الرئيسية | في رحاب الشريعة | طريق الإيمان عبر منهجية العمل بالقرآن/ محمد مكركب

طريق الإيمان عبر منهجية العمل بالقرآن/ محمد مكركب

المنهجية التقنية للعمل بالوحي من بين أدق القضايا الإنسانية، في موضوع النهضة الحضارية الإسلامية، التي لم يهتد إليها كثير من سياسيي المسلمين، في كل مجالات الحياة الاقتصادية، والسياسية، والإدارية، والاجتماعية، وغيرها، من المجالات الحيوية المصيرية. ومقصد البحث في هذا المقال هو: كل المسلمين مؤمنون بأن حلول القضايا والمشاكل الإنسانية، وتحقيق المصالح الضرورية، مفاتيحها وآليات التعامل معها في القرآن، ولكن كيف؟ كيف يبني المسلمون منظومة عسكرية قوية، ومنظومة إدارية وسياسية واقتصادية سيادية؟ أو قل: كيف يبني المسلمون دولة قوية الأركان متينة البنيان كاملة الهيمنة والعمران؟ قال الله تعالى:﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل:89) أنزل الله القرآن ليعمل به المسلمون وينتفعوا به، في إصلاح النفوس، وكمال الأخلاق، وتقويم المجتمع المدني، وبناء الدولة، وعمارة الأرض بالخير. وأسرار الكيف تبدأ من قوله تعالى:﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي أن الذين يستفيدون بالقرآن وينتفعون به هم المسلمون. وقال عز وجل:﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(النحل: 44) والمسلمون المستفيدون هم الذين يتفكرون.

1 ـ مدخل إلى منهجية العمل بالقرآن: إن التعامل مع القرآن الكريم يقتضي الإيمان اليقيني بأحكامه وأخباره، والخضوع لأسلوبه كما هو، فلا يقرأ المسلم القرآن كما يقرأ أي كتاب يؤلفه مفكر بشري ويريد أن يفهم منه معلومات اقتصادية مثلا، أو سياسية، أو تربوية، كما هي في كتب الاقتصاديين، أو السياسيين أو التربويين. ثم إن العمل بالقرآن يقتضي شمولية التطبيق، فلا يعمل المسلم بحكم ويترك حكما آخر، أو يعمل ببعض القيم الإدارية ويترك القيم الأخلاقية، أو يريد اقتصادا بالقرآن دون أن يتقن الإيمان، كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، فمثلا لا ينجح الحاكم المسلم في بناء دولة عمرانية حضارية عظيمة إذا لم يلزم الرعية بالصلاة والزكاة، والصوم وضوابط الحلال والحرام، وأن يقوم بذلك رسميا ومباشرة وإلزاما عبر مؤسسات عامة. والذين يفهمون المواطنة بأنها مشاركة سياسية واقتصادية، بغير صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج ولا وحدة مرجعية فقهية، أي يريدون مجتمعا بلا دين، أو مجتمعا مشتتا بين المذاهب والفرق، ويبررون سياسة المواطنة اللا دينية بسياسة غير المسلمين. ألم يعلموا أن الذي لا يرضى بالإسلام، بالدين الذي شرعه الله، لا يرضى بالمواطنة، والذي يرفض أمر خالقه فكيف يلتزم أمر رئيس دولته؟ قال الله تعالى:﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾(الحج:41) هذا شرط شرطه الله عز وجل على من آتاه الملك.

2 ـ البداية من مجلس علماء متخصصين في الإفتاء بشريعة القرآن: فلا سياسة ولا إدارة ولا تربية ولا اقتصاد بغير فهم تدبر كل آيات الأحكام، من باب أن العمل بالوصفة العلاجية أنها ـ أي الوصفة ـ لا تقبل التجزيء. بل يُعْمَل بكل ما جاء في الوصفة بالكيفية التي بينها الطبيب وشرحها الصيدلي الحكيم، لذلك وبخ الله من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، فقال:﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:85) كما بين ربنا عز وجل بأن الذي يريد الاستشفاء بالقرآن أن لا يكون مخالفا لأي حكم من أحكامه وإلا فهو ظالم لا ينتفع بالقرآن.قال الله تعالى:﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً﴾(الإسراء:82).

ولهذا أُمِرَ الرسولُ عليه الصلاة والسلام، ومن بعده كلُّ الخلفاء والأمراء والأئمة بأن يلزموا كل الناس بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يعملوا بشريعة القرآن؟

3 ـ ملاحظ لإزالة التباس يقع فيه كثير من الناس: بعض العامة وحتى بعض الخاصة من الحكام السياسيين تستهويهم سياسة من أرادوا العاجلة، وعاشوا للدنيا، فلا يريدون الآخرة، يقولون:” إنهم يريدون التقدم في التكنولوجيا والاقتصاد والقوة العسكرية وغيرها، ولا يريدون صلاة ولا زكاة، فمن صلى وزكى أو صام وحج فلنفسه، ومن ترك فعليها، ومن تدين وتخلق وتقيم فبها ونعمت، ومن لم يفعل لا يهم، المهم يريدون التقدم المادي كما فعل بعض غير المسلمين” يقال لهؤلاء لقد أخطأتم  في فهمكم، وخرجتم عن دائرة العقل والمنطق من أراد صحة البدن فقط، يكفيه صحة وسلامة الأكل الذي يشتهيه والشرب الذي يستسيغه ويهواه، فتراه قويا سمينا معافى، وأما من أراد صحة الجسد والعقل وسلامة الفكر، فيلزمه الأكل الحلال، والعلم النافع، والإيمان الحق، والعلم والإيمان ليس حسب هوى الإنسان، وإنما بما شرعه الله في القرآن، فالمسلم يريد الدنيا والآخرة، ومعناه يريد عمران الدنيا للآخرة. فالله تعالى لا يعطيه الدنيا إذا لم يعمل للآخرة. قال الله تعالى:﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾(البقرة:40).

والمعنى فإن عليكم يا أبناء يعقوب أن تؤمنوا بالقرآن الذي أنزله الله مصدّقاً لما عندكم من كتب، ولا تجحدوا القرآن فتكونوا أول الكافرين به في حين المفروض أنكم تكونون أول المؤمنين به، والعاملين بأحكامه. وإذن كيف تُعرِضون عن التصديق بالنبيّ وما جاء به وتودون أن تعملوا بغير هدايته، أو أنكم تؤمنون ببعض وتكفرون ببعض.

4 ـ خذوا هذا المثال إذا أراد مجتمع مسلم أن يخرج من أزمة اقتصادية، وأزمة سكن، وبطالة، وخوف وحرابة، ومن أزمة أمية، أي أنه يريد طريق الخروج من التخلف: فطريق الإيمان عبر منهجية العمل بالقرآن تقتضي من هذا المجتمع المسلم أو ذاك أن يعمل بقانون الإعداد في علم الاقتصاد، وفي نفس الوقت أن يعمل بقانون العبادة والحلال والحرام، كما هو في شريعة الإسلام، لأن من أسباب التخلف والأزمات في بعض البلدان الإسلامية: ترك الصلاة، وعدم إيتاء الزكاة، والتعامل بالربا، وانتشار الزنا، والخمور، والمخدرات، والقمار، وتعطيل الحدود، وانحراف القضاء، والتبذير، وانتشار التبرج الجاهلي، والظلم، والفساد. فالمسلمون لا يخرجون من أزماتهم وهم مصرون على بقاء انتشار المحرمات علنا في مجتمعهم، لأن بقاء المحرمات الظاهرة علنا أمام أولي الأمر هي كمن يعترف برد شرع الله، ومن يرفض شرع الله فقد فسق، ومن فَسَق لا يُوَفَّق.﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(المائدة:90).﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ (البقرة:278/279).

من عوائق تقدم المسلمين انتشار العداوة بينهم، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان من العقلاء، والله تعالى أخبرنا بأن من أسباب العداوة الخمر والميسر، كما أن من عوائق تحقيق الأمن والاستقرار التبرج والمخدرات.

5 ـ أردت أن أبين في هذا المقال أن منهجية العمل بالقرآن تقتضي العمل بما نؤمن به على إطلاقه وفق  فهمه الصحيح:  مثال أن الخبر ورد في القرآن بأن المتقين يفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض، وورد الخبر بأن المؤمنين حقا ينصرهم الله تعالى ولا يعلي عليهم الكافرين أبدا، فلا ينبغي للمسلمين أن يتجاهلوا هذه الأخبار الصادقة في القرآن  ولا يعملون بها وهم يريدون أن يفتح الله لهم، أو أن ينصرهم.  ففي هذه المسألة أمران: بما أننا نؤمن عن يقين أن المتقين يفتح الله عليهم بركات، وأن المؤمنين ينصرهم الله تعالى، فما علينا إلا أن نكون متقين حقا، ومؤمنين حقا. وهذا الفهم ليس صعبا ولا معقدا ولا يحتاج منا إلى أموال وجهود فوق طاقتنا، غير أن الكثير من المسلمين لا يعملون به، وهم يعانون الأزمات ويتخبطون في الفتن والمشاكل والظلمات، ولا يعملون بما وعظ الله سبحانه، وبما أرشد إليه، وهذا أمر عجيب وغريب..

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

واقــــــــــع تعـــــدد الآراء بين اجتهــــاد الحكماء وفقــــه الفقهاء

الشيخ محمد مكركب أبران/ إشكالية هذا المقال هي: استفحال الخلاف والاختلاف بين المؤمنين، وكثير منهم …