الرئيسية | حديث في السياسة | في عالم التربية: “الداب راكب كمولاه”/ أ. التهامي مجوري

في عالم التربية: “الداب راكب كمولاه”/ أ. التهامي مجوري

“الداب راكب مولاه”، مثل شعبي بليغ، يعبر عن واقع بلغت فيه الفوضى مداها واللامنطق مستوياته العليا؛ لأن العادة أن المولى هو الذي يركب حماره..، وعندما نرى الحمار يركب مولاه، فنحن أمام أمرين، إما أن الحمار أضحى أعقل من صاحبه، أو أن صاحبه أصبح حمارا، ومن ثم فلا فضل للراكب والمركوب.

حديث الناس هذه الأيام عن امتحانات الباكالوريا، وعما يحيط بها من مآس، من غش في الامتحانات..، ومنع تلاميذ من دخول الأقسام بسبب التأخر بدقيقة ودقيقتين..، تهوين وتهويل للموضوع من قبل جهات لا ندري ما الغاية من تهوينهم وتهويلهم؟

وما يتحدث عنه الناس اليوم كان ولا يزال وسيبقى قائما، وإنما يظهر ويختفي بقدر ما يملك المجتمع من أخلاق، فعندما تكون الأخلاق عالية، يختفي مثل هذا السلوك، أو يخفت، وعندما تغيب الأخلاق وتختفي تبرز مثل هذه السلوكيات وكأنها القيم الثابتة التي لا ينبغي الحيد عنها، فالجديد في الموضوع هو استشراء مثل هذه الظواهر، التي من نتائجها الحتمية الإنذار بالخطر، بسبب غياب الأخلاق في منظومتنا التربوية، وفيما بين القائمين عليها، فلم يعد للعلم القيمة التي كان عليها، سواء من جهة التلميذ أو من جهة والديه أو من جهة الإدارة نفسها، ولم يعد للإدارة قيمة بسبب خضوعها وخنوعها للسلالم الفاسدة، ولا للشهادة قيمة حيث أصبح الحصول عليها من أيسر الأمور، وفق أساليب لا علاقة لها بالعلم وطلبه، وقبل ذلك وبعده هذه الميوعة التي تشهدها الأسرة والمدرسة والمعلمون والمتعلمون، بحيث يندر أن تجد أحدا يذكر لك مدرسة أو معلما أو متعلما بالخير، أو بفضيلة من الفضائل، وكأن المدرسة التي يفترض فيها تخريج إطارات البلاد، أضحت مرشحة لتخريج المخربين للبلاد لا لخدمتها.

بهذه المناسبة وأنا أفكر في هذا الموضوع وكيفية الحديث عنه، تذكرت قصة وقعت لي في سنة 2000، وهي أنني تلقيت كشف نقاط أحد أبنائي، فلم تعجبني منها علامة الرياضيات، لما أعرف من مستوى ابني في هذه المادة، فاتصلت بالمدير فقال لي لا أستطيع أن أفعل لك شيئا؛ لأن هذا القسم –السنة التاسعة- هو قسم انتقال من الأساسي إلى الثانوي وابنك راسب!!، فرجوته أن يعيد النظر في العلامة فقط، فأصر على أنه لا يستطيع وقال لي: ما عليك إلا التوجه إلى مديرية التوجيه المدرسي..، فذهبت إلى مديرية التوجيه وعرضت مشكلتي، فقيل لي عليك بالأكاديمية، ومنهم من أشار علي بالذهاب إلى الوزارة..، وفي الأكاديمية يوم للاستقبال، وعندما ذهبت يوم الاستقبال، لم أجد المدير أو هو موجود ويعتذر لأنه في اجتماع أو مشغول..، فأشير علي بأن أعود إلى المدير وأترجاه؛ لأن الموضوع تحت سلطته. وقبل أن أعود إلى المدير، تشوفا لإنهاء الموضوع في أقرب وقت، اتصلت بمن أعرف في قطاع التربية والتعليم لعلي أجد حلا، ولكنني لم أفلح، ومن بين من اتصلت بهم الشيخ عبد الرحمن شيبان، فقال لي رحمه الله “ما قرره المعلم لا يناقش”، فقبلت ذلك على مضض، لما أعرف عن واقع التربية والتعليم في بلادنا، ولكنني احتفظت بالمبدأ كمَعْلَمٍ من معالم التعليم الناجح، عندما كان المعلم معلما صادقا وأمينا ووفيا..، ثم كتبت مقالا في جريدة الشروق اليومي بعنوان “رسالة مفتوحة إلى مسؤول مجهول في قطاع التربية”، قلت فيه أنا كاتب وصحفي، أكتب ما يفهم وأفهم ما يكتب، ومع ذلك لم أفهم شيئا فيما أطرح عليكم.. ورويت قصتي من بدايتها إلى نهايتها، وطلبت من كل من يملك معلومة في الموضوع أن يفيدني بها، وبعد نشر الموضوع بيوم واحد ذهبت إلى المدير، فوجدت العجب..، وجدت ترحيبا على غير عادة “التشناف والتفنطيز”، وقال لي المدير لماذا لم تخبرني أنك صحافي؟ قلت له أنا هنا ولي تلميذ ولست صحافيا..

أتدرون ماذا فعل المدير؟

جمع أساتذة مادة الرياضيات وبحثوا في أوراق الامتحان المقصودة، فوجدوا أن العلامات التي حصل عليها ابني صحيحة، وأعطي ما يستحق حسب عمله، ثم طلب المدير من المعلمين أن يرفعوا له النقاط لينتقل إلى القسم الأعلى!!، ولما قابلني عرض علي ما فعل وأظهر لي “المزية تمكينا للتلميذ من النجاح”، فقلت له ما الذي حملك على هذا؟ أنا لم أسع لإنجاح ابني بلا حق، وإنما أردت التحقق من علامات شككت فيها.

ذكرت هذه القصة؛ لأنها في تقديري تلخص العملية التربوية في بلادنا من جميع جوانبها العلمية والتربوية والأخلاقية، ومن جميع جهاتها، الإدارة والمعلم والتلميذ والأسرة.

ماذا تكون النتيجة عندما نقارن كلام الشيخ شيبان وهو من هو في قطاع التربية: “ما قرره المعلم لا يناقش”، وبين المدير الذي أجبر المعلمين على تزوير علامات لتلميذ لا يستحقها؟ وكيف لمعلم أن يخضع لهوى مدير فيستجيب لطلب غير أخلاقي؟ وهل من المعقول أن يهدد تلميذ أستاذه إن لم يمكنه من العلامة التي يريدها؟ وهل من اللائق أن يهدد المعلم من قبل الأولياء؟ وهل من الأخلاق أن يستغل المعلم نفوذه فيفعل بالتلاميذ ما يريد؟ ناهيك عن واقع المدير والمعلم الذي لا يحسدان عليه لأنهما لا يشعران بالحماية.

لقد تحولت هذه الانحرافات إلى عرف عام شاع في البلاد، بسبب ضغط الأسر التي لا تبحث عن شيء إلا عن انتقال أبنائهم إلى القسم الأعلى بأي ثمن، قد يصل الأمر إلى الرشوة والتهديد والوعيد للمدراء والمعلمين، والمدراء والمعلمون هم بشر لا يقدرون على الصمود إن لم يشعروا بالحماية من جهة الوصاية أو من جهة الأولياء.

قد نتفهم مشكلة تلميذ أو معلم أو مدير في مسألة ما ونتعاطف معه..، ولكن عندما يستشري المرض بحيث يتحول إلى أصل في العملية، الكل يخطئ والجميع يذنب، فعلى التربية والتعليم السلام.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الثقافة والسياسة/ التهامي مجوري

خلال هذا الأسبوع نلتقي بثلاثة أيام لها وقعها في عالمي الثقافة والسياسة. والأيام الثلاثة هذه …