الرئيسية | في رحاب الشريعة | من أركان بناء الدولة الاتحاد بين المؤمنين، واجتناب خطوات الشياطين/ محمد مكركب

من أركان بناء الدولة الاتحاد بين المؤمنين، واجتناب خطوات الشياطين/ محمد مكركب

 

الأمر المجمع عليه أن من أسرار قوة المؤمنين في انتصارهم هي أخوتهم واتحادهم، كي يكونوا كالجسد الواحد، فتجتمع قوة المناعة لديهم مع تكامل الحواس للدفاع نحو هدف واحد، وإلى جانب أخوتهم واتحادهم الاطلاع على الواقع، وما يجري في العالم، ومعرفة ما يدبره الأعداء من الدسائس والكمائن في طريق المسلمين، والأعداء الحقيقيون المكارون هم الشياطين من الإنس والجن، لذلك سنبين في هذا المقال إن شاء الله المفتاحين معا: الاتحاد، واجتناب خطوات الشيطان.

  لقد بينا بفضل الله تعالى في المقال الأول من أركان بناء الدولة، المفتاحين:( الإيمان، والمحكمات). ونبين إن شاء الله تعالى في هذا المقال المفتاح الثالث، والرابع. وهما:( الاتحاد بين المؤمنين، واجتناب خطوات الشياط ين). وهدف سلسلة بيان هذه المفاتيح الهدف منها الوقاية من الفتن، والأزمات، والحروب الأهلية. وهذه المفاتيح هي قوام السياسات الشرعية النبوية، التي هي قوام الحضارة والمدنية الراقية، وهي أسباب كل الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾(الأعراف:96).

المفتاح الثالث اتحاد المسلمين: من الأسرار العظيمة في القرآن والتي يجب أن يتعلم منها المؤمنون قانون الاتحاد بينهم سنة التكامل، والروح الجماعية في التفكير، والتكافل، ووحدة الصف، والتواصل. فالله تعالى يخاطب المؤمنين ويدعوهم إلى الإيمان، أو القيام بفرائض العبادات، أو للجهاد، أو للعمل، (لأي عمل) بصيغة الجمع، فلإقامة الحكومة التي تدير شئون الدولة قال:﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(آل عمران:104). قال البيضاوي في أنوار التنزيل وأسرار التأويل:(من للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، ولأنه لا يصلح له كل أحد (ولكن) خاطب الجميع وطلب فعل بعضهم ليدل على أنه واجب على الكل حتى لو تركوه رأساً أثموا جميعاً ولكن يسقط بفعل بعضهم، وهكذا كل ما هو فرض كفاية، أو أن (من) للتبيين بمعنى وكونوا أمة يدعون كقوله تعالى:﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. والدعاء إلى الخير يعم الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي) وعندما خاطب الله تعالى المؤمنين لبناء المجتمع في وئام وسلام، وتماسك تام، وبما يعرف بمصطلح ( المواطنة) في التعبير المعاصر. قال جل جلاله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:71).

وعندما دعا الله تعالى عباده للجد والاجتهاد والجهاد أخبر تبارك وتعالى بأنه يحب الفاعلين الخير بالحق والصدق، وليس القوالين بغير فعل الذين بضاعتهم الوعود بغير عهود، وادعاءات بغير شهود، ومشاريع بغير مردود. فقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾(سورة الصف:2/4).

قال محاوري: إذا كان الخير فيما دعا الله إليه، والله دعا عباده المؤمنين إلى التعاون على البر والتقوى والأخوة، وما دعا الله إليه هو الخير والأصلح للناس، فلماذا لا يتحد المسلمون؟ هل هم يجهلون؟ أم أنهم يعلمون ويرفضون؟ أم أنهم لم يقرؤوا الآيات المحكمات؟ أم هو من نقص الإيمان؟ يوجد من كل هذه شيء لدى الرافضين وحدة المسلمين، وتتفاوت هذه النقائص المعيقة من قوم لقوم، ومن بلد لآخر. إنما الشيء الذي أردنا تبليغه من باب قول الدعاة الذين أخبرنا الله تعالى عنهم ﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾(الأعراف:164).

ومن الأمراض النفسية التي تؤدي إلى النزاع والتفرق وزعزعة أركان الدولة، هو إصابة القلوب الاستنكافية بحب الدنيا ومنه حب المال، وفتنة هذه الأمة في المال، حتى سقط بعض المسلمين المسئولين في الاختلاسات والسرقات. وعلة أخرى وهي حب الكراسي السياسية والزعامات الحزبية، وبسبب هذه العلة (حب الزعامة والكراسي) تفرقت جماعات وجمعيات وأحزاب وشعوب ودول، وكان ذلك هو المرض الذي بدأت به الفتن السياسية منذ القرن الأول الهجري بين المسلمين، ولولا حب الدنيا ومناصب الاستيلاء على حطام الدنيا ما كانت لتراق دماء كثير في الحروب، وبسبب حب المشيخة، والرئاسة، والإمارة، كثرت الإمارات، والدول، والمذاهب، والفرق، والطوائف، والأحزاب، والجمعيات، وهَاتْ يَا بْنَ هَاتْ. فإذا قال أحدهم أريد قيام جمعية يوجد مثلها، أو حزب يوجد مثله شكلا، أو يريد أن يقسم جمعية، أو حزبا، فاعلم أنه يريد منصبا جديدا لرئيس جديد، هذا في الغالب والله يعلم المخلص والتائب ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(الأنفال:46). ولو كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر بكل حقيقة الإيمان ما تنازعوا ولا تحاربوا أبدا ثم أبدا. والغريب العجيب عندما تقول للمتحاربين: أنتم تَحْيَوْن لله، أنتم خلقتم لعبادة الله وحده لا شريك له، لا تحيون لأنفسكم، لماذا يحارب بعضكم بعضا، لماذا هذا القتال وهذا النزاع وهذا المحال؟ فإذا قرأت لهم آية أو حديثا أعرضوا وقالوا: لقد سمعنا هذا من قبل، وكل طرف يريد أن يُذِلَّ الطرف الثاني لسلطانه، ليظفر بالزعامة أو المشيخة، أو الإمارة، ليغمس مخالب يده في حطام الدنيا ليجمع أوديتها وجبالها ولا يقنع، وهذا هو المرض العضال، الذي بلغ بهم هذا المحال.

المفتاح الرابع اجتناب خطوات الشيطان: من هو الذي دعا المتنازعين للخصام  فتخاصموا، ودعاهم للانقسام فانقسموا، ودعاهم للانقلابات على بعضهم فانقلبوا، ودعاهم للحرب فثاروا وتحاربوا، هو الذي يقول لأتباعه يوم القيامة:﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾(إبراهيم:22). أيها الحاكم، أيها الغاضب على الحاكم، أيها المتكتل، أيها المتربص بأخيك، أيها الداعية المرجف على أخيك، أيها المستهزئ بالعلم والعلماء، أيها المتنازعون جميعا أما تؤمنون بأن الله جامع الناس ليوم لا ريب فيه؟ ابتعدوا عن خطوات الشياطين.

ومن خطوات الشيطان التي تفسد المجتمع، وتحدث في دولة بني الإنسان الفتن والتمرد والعصيان، وتهدد الأمن والأمان. فمن خطوات الشيطان:

التحزب الذي يفرق بين المسلمين، والفِرقُ المذهبية التي شوهت جمال الإسلام، والأخلاق السيئة التي تفشت في المجتمعات بغير حياء، ومنها: الرشوة، والربا، والخمر، والمكس، والتجسس، والهجران، والخداع، والانقسام. وكما دعا الشيطان آدم وحواء مازال يدعو أولادهما:﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ﴾. أما تقرؤون؟:﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يقول الشيطان للغافل: اخدع أخاك وفز بذلك المنصب، أو المال، ثم تب وكن صالحا. أو يقول له: اكذب، أو زور، أو اختلس، عش حياتك، وكل الناس يعيشون بالحيلة. حتى إذا أوقعه في المصيبة تبرأ منه، وتركه يغرق في حسرته، ويموت في حزنه.

خطوات الشيطان هي نقيض طريق الإيمان، فمفتاح اجتناب خطوات الشيطان، يجعلنا في حصن منيع في رحمة الله تعالى وحفظه﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ ولقد حذر الله تعالى من اتباع خطوات الشيطان في كثير من الآيات. منها قوله تعالى:﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة النور:21). إياك أن تكون من أهل الغفوة الذين إذا دعوا إلى القرآن بالقرآن قالوا سمعنا، ونريد غيره!! لماذا يغالط المتخلفون أنفسهم، وهم في تبعيتهم لغيرهم في سياستهم واقتصادهم كمثل هؤلاء الذين أخبر الله تعالى عنهم:﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (الأنفال:48).

ولخطورة خطوات الشيطان على بني آدم نخصص مقالا آخر خاصا بالوقاية من الوقوع في خطوات الشيطان. نحاول عن قريب إن شاء الله.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …