الرئيسية | اتجاهات | “إدلب” تسرّع الخطى إلى أرمجدون/ محمد الحسن أكيلال

“إدلب” تسرّع الخطى إلى أرمجدون/ محمد الحسن أكيلال

  

الإنجيليون يريدون الحرب

 الظاهر أن الصهاينة المسيحيين الإنجيليين في أمريكا في شوق إلى رؤية المسيح الدجال كما يعتقدون، فهم لم يهضموا فكرة التوافق التي حدثت في قمة “هلسنكي” بين رئيسهم “ترامب” والرئيس الروسي “بوتين” حول أهم القضايا العالقة بين الدولتين، وخاصة فيما يتعلق بالصراع في سوريا، في محافظة “إدلب” على وجه الخصوص.

كل هذا الشأو البعيد الذي بلغه العقل والفكر الغربيين، وكل هذا التطور الهائل في كل مجالات المعرفة والعلوم والتكنولوجيا، كل هذا لم يحل دون تشبث كثير من هؤلاء الغربيين ببقايا تراكم الخرافات والأساطير التي نسجت فعلا ثقافة ولدت أيديولوجيا ضلت صامدة لأكثر من خمسة قرون من الزمن أو تزيد.

لا ننكر كمسلمين ورود إشارات خفيفة؛ بعضها وهي قليل في نص القرآن وبعضها الآخر في الحديث لم تخضع للبحث والدراسات الكافية عن مدى صدقيتها وحقيقتها، ومع ذلك فالإسلام باعتباره دين العقل والعلم والتفكير السليم الخاضع للمنطق لم يعط الموضوع ما أعطته الديانتان السماويتان المسيحية واليهودية وأحبارهما وكهانهما خاصة كل هذا الاهتمام إلى درجة تهديد البشرية من حين لآخر بقرب قيام الساعة والبداية ستكون بمعركة “أرمجدون” في أرض الشام بين المسلمين واليهود ليظهر فيها المسيح من جديد لحكم العالم لمدة أربعين سنة تنتهي بقيام القيامة.

لابد من تأمل أحداث متتالية ارتبطت بمحطات بالغة الأهمية في التاريخ عامة وتاريخ الغرب الأوروبي خاصة باعتباره، أي هذا الغرب هو المسبب الفاعل لكل مجريات الأحداث الخطيرة في تاريخ الإنسانية ككل وتاريخ منطقة الشرق الأوسط بالذات لكونها المنطقة التي شهدت ميلاد أولى الحضارات وميلاد كل الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله عز وجل للأخذ بيد الإنسان لنقله من حالة الجهل والجاهلية إلى حالة العلم والمعرفة لكل ما يتعلق بالكون ونواميسه وعلاقته به. والأديان السماوية كلها متفقة على كونها نزلت لهداية الإنسان لما فيه صالحه ومصالحه فوق الأرض، إلاّ أنه وبما أودع الله فيه من النوازع والغرائز والأهواء اختار أن يعصي الله ويتعامل مع تلك الأديان وفق ما يتصور ويريد معتمدا قصوره العقلي والفكري بدل التعاليم والأوامر والنواهي الإلهية المقدسة فكان ما كان من حروب وصراعات.

فهذا الغربي المتعجرف المدعي كذبا وبهتانا إيمانه بالدين المسيحي الذي قام بتحريفه وتحويره هو لا كما جاء به النبي عيسى عليه السلام، دفعه غروره وطمعه لغزو الوطن العربي، لا كما يصرح ويعلن لتحرير الأرض المقدسة، بل لاستعادة مستعمرات الإمبراطورية الرومانية التي احتلتها قبل المسيح عليه السلام، فالغزو ليس لإقامة دين الله بل هو لاستعادة مستعمرات الإمبراطورية وتكريس توجهه الديني المحرف فيها، بدليل الاختلاف والفارق الجوهري بين مضمون إنجيل الكنيسة الشرقية وأناجيل الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية.

ليس صدفة إذن أن تتوالى أحداث ما بعد هزيمة الصليبيين وجلائهم نهائيا من أرض الشام عامة وفلسطين خاصة، ونشأة مذهب مسيحي جديد ينفصل عن الكنيسة الكاثوليكية هو المذهب البروتستانتي الذي نشأت فيه كنيسة جديدة هي الإنجيلية المعمدانية التي أخذت على عاتقها حاليا رفع لواء الحركة الصهيونية العالمية.

فالحروب التي تتالت وتوالت على المنطقة ابتداء من القرن الثامن عشر ما هي في الحقيقة إلاّ تواصل وامتداد للحروب الصليبية التي اكتست حاليا حلة جديدة هي حلة الحروب الصليبية الصهيونية بدليل القوى التي بدأت بشنها والتي ما زالت متحدة في تدعيمها وحماية الكيان المسخ الذي زرعته في أرض ليست أرضهم؛ إنه لا فرق إطلاقا بين الفرنسيين والبريطانيين والأمريكيين في نظرتهم للقضية الفلسطينية وللمستوطنين اليهود ودولتهم.

إن ما يحدث الآن كان قد تقرر مع سبق الإصرار والترصد منذ اتفاق عام 1907 بين الإنجليز والفرنسيين وهو ما تكرس خلال مراحل متتالية ابتداء من اتفاقية “سايكس-بيكو” عام 1916 مرورًا بـــــ “وعد بلفور” عام 1917، وكل المعارك      والحروب التي اندلعت في المنطقة هي بمثابة تدريب للجيش الصهيوني لتحقيق انتصار ساحق ضد أعدائه من البلدان المجاورة لأرض فلسطين المحتلة، وتحقيق انتصاره يعني تمكينه من فرض الأمر الواقع الحالي بالقوة وحتى وإن ظهر عليه علامات الإخفاق كما حدث مع قوات “حزب الـلـه” اللبناني عام 2006 أو مع قوات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة عامي 2008 و 2013 و 2014. فإن الإخفاق تستغله الدولة العبرية للاستنجاد والتعاطف والتسول لاستلام المزيد من الأموال والعتاد الحربي المتطور الذي لا تمتلكه إلاّ القوات الأمريكية التي صنعته شركاتها الحربية. موازاة مع هذا الجهد العسكري والحربي وضع برنامج مخطط  دقيق واستراتيجي للعمل السياسي والدبلوماسي تركز في أهم جوانبه على ترويض الشعب الفلسطيني نفسه للإذعان لهذا الأمر الواقع مستعينين بالدول العربية المجاورة مثل مصر والأردن اللتين وقعتا اتفاقيتين مع العدو، ثم مع أغنى الدول العربية المجاورة كبعض دول الخليج التي جعلت من دولة جارة شقيقة مسلمة عدوًا لدودًا بدل العدو الحقيقي الذي يشكل فعلا خطرًا حقيقيًا عليها وعلى كل بلدان المنطقة.

دوائر الانحسار للهيمنة الأمريكية في العالم بدأت تضيق أمام تصاعد قوتين إحداهما كانت إلى وقت قريب ندها ومنافستها في تسيير شؤون العالم هي روسيا الاتحادية التي كانت تشكل مع جمهوريات في آسيا وأوروبا الشرقية ما كان يسمى الاتحاد السوفييتي؛ هذه الدولة التي أراد لها رئيسها الشاب أن تعود بقوة بعد أن أعاد بناء دولته واقتصادها المنهار خلال سنوات منتصف الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

والأخرى وهي تشترك مع الأولى في الأسس الإيديولوجية والسياسية وهي الصين الشعبية التي جعل منها رئيسها وزعيمها السابق “ماو تسي تونغ” عملاقا انتزع عضوية مجلس الأمن الدولي ووجه قيادات حزبه للبحث عن أيسر السبل للوصول بالاقتصاد الصيني إلى القمة وافتكاك المرتبة الأولى من الولايات المتحدة الأمريكية في ظرف وجيز.

هاتان القوتان المتحالفتان بدأتا فعلا حث الخطى بإنشاء منظمة اقتصادية لبلدان الشرق الأقصى، وقد نظمتا فعلا في الأيام القليلة الماضية منتدى “فلاديفوستوك” شاركت فيه كل من الصين الشعبية وروسيا ومنغوليا واليابان وكوريا الجنوبية، والمنتدى يعتبر تأسيسا لجبهة اقتصادية تحمي اقتصادياتها وعملاتها من القرارات الأمريكية الأخيرة التي اتخذها الرئيس “ترامب” بعد إعلانه الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني ومجموع العقوبات الاقتصادية والتجارية التي قررها ضد كل من الصين الشعبية وروسيا وكل الدول الحليفة كاليابان وكوريا الجنوبية وكندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي.

هذه الخطوة الأمريكية المتهورة هي بمثابة محاولة انتحار أو تقديم السلاح للخصوم للقضاء عليها. لقد كانت هذه القرارات الأخيرة التي وضعت بإعلان حرب تجارية ضد الحلفاء بمثابة تخبط يائس من حال التردي الذي وصل إليه بعد سلسلة الانتصارات التي حققتها كل من روسيا في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط والصين الشعبية القادمة بهدوء نحو هذه المناطق وراء ظهر حليفتها روسيا الاتحادية.

إنه النظام العالمي الجديد الذي بدأ يتشكل كبديل للنظام السابق الذي استأثرت به أمريكا وحلفاؤها الإمبرياليون الغربيون.

إن التخبط الأمريكي الذي يجسده الرئيس “ترامب” بقراراته هذه المتسرعة والمبتذلة لمرات في اليوم الواحد هي التي أملت عليه الإسراع في منح الحركة الصهيونية ما لم تكن تحلم به يوما. لكن هذه الحركة التي لا شك أن من أعضائها الكثيرون  ممن يسعفهم تفكيرهم المنطقي والبراغماتي والمستند إلى العقل أكثر من العواطف والانفعالات الآتية، هؤلاء لا شك سيبدأون في التفكير الجدي في مخطط مغاير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأن ما قرره “ترامب” بصفقة القرن كما سماها هو بمثابة حرب ضد العالم كله، وفي هذا خطر داهم على الدولة العبرية التي ملّ هذا العالم من جرائمها.

ما يحزّ ويدمي الفؤاد أن ترى دولا عربية لها من النفوذ المالي والسياسي ما يغنيها عن التزلف لأمريكا، ولكنها للأسف الشديد تصطف معها ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة التي ما كانت لتكون متخاصمة مع هذه الدولة الشقيقة لولا القضية الفلسطينية ومأساة الشعب الفلسطيني وهي إذ تختار هذا الصف عليها أن تعي جيدًّا بأنها تخدم حلم الدولة العبرية في فرض سيطرتها على كل الإقليم إن لم تكن على كل الوطن العربي.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الديـــــن الـمعــاملـــــــة

عبد العزيز كحيل/ شاع عند الناس قولهم: الدين المعاملة، بعضهم يعدّه حديثاً، والآخرون يطلقونه مثلاً، …