفا استراتيجيا يتضمن قاعدة جوية في “حميمين” بشمال سوريا بالقرب من مضيق “البوسفور”، كما استغل الخلافات التي نشأت بين تركيا وأوروبا في البداية ثم أمريكا أخيرًا ليتقرب كثيرا من الدولة المسلمة السنية التي تقع على حدود روسيا و و بصدد تقوية العلاقات معها وإغرائها بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي في الوقت المناسب، وخاصة وأن أمريكا تقف إلى جانب الأكراد السوريين والعراقيين الذين تعتبرهم تركيا إرهابيين كما أنها منحت حق اللجوء السياسي للزعيم الإسلامي التركي “أوغلو” الذي تتهمه الدولة التركية بمحاولة الانقلاب ضد الرئيس التركي “طيب رجب أردوغان”. كل هذه الأسباب والعوامل ساعدت الرئيس الروسي في اكتساب أوراق ضغط هامة ضد الرئيس الأمريكي تجعله يرتبك ويتصرف بعشوائية في اتخاذ قرارات لاشك ستزيد من عزلتها على الساحة الدولية وانحسار دورها في كل المنطقة وإضاعة فرص ومواقع جديدة في كل من آسيا الشرقية والشرق الأدنى والشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المستقبل القريب.

لقد قرر المحافظون الجدد والمؤثرون في قرارات الدولة العميقة في أمريكا أن يضعوا دولة إسرائيل على رأس أولويات المصالح العليا لبلادهم حين شجعوا الرئيس “ترامب” على اتخاذ قرارات تضع مصداقيتها في شبهة تهديد السلم والأمن الدوليين،    بل وأبعد من هذا بدفع حلفاء بلاده إلى التفكير في إعادة النظر في كل العلاقات التقليدية التي تربط بينهم منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية بسبب العقوبات المالية التي قررها ضدهم.

الأكيد الآن أن العالم سيعرف نظامه في مجالات العلاقات الدولية تغييرات دراماتيكية سريعة قد تضعه على شفا بركان إن لم تتظافر جهود الحكماء والعقلاء إلى كبح جماح هذا الرجل المتهور العابث بمستقبل البشرية لإرضاء كمشة من اليهود المتعصبين المتطرفين في الدولة العبرية.

إن الفلسطينيين والحال هذا عليهم بالإسراع إلى إعادة ترتيب بيتهم واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي بدونها ستلحق بهم نكبة أخرى بعد نكبات 1948 و 1967 و 1982 و 2010 و 2013.

على حركتي “فتح” و “حماس” اللقاء لإتمام جهود المصالحة الوطنية في أقرب وقت ممكن لأن الزمن لا ينتظرهم، والعالم كل العالم ينتظرهم.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

أدعياء السنة دعاة الصهيونية صراحة “ترمب” تعري المملكة / محمد الحسن أكيلال

  رحم الله الكاتب الصحفي الكبير “محمد حسن هيكل” وأسكنه فسيح جنانه، لقد أطال الله …