الرئيسية | قضايا و آراء | رحيل المفكر المصري جلال أمين كيف يستثمر الاستبداد زلّة العالم؟/ عبد القادر قلاتي

رحيل المفكر المصري جلال أمين كيف يستثمر الاستبداد زلّة العالم؟/ عبد القادر قلاتي

غيب الموت يوم الثلاثاء الماضي واحدا من أكبر المفكرين العرب الذي قدموا إسهامات كبيرة خدمة للثقافة العربية والمصرية، فقد كان للراحل أكثر من 30 كتابا منها (ماذا حدث للمصريين؟..تطور المجتمع المصري في نصف قرن 1945-1995)، و(محنة الاقتصاد والثقافة في مصر)، و(الدولة الرخوة في مصر)، و(التنوير الزائف)، و(العولمة والتنمية العربية)، و(المثقفون العرب وإسرائيل)، و(شخصيات لها تاريخ)، وغيرها من الكتابات التي ميزت أسلوبه وآراءه النيرة.

أكتب عن هذا المفكر الكبير؛ لأنني كنت من قرائه ومن المعجبين بكتاباته، فأنا أذكر تلك المحاضرة الهامة التي ألقاها في مكتبة الأسد خريف عام 1995م، وما زالت أذكر أن بعض اليساريين السوريين الذين حضروا المحاضرة، كيف علق أحدهم قائلا: هذا ليس مفكرا لبراليا فأفكاره طافحة بالأفكار الرجعية والأصولية، وأذكر أن جلال أمين ساق نقداً لاذعاً للحضارة الغربية، وقال إننا يجب أن نميّز ما نأخذ منها، فحضارتنا الإسلامية ليس أبدا في حاجة لهذه الحضارة التي فقدت بصلة القيم الإنسانية، فعلى العرب اليوم أن يقرأوا تاريخهم جيّداً، وأن يحسنوا الاستفادة من الغرب فيما يساعدهم على استعادة مجدهم الحضاري، وما زلت أذكر ذلك المثال الذي عبر به عن فكرة كثافة المعلومات في الوصول إلى الحقيقة، قائلاً: أن المعلومة الصحيحة والقليلة كفيلة بأن توصلك إلى الحل، وأحيانا كثافتها قد تبعدك عنها”، ودلل على ذلك بمثال، فقال:” إنني عندما كنت في أمريكا سافرت من العاصمة واشنطن إلى قرية في الريف الأمريكي تبعد مسافة طويلة عن العاصمة، فلم يتطلب وصولي إليها إلاّ لافتة واحدة مكتوب عليها اسم القرية، بينما عجزت على الوصول إلى قرية في مصر، مع كثرة اللافتات الدالة عليها..”.

تغير موقفي من هذا المفكر الكبير، بعد الثورات العربية التي فتحت أفقا للأمة من أجل التخلص من أنظمة الاستبداد والتبعية، فقد وقف موقفا سلبياً منها، وزاد الطين بلة دعمه للانقلاب الذي قاده رجل متواضع الإمكانات والقدرات، فجعل من مصر بلداً فاشلاً في كلّ القطاعات، لكن مفكرنا الكبير رأى فيه المخلص لهذا البلد الكبير، ووقف موقفاً عدائياً من الإخوان ومن الرئيس المصري الشرعي المعزول، وأبان عن رؤية خاطئة في تقدير موقفه الذي فسر به مرامي الثورات العربية، فكانت رؤية ساذجة حد الاستهزاء والسخرية من بعض المفكرين الكبار الذين دعموا الثورات العربية ووقفوا إلى جانبها، وينقل عنه أنه قال:” أميل إلى أن لإسرائيل دوراً في قيام ثورات الربيع العربي، وليس لديّ شواهد على ذلك، ولكن دعنا نبحث من المستفيد من هذا الوضع، سنجد أن إسرائيل أكبر هؤلاء المستفيدين”. فاستفادت من رأيه هذا منظومة الاستبداد العربي، واستثمر رأيه من أجهزتها الإعلامية في استنهاض وتقوية الثورات المضادة، وكان آخر ما خرج به على الناس تصريحه لصحيفة اليوم السابع المصرية عندما قال:” الديمقراطية والحريات أكذوبة العالم لخنق مصر”، فالرجل الذي بدأ حياته الفكرية لبراليا محافظاً، انتهى إلى مجرد رقم في قائمة داعمي الاستبداد ولا حول ولا قوة إلا بالله، ورحم الله الرجل.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فلسطيــــــن محـــــور الصـــــراع

أ. محمد الحسن أكيلال/ الولايات المتحدة مصرة على الهيمنة رغم كل ما لحق بالولايات المتحدة …