الرئيسية | وراء الأحداث | ذكريات وشخصيات وطنية مازالت تتعرض للتهميش/ عبد الحميد عبدوس

ذكريات وشخصيات وطنية مازالت تتعرض للتهميش/ عبد الحميد عبدوس

مرت يوم 19 سبتمبر الجاري (2018) الذكرى الستون لتأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية حيث تم الإعلان الرسمي عن تشكيلها في القاهرة  في 19 سبتمبر1958، فكان تأسيسها منعرجا حاسما في العمل الدبلوماسي الجزائري بشكل خاص، وفي مسار الثورة التحريرية بشكل عام، وقد اعتبر الدكتور لمين خان أحد قادة الولاية الثانية التاريخية، والعضو في الحكومة الجزائرية المؤقتة، خلال تدخله بمناسبة إحياء الذكرى الخمسين لتأسيس الحكومة المؤقتة أن هذه الحكومة:”مسجلة في الرتبة الخامسة ضمن 10 محطات تميزت بها الثورة التحريرية من بينها بيان أول نوفمبر 1954 وهجوم الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955 وإضراب الطلبة في 19 ماي 1956 وكذا مؤتمر الصومام 20 أوت 1956 .ورغم أهمية هذه الذكرى فقد أدرجت في خانة التعتيم والإهمال والتجاهل الرسمي طوال حكم الرئيسين أحمد بن بلة، وهواري بومدين، بسبب الصراعات التي عرفتها قيادة الثورة بين الحكومة المؤقتة وقيادة أركان جيش التحرير الوطني خلال السنوات الأخيرة من عمر الثورة، واستمرت فصولها إلى ما بعد استرجاع الاستقلال، كأحد أهم مظاهر الصراع على السلطة بين رفقاء السلاح.

كان السيد فرحات عباس أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة (سبتمبر1958- أوت 1960) وعن هذا الحدث التاريخي يذكر فرحات عباس بأنه قبل تعيين الوزراء كلف السيد عبد الحميد مهري بإجراء استشارات فردية لكل عضو في لجنة التنسيق والتنفيذ، وعند استشارته للسيد فرحات عباس طلب منه أن تكون كل الحساسيات السياسية المتواجدة داخل صفوف جبهة التحرير الوطني ممثلة في التشكيلة الحكومية وهي: اللجنة الثورية للوحدة والعمل، حركة انتصار الحريات الديمقراطية، الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وقد اقترح عباس –حسب قوله – فيما يخص الرئاسة أن تعود إلى السيد كريم بلقاسم، أو إلى الدكتور لمين دباغين، فالأول من التاريخيين والثاني رئيس البعثة الخارجية لجبهة التحرير الوطني، وحسب السيد فرحات عباس دائما فإن كريم بلقاسم رفض من طرف لخضر بن طوبال وعبد الحفيظ بوصوف وهذا لأجل المحافظة على التوازن معه، وأما محمد لمين دباغين فقد رفض بناء على موقف المسجونين الخمس بفرنسا وخصوصا من طرف بن بلة، في هذه الظروف تم اختيار فرحات عباس بالإجماع رئيسا للحكومة.

ومع ذلك فقد كان من المجاهدين من عارضوا تولي السيد فرحات عباس هذا المنصب الهام في هرم مؤسسات الثورة الجزائرية، وكمثال على ذلك يدلي العقيد الراحل عمار بن عودة بشهادته في الموضوع قائلا:” لم اعترف بها (الحكومة المؤقتة) وكتبت ذلك لبوصوف وكريم وبن طوبال وذلك لسبب بسيط وواضح، هو وجود فرحات عباس الذي بحث عن الجزائر فلم يجدها حتى في القبور رئيسا لها”.

ويشير العقيد بن عودة إلى المقال الذي كتبه السيد فرحات عباس في مجلة الوفاق (L’ENTENTE) بتاريخ 27 فيفري 1936 بعنوان:(فرنسا هي أنا)”LA FRANCE c‘EST MOI “.

ورد عليه الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس في صحيفة (الشهاب) في أفريل 1936م  بمقال بعنوان “كلمة صريحة”، وهو المقال الذي يستغل في كثير من الأحيان للطعن في وطنية فرحات عباس، ويوهم الناس بوجود عداوة أو خصام مستحكم بين الشيخ عبد الحميد بن باديس والسيد فرحات عباس، ولكن القليل من المؤرخين يذكرون في سياق العلاقة بين الزعيمين الوطنيين المقال الذي نشره الشيخ ابن باديس تعقيبا على هذه الحادثة بعنوان “حول كلمتنا الصريحة” في مجلة (الشهاب) في شهر جوان 1936، بعد الزيارة التي قام بها السيد فرحات عباس إلى الشيخ عبد الحميد بن باديس في جريدة (الشهاب)، ومما جاء في المقال:”إن كلمتنا الصريحة قد وضعت الكثير من الجزائريين على المحك فمنهم من ظهرت نفسه من در مكنون، ومنهم من انطوت جوانبه على حمأ مسنون. وإنا لنشهد أن من أكمل الرجال الذين رزينا فيهم بهذه المناسبة الهمة العالية، وشرف النفس، وطهارة الضمير، الأستاذ فرحات عباس…”.

وبعد حادثة الجدل الفكري والسياسي والإعلامي بين الرجلين ببضعة أشهر فقط أصبح الشيخ عبد الحميد بن باديس والسيد فرحات عباس طرفين أساسيين في المؤتمر الإسلامي في أوت 1936م، والذي شكّل المظهر السياسي والإطار التوحيدي للحركة الوطنية لانتزاع حقوق الشعب الجزائري من بين أنياب المحتل الفرنسي، وحتى وإن كان الزعيم مصالي الحاج لم يشارك ولم يقتنع بتلك المبادرة السياسية.

وهذا ما جعل المؤرخ الجزائري الدكتور محمد القورصو يقول:”على الرغم من الجدل الذي اندلع بين الرجلين فإنّ فرحات عباس والشيخ ابن باديس كانا قريبين جدًّا”.

وبعد استرجاع الاستقلال، تولى السيد فرحات عباس في سبتمبر 1962، رئاسة الجمعية الوطنية التأسيسية (البرلمان)، لكنه لم يبق طويلا في هذا المنصب، ذلك أن قناعاته الليبرالية والديمقراطية سرعان ما اصطدمت بالاختيارات الاشتراكية وسياسة الحزب الواحد التي انتهجت مباشرة بعد الاستقلال في الجزائر، ولذلك قدم استقالته (جوان 1963). وظل معارضا لأنظمة حكم الرؤساء أحمد بن بلة، وهواري بومدين، والشاذلي بن جديد، وتعرض بسبب ذلك للسجن في عهد بن بلة، ولتحديد الإقامة والحركة في عهد هواري بومدين، وللتضييق والتهميش في عهد الشاذلي بن جديد، والتحق السيد فرحات عباس بجوار ربه في 24 ديسمبر 1985 ودفن بالجزائر في مقبرة العالية بمربع الشهداء، عليه رحمة الله.

 

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

لعنة اضطهاد الروهينغيا تطارد رئيسة حكومة ميانمار

أ. عبد الحميد عبدوس/ عادت احداث ميانمار لتتصدر الأحداث في مطلع الشهر الجاري (الاثنين 1 …