الرئيسية | على بصيرة | ويسألونك عن الجزائر…فقل… !؟/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

ويسألونك عن الجزائر…فقل… !؟/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

ما موقع جزائرنا –اليوم- من هذا المناخ الإقليمي العربي الإسلامي الصخّاب؟

وما مكانتها وسط هذا الجبروت العالمي العولمي، الغلّاب؟

كيف لها أن تثبت وجودها، وتحمي حدودها من سموم الاضطراب، والإرهاب، والانقلاب؟

هل تستطيع أن تصمد، وسط هذا كله، فتخوض معركتها، في النماء، والعطاء والاكتساب والانتخاب؟

إنّ الجزائر، ذات امتداد جغرافي فسيفسائي الطبيعة، جميل وجذاب.

وإنها ذات بُعدٍ تاريخي، عريق وخلاب.

فما بالها، تُطلّ على العالم، بوجه شاحب ونَفَس مرتاب؟

وما لها مضطربة، متقلبة، بين السنين السمان والسنين العجاف، وبين السنابل الخضر، والأُخر اليابسات؟

حيّرنا -والله- أمر الجزائر، وقد كانت مضرب الأمثال، في الرجولة، والبطولة، والفحولة، وشرف الانتساب.. فماذا دهاها –اليوم- حتى أحاط بها الفساد من كل جانب، وها هي تعاني النهب، والقتل، والاغتصاب.

لقد أفسد جوها الجميل ونسيمها العليل، تجار المخدرات وقتلة الأطفال للطفلة البريئة سلسبيل، والصائدون في الماء العكر، على جميع المستويات، من نهر “مدجردة” إلى ضفاف النيل.

وإلا فما الذي يغري أبناءنا وبناتنا من جميع الأعمار، بالإقبال على قوارب الموت في البحار، أو الإقدام على جرائم الانتحار؟

وما هو الحافز الذي يجعل شبابنا، يتبنى العنف والمغامرة، فيسكن الغابات والأدغال والكهوف، وشناخب الجبال؟

إنها مجموعة من المتناقضات، تعيشها الجزائر التي وهبها الله خير ما وهبه لشعوب أخرى، من كنوز الأرض وما تحت الأرض.

ومن الذوْد عن شرف العرض، وخصوبة المعادن، وسيولة القرض.

فكيف، لبلد هذه مواصفاته، أن تتفشى فيه آفة النهب والسرقة، من الرعاع إلى الأقطاب، ومن الباب إلى المحراب، هل نحن نعيش الحقيقة أم هو السراب؟

إنّ الراصد المدقق والمراقب المحقق لواقع الجزائر لتذهله هذه المشاهد التي وصفنا، والتي هي نشاز، لِما فتحنا عليه أعيننا، وما ألفنا.

فهذه الضبابية التي تطوّق جميع ميادين حياتنا، فتسدّ الأفق أمامنا، فتجعله مثقلا بكل أنواع المباغثات والمفاجئات، والاضطرابات.

وهذا التضخم الاقتصادي الناجم عن التأزم الاجتماعي، والثقافي، والسياسي، لا تجد له تعليلا أو تبريرا، إلا سوء التسيير، وقلة التدبير، وكثرة التبذير.

وهذا الانسلاب الفكري الذي يعتدي على العقول، ويُكْفُر بالأصول، ويعصف بكل ما هو مأمول: هل هو مقبول؟

يجب أن نعمّق التأمل، ونعيد النظر في أسس منظومتنا التربوية، وقيمنا الاجتماعية، وتشكيلاتنا السياسية، وهياكلنا الاقتصادية، وبنيتنا الثقافية، فنبدأ بالمصالحة مع الذات الحضارية التي هي عنوان وجودنا، ومع العقيدة الإسلامية الصحيحة، التي هي حامية حمى حدودنا.

إننا أغنياء بالمال والرجال والأعمال، لو أحسنّا تخطيط الآجال، وواقعية الآمال، ومنهجية المآل.

غير أننا طالما لم نعِ واقعنا بعمق، ولم نملك الشجاعة، في إعادة النظر في كل أنماط حياتنا، ولمِّ شتاتنا، وتوحيد فئاتنا، وتجديد طاقاتنا، فإننا لن نقضي على أزماتنا، وتناقضاتنا.

إن الخطوة الأولى تبدأ بإثبات الوجود، ونحن لازلنا، نعاني أزمة هوية، ومآزق حضارية، وسطحية عقدية.

فمن نحن؟ هل نحن عرب، أو أمازيغ، أم مسلمون؟ أم لا هذا ولا ذاك؟

إنّ سلوكاتنا تكشف عن قلقنا الحضاري، وانسلابنا وتأزمنا الانكساري.

فلازلنا، نعاني عقدة الانتماء اللغوي، فنكْفُر بلغتنا، ونؤمن بلغة غيرنا. ولازلنا نعتبر الأمازيغية عدوة للعربية، والحال أنّ الأمازيغية أصل للعربية، أو العربية أصل للأمازيغية، يربط بينهما التمازج التاريخي الحضاري الإسلامي.

وإلى عقدة الانتماء اللغوي، تضاف أزمة الإيمان العقدي، فالفراغ الثقافي الممتد في وجودنا، هو الذي سبب لنا أزمة الانتماء العقدي، فتسللت مختلف التيارات الهدامة، واستبدت بعقول بعض أبنائنا كالبهائية، والقاديانية، والكركرية، والنصرانية وغيرها، فكلها تهدف إلى اقتلاعنا من جذورنا، فإذا أضفنا إلى ذلك الغلو في الدين والتطرف في الأحكام، والتعصب في المواقف، أدركنا أية هوة وقعنا فيها؟

يشهد الله أن الجزائر تملك كل عوامل الازدهار والاستقرار، نفسيا، واجتماعيا، فرديا وجماعيا، لو أُسند الأمر فيها إلى أهله، وأُعْطِي القوس باريها، ولكن ما الحيلة إذا اضطربت الموازين، وانقلبت المفاهيم وساد –بدل الوضوح- الغموض والتعتيم؟

فهل يعجز الجزائريون، وهم الأمازيغ الأقحاح، والعرب الفصاح، والمسلمون ذوو الجهاد والكفاح، هل يعجز هؤلاء جميعا بمختلف أطيافهم، عن الجلوس إلى مائدة واحدة، والخروج، بتوافق، يتبيّنون منه الخط الأبيض من الخط الأسود؟

إننا “متشائلون” أمام ما يتراءى لنا على مسرح الأحداث الجزائرية، ولكن الذين عاشوا أسوء أنواع الأزمات، وهي أزمة الاستعمار، وكانت الحياة مليئة بالغموم والهموم، فلم يصبهم التشاؤم، بل التفاؤل كان هو سيد الموقف، ففرج الله عنا، ومنّ علينا، بأسباب الحصول على السيادة والاستقلال.

وإن الجزائر في أحوالها عجب، وإن الله قادر على أن يمنحها طوق النجاة، فتتجاوز كل مـِحنها، وفِتنها، بشرط الإيمان بالمستقبل وأنّ الوعي بالذات، لهو السبيل الأمثل لتحرير الذات، من كل المكبلات، فكل ليلٍ له صبح.

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي

بصبحٍ، وما الإصباح منك بأمثل…

عن المحرر

شاهد أيضاً

شحذ الهمّة وتنظيم «اللمّة» لبناء مقر الأمة

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ براءة الذمة، إلى الأمة، من كل …