الرئيسية | حديث في السياسة | عن معهد تخريج العلماء أحدثكم !!/ التهامي مجوري

عن معهد تخريج العلماء أحدثكم !!/ التهامي مجوري

خبر غلق معهد تخريج العلماء في موريتانيا، الذي يديره الشيخ محمد الحسن ولددو، نزل علي–أنا شخصيا- كالصاعقة لثلاثة أسباب:

السبب الأول: كون هذا المنع حدث في موريتانيا.

السبب الثاني: غموض المبرر الشرعي والقانوني.

السبب الثالث: نموذحية المعهد حياده العلمي.

إن منع معهد للتعليم الشرعي في دولة مريتانيا، يعد من الأخطاء الكبيرة؛ لأن مريتانيا دولة إسلامية -جمهورية موريتانيا الإسلامية-، وشعبها شعب محافظ لا يرى في غير الإسلام سبيلا في الحياة في جميع المجالات، وكما قال الرئيس الموريتاني نفسه “إن موريتانيا ليست علمانية ولن تكون كذلك؛ لأن الدين الإسلامى ملك للشعب الموريتانى بجميع أطيافه ومكوناته”، ولذلك تعد موريتانيا من أكبر الدول حماية للتعليم الديني، توارثته الأجيال كابرا عن كابر؛ بحيث كانت قبلة الكثير من شباب العالم الإسلامي الراغب في تعلم العلوم الشرعية، ولعل النموذج التعليمي التقليدي الذي سارت عليه موريتانيا طيلة قرون هو “نظام المحظرة”، وهو نظام تعليمي ديني شعبي يشبه نظام الزوايا في بلادنا الجزائر، والتعليم الأصلي في المملكة المغربية، والمعاهد الأهلية المعروفة في سوريا ومصر وتركيا وغيرها…

هذا النظام يعتمد التعليم الديني على الطريقة التقليدية: حفظ القرآن، وقدر من الأحاديث، ثم حفظ المتون في شتى العلوم الشرعية؛ الفقه، مصطلح، الحديث، الأصول والنحو…إلخ، بحيث يتخرج الطالب عالما في ظرف قياسي.

وما علمناه عن “معهد تخريج العلماء”، هو أنه تبنى الفكرة في أصولها، وأضاف إليها ما رآه ضروريا ومناسبا للعصر، فاشترط حفظ القرآن لكل من يريد الانتساب للمعهد؛ لأن حفظ القرآن يعتبر أول وسيلة لتقويم اللسان، وربما كانت فوضى التعليم الشرعي في العالم الإسلامي هي التي أوحت للشيح الحسن ولددو، بإنشاء هذا المعهد وبالصورة التي هو عليها الآن؛ لأن عالمنا في حاجة إلى علماء غير مؤدلجين، يطلبون العلم لله ويبلغوه في سبيل الله وكفى. ثم إن حاجة الأمة لهذا النوع من التكوين يحتاج إلى قدرات علمية هائلة بعيدا عن ضغوط الواقع الدولية والمحلية، واعتقادنا في الشيخ الحسن ومكانته العلمية –بمعزل عن آرائه السياسية- أنه الرجل المناسب في المكان المناسب، ولا نزكي على الله أحدا.

لا نعلم سببا لغلق هذا المعهد إلا تهمة أنه من فروع جماعة الإخوان المسلمين، أو أنه يخرج المتطرفين والإرهابيين…، وهي أسباب فضفاضة، تشتم منها رائحة التكييف السياسي. وإذا صح هذا التوجس فإن المشكلة تزداد تعقيدا، لأن معاجلة القضايا التعليمية بمواقف سياسية لا تقل خطورة عن استغلال الدين في المواقف السياسية الحزبية الذي تتخوف منه جميع السلطات في العالم الإسلامي.

وعندما يلف مثل هذه القضايا الغموض، فإن الناس يذهبون مذاهب تأويلية شتى بناء على ما يُعْرف عن المعهد أو إدارته أو علاقاته بالمؤسسات الرسمية والشعبية، فتأخذ تلك التأويلات مسار التهم والخطايا والمخالفات..فالبعض ربط قرار الغلق بموقف السلطة من المعارضة الإسلامية في موريتانيا.. وبعضهم اعتبرها موقفا من تيار الإخوان المسلمين الذي للشيخ الحسن ولددو علاقة به عضوية أو روحية، وبعضهم ربط هذا القرار بموقف دولي من التيار الإسلامي، قد فرضته القوى المستكبرة على موريتانيا، في إطار تجفيف منابع التيار الإسلامي الثقافية والفكرية.

أما نموذجية المعهد في اعتقادي أن هذه التجربة لا ينبغي أن تخسرها موريتانيا، كما لا يجوز أن يفرط فيها المجتمع الموريتاني باعتبارها تجربة موريتانية أصبحت ملكا له. نأمل أن لا تواصل السلطة في موريتانيا طريقها لغلق هذا المعهد؛ لأن غلق مثل هذه الصروح العلمية، تشجيع لما يحذر منه، من الجهل والتطرف والغلو… فالعلم نور لا ينبغي الوقوف في وجهه مهما كانت المبررات.

كنا نتمنى أن يبرر قانون الغلق بتهم ومخالفات وخروقات قانونية تدين إدارة هذا المعهد ومسيريه والقائمين على شؤونه، وتقدم هذه التهم إلى القضاء ليأخذ مجراه فيحق الحق ويبطل الباطل، وكنا نتمنى أن يفرق القائمون على الشأن السياسي الموريتاني بين المعهد كمؤسسة تعليمية تكوينية معتمدة رسميا وبين الانتماءات السياسية ومواقف المؤطرين للمعهد ومنها مواقف الشيخ الحسن ولددو السياسية التي قد تكون معارضة للسلطة.

إن معهد تكوين العلماء في موريتانيا كمؤسسة تعليمية تكوينية لا يمكن أن يكون إلا قيمة مضافة للمجتمع الموريتاني، ورافدا من روافد العلم الشرعي الذي كاد يندثر أمام هذه الفوضى التي يعيشها العالم الإسلامي في ظل الصراعات السياسية التي وظف فيها كل شيء لتعطيل عجلة النهضة الإسلامية التي انطلقت منذ قرنين من الزمان، ومن ثم فلا ينبغي أن تعطل رسالته بسبب هوى سياسي وخيارات مذهبية قاصرة على الشأن الآني.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …