الرئيسية | في رحاب الشريعة | مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأحداث السيرة النبوية/ خير الدين هني

مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأحداث السيرة النبوية/ خير الدين هني

طور مناهج الكتابة في السيرة النبوية(3)

(كما بُرر في التاريخ جواز الخروج عن علي وهو خليفة بالبيعة من أهل الحل والعقد، فاعتبروا ذلك اجتهادا مأجورا عليه من فعله، أو كتأويل مقتل عمار بن ياسر في صفين سنة 37هـ، لدواع سياسية ومذهبية، مع أن الحديث متواتر الشهرة، وفيه تحديد دقيق للمسؤولية، إذ تنبأ -صلى الله عليه وسلم- بمقتله رضي الله عنه من الفئة الباغية، ومثل هذه الأحاديث الواضحة الدلالة والتي لا لبس فيها بغموض استعارة أو مجاز، لا تحتمل التأويل الفاسد(المغلوط) أو التبرير إلا في حال الاستثناء قبل وقوع الفتنة، لغرض الإصلاح بين المسلمين.والشواهد في هذا كثيرة لا يتسع المقام لذكرها…ولكن –مع ذلك- يمكن الاستدلال على بعضها بما فعله ابن عباس، حين سأله رجلان في مجلس واحد على التوالي دون أن يعلم الثاني بما أفتى به الأول، حيث سألاه عن توبة القاتل، فكان الجواب عن الأول بجواز التوبة، أما الثاني، فأفتاه بعدم الجواز مطلقا. وقد اندهش المتحلقون حوله عن الاختلاف الكبير في الفتوى مع الرجلين وهما يسألان عن مسألة واحدة، وكان جوابه فذا وطريفا يدل على عقله الكبير، وعلمه الواسع وعمق بصيرته وفقهه الدقيق..فقال: فأما الأول، فقد قام بفعل القتل وقضي أمره، فأجبته بالجواز. وأما الثاني، فرأيت الشر في وجهه وقد جاء يبحث عن رخصة التوبة، فقطعت عنه طريق الجريمة.

“ويحَ عمارٍ تقتله الفئة الباغية”. أُول هذا الحديث تأويلا غريبا حتى من علماء كبار، كابن تيمية مثلا، فقال: “ربما القصد هم جماعة من الجيش الذين قتلوه أو رضوا بقتله..”.وكما أول الحديث في حينه تأويلا مغلوطاً لغاية سياسية، من قبل الطرف المنازع لعلي، بأن من أخرج عمارا إلى المعركة هو من قتله، وقد رد عليهم علي بما يبطل هذا التأويل الفاسد، فقال: إن هذا التأويل سيجعلنا نقيس عليه قياسا فاسدا، على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو من قتل حمزة عندما أخرجه إلى أحد. وما زال هذا التأويل جاريا به العمل لدى مذهب قوي عند المسلمين اليوم، وقد وجدوا علماء وأصحاب مذهب من أصحاب التفويض الإلهي جاهزين مطواعين يعملون تحت الطلب، ممن يسهل عليهم البحث في لي النصوص لتبرير الخطأ التاريخي، فيما وقع من اختلاف بين كبار الصحابة، لتبرير اغتصاب الحكم بالقوة من أصحابه الشرعيين، بحجة الاجتهاد أو إخراج المسلمين من وثنية الجاهلية المعاصرة التي فرضها الطرقيون من طريق الدروشة والصعلكة الصوفية التي اتخذت الباطنية وعبادة القبور والأضرحة والقبور مذهبا لانحرافها العقدي.

وهذا التأويل الذي لا تقبله مقاييس لغة العرب وضوابطها، كان من أكبر الأسباب التي أصابت المسلمين وجعلت بأسهم فيما بينهم شديدا، وشنعت بتاريخهم الطويل، وجعلت أعداءهم ينالون منهم ويشكون في مصادرهم التاريخية والعلمية، لأنهم كتبوها بمعايير عاطفية، وهي مما يدخل ضمن المساحة المباحة وليس في مساحة المقدس، فلقد ظل الكثير من العلماء يلوون أعناق النصوص لتبرير ما لا يبرر. إرضاء لنزوة عاطفية أو مذهب فكري أو لتيار سياسي جارف. أو لقداسة غير مستساغة شرعا، وعدم تحديد المسؤوليات التاريخية بنزاهة -وبلا تجريح- هو الذي أخلط الحابل بالنابل، وجعل سواد الناس لا يميزون بين الحق والباطل، ولا بين المعتدي على الحدود وبين المعتدى عليه، ولا بين الشرعي المزكى وبين اللاشرعي المغتصب. ولا بين القانوني المرتضى وبين اللاقانوني المغضوب عليه، وهذا ما جعل حالنا اليوم يبقى عتما حينما نعمد إلى تأويل النصوص الشرعية والوضعية بمعايير ذاتية، عند تحليل الظواهر السياسية على الخصوص، فكل ينطلق من مصالحه الخاصة فيكيف النصوص بما تقتضيه مشاربه ونزواته.

أما غيرنا من خارج الدائرة الإسلامية، فيكتبون السيرة النبوية بمنهج تاريخي علمي مادي بحت، يخضعونها لمعاييرهم المادية (المنهج النقدي) في تفسير حوادثها ووقائعها، لأنهم يعتبرونها مادة تاريخية صرفة، ولا علاقة لها بالوحي والنبوة ورسالة السماء، لذلك يجدون التبرير المادي (النفعي) لتفسير حوادثها، كما لو أنها أحداث صنعها رجل سياسي قاده طموحه السياسي إلى إعلان ثورة إصلاحية في بيئة بدوية سريعة الانفعال والاستجابة والتغيير.

والمناهج التي أعنيها ههنا، والتي سأتناولها بالحديث، قد ترتبط بطريقة الجمع والسند والترتيب والتأليف، أي: الخطوات العملية التي انتهجها الأوائل في استقصاء رواية الأخبار وتدوين أحداثها في صحائف بسيطة لم يسبق أن جمعت من قبل، وما طرأ عليها من تجديد في طرق السرد والتدوين والعرض، أو تلك التي لها صلة بتغيير طرق الاستقصاء والسند والمحتوى والمضامين والتدوين، لأن من سمات المنهج -بالمفهوم المصطلح عليه- ليس مجرد الالتزام بخطوات الطريقة المتبعة في الكتابة والبحث والاستقصاء وطرق الاستدلال والترجيح فحسب، وإنما تشمل -أيضا-مضمون المعرفة وطرافتها وجدتها وأساليب عرضها وتبويبها وتعليل أحداثها واستنتاج عللها، والتحقيق بالموازنة بين طرق الكتابة والتدوين والاستدلال عليها، وترجيح العلل والتقريرات المفضية إلى النتائج. وهذه الجزئية لابد من الإشارة إليها، كيما لا يقع اللبس حين نتعرض إلى كتاب الشمائل والدلائل، حين نفردها بالكتابة على اعتبار كونهما خاضعين لمنهج جديد، وعلى هذا يمكن حصر كتابة السيرة النبوية في المناهج التالية:

1.المنهج التاريخي. 2. منهج المحدثين.3.منهج أصحاب الدلائل.4.منهج أصحاب الشمائل.5.منهج المتأخرين.6.منهج المعاصرين.7.منهج المستشرقين..

. 1.1″المنهج التاريخي: وهو المنهج الذي اعتمده الإخباريون من أهل التاريخ، ممن كانت تغلب على كتاباتهم المادة التاريخية الصرفة، يُعنى هذا المنهج بجمع الأخبار التي لها صلة بالمعلومة التاريخية مهما كانت قيمتها.ولم يكونوا يقصرون اهتمامهم على ما له صلة بالأحكام الفقهية من حلال وحرام ومباح وغير ذلك مما يدخل في الاختصاصات الفقهية والأصولية.والذين كان لهم فضل السبق ومثلوا الطلائع الأولى في جمع أخبار السيرة من صدور الصحابة وتدوينها في صحائف، هم كبار التابعين من أبناء الصحابة، ممن عاصروا الصحابة وأخذوا عنهم كل المرويات التي حدثت في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد كانوا أئمة محدثين وإخباريين، كعروة بن الزبير بن العوام، تابعي ومحدث ومؤرخ، (23هـ – 94هـ) وأبان بن عثمان بن عفان الذي كان واليا على المدينة، لعبد الملك بن مروان ( 75هـ- 82هـ) تابعي ومحدث وإخباري، ( تـ 105هـ) وعبيد بن شرية الجر همي، (تـ 67هـ) من أقدم مؤرخي العرب، عمر طويلا وقد اهتم بتاريخ اليمن، ووهب بن منبه الصنعاني(34هـ-114هـ) تابعي جليل ومؤرخ إخباري، يغلب على أخباره الخيال القصصي والأسطوري والإسرائيليات، وهو من أصول يهودية باليمن، وابن شهاب الزهري القرشي(58هـ-124هـ) مؤرخ وفقيه وعالم من أشهر تلاميذه مالك والأوزاعي. والشعبي (21هـ – 103هـ) تابعي وفقيه ومحدث وقاض، كوفي المولد والوفاة، من أشهر تلامذته أبو حنيفة النعمان…

وكان تدوينهم للسيرة غير منتظم على قواعد التسلسل التاريخي للأحداث والوقائع، وإنما كان عبارة عن مرويات مبعثرة تفتقر إلى الربط والضبط والتدقيق، ولكنها كانت بواكير نافعة لمن جاء من بعدهم من الطبقة الثانية من المؤرخين ممن غلبت على تفكيرهم النزعة التاريخية، فقاموا بشيء من التدقيق والتحقيق والربط بين الحوادث وتسلسلها، وارتباط بعضها ببعض منطقيا، من أمثال محمد بن إسحاق بن يسار قرشي المولى (51هـ- 151هـ) ولد بالمدينة وتوفي ببغداد. أول مؤرخ حقيقي للسيرة. جمعها من المصادر الشفوية المتاحة في عصره، وقد مكث طويلا بالمدينة ثم استقر أخيرا ببغداد، فوفر له الخليفة أبو جعفر المنصور كل ما يعينه على كتابة السيرة. ورغم بعض المآخذ عليه، لعدم نزاهته في الكتابة عن بني أمية وقبوله بعض الأخبار المشكوك في صحتها، والإكثار من الأنساب والأشعار والإسرائيليات من غير ما ضرورة، إلا أن الكثير من المؤرخين والمستشرقين ينظرون إليه بعين الرضا كمؤرخ جيد في جمع المادة التاريخية، حافظ على جميع الروايات المتعلقة بالسيرة النبوية.

والواقدي من الموالي(130هـ-207هـ) قاضي بغداد مؤرخ وراوٍ وحافظ للحديث، مدني المولد بغدادي الوفاة، وقد ركز اهتمامه على المغازي والتاريخ، وله كتب كثيرة شملت فتوح شمال إفريقيا والشام ومصر وصفين والفتنة الكبرى، وهو مجرَّح في علم الحديث ومتهم بالوضع عند المحدثين، من عشرين ألف حديث كانت عنده لم يصح منها سوى حديث واحد رواه بن ماجة، وهو عندهم سيء السمعة والذكر، قال عنه الشافعي” كتب الواقدي كذب” وقال عنه الذهبي: “كان إلى حفظه المنتهى في الأخبار”، وقال مجاهد بن موسى: “ما كتبت عن أحد أحفظ من الواقدي” وكان الواقدي يقول عن نفسه: “ما من أحد إلا كتبه أكثر من حفظه وأنا حفظي أكبر من كتبي”. ومن أشهر تلاميذه ممن كتبوا في السيرة النبوية على منهج المؤرخين محمد بن سعد صاحب الطبقات.

كان محمد بن سعد البغدادي من موالى بني هاشم بالجد، وصاحب كتاب الطبقات (168هـ-230هـ)، ولد بالبصرة وتوفي ببغداد، كان حسن السيرة والسمعة ثقة صدوق عند العلماء والمحققين الكبار. قال فيه ابن النديم:” كان ثقة مستورا عالما بأخبار الصحابة والتابعين”، وقال فيه النووي: “وهو ثقة وإن كان شيخه الواقدي ضعيفا” وقال ابن خلكان:”كان أحد الفضلاء النبلاء الأجلاء وكان ثقة صدوقا”. وابن جرير الطبري(224هـ-310هـ) مفسر ومؤرخ وفقيه، لقب بإمام المفسرين والمؤرخين، ولد بآمل طبرستان، وتوفي ببغداد، يوصف الطبري بأنه كان ذا مواهب فريدة، وذكاء حاد متوقد القريحة وله ذاكرة قوية لاقطة واعية غير ناسية. وكان كما قال فيه ابن كثير: من العباد الورعين الزاهدين.

وبسبب خلاف مذهبي أصله سياسي، وقع بينه وبين الحنابلة الذين كانوا مسيطرين على العراق وبغداد، اتهموه بالتشيع وقد حوصر في بيته ومنعوا الناس من الاجتماع به، وظل محاصرا في بيته حتى وافاه الأجل. وقد أثنى العلماء على فضله وسعة علمه وفقهه..

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …