الرئيسية | قضايا و آراء | بؤس الأسرة الفرنسية!/ علي حليتيم

بؤس الأسرة الفرنسية!/ علي حليتيم

في تقرير من ‏ثلاثمائة وخمسين صفحة قدمته لجنة “البنوة والأبوية والجذور filiation , parentalité, origines ” إلى الوزارة المنتدبة للأسرة في فرنسا برئاسة ايرين تيرى Irène THERY يبرز التقرير الإشكاليات الكبرى التي تواجه المجتمع الفرنسي بعد تفكيك الأسرة التقليدية ودخول المجتمع الفرنسي ‏في ما يسمى مرحلة ما بعد الحداثة متجاوزا حتى المجتمعات الغربية المجاورة له كالمجتمع البريطاني والمجتمع الإسباني والمجتمع الإيطالي. لقد تطرف الفرنسيون حتى بالنسبة للمعايير الغربية في سن القوانين و اتخاذ إجراءات ضد الأسرة التقليدية ‏وبلغ الأمر بأحد المختصين الفرنسيين أن قال إن فرنسا الآن تتعامل مع قيم الحداثة في الأسرة كما كان النظام الإقطاعي يتعامل مع القيم المسيحية أي أنها تتعامل مع قيم الحداثة على أساس أنها القيم الوحيدة الصحيحة التي ينبغي اتباعها في نظام الأسرة كما كان النظام الإقطاعي يفعل مع القيم الدينية في القرون الوسطى، من ذلك مثلا أن الأطفال الذين يولدون من الزنا أوما يسمى enfants nés sous X ‏تقوم الإدارة بإتلاف وثائقهم حتى يغدو مستحيلا أن يعثروا مرة أخرى على أمهم البيولوجية. إذا رغبوا في ذلك وتقوم الإدارة بإتلاف عقد الميلاد الأول لكل طفل يتبناه أشخاص آخرون غير والديه البيولوجيين بحيث يصير المتبني هو الوالد البيولوجي الجديد والوحيد للمتبنَّى حتى تكونت جمعية لأولاد الزنا في فرنسا يطالبون بحقهم في معرفة أصولهم لكن دون جدوى. كل هذا باسم الأنثوية وحق المرأة في أن تتخلى على أولادها!

ومن ذلك أن القوانين الفرنسية تأمر بإلحاق أطفال الأنابيب بالحق نسبهم بالأم الحاملة المستقبلة وإتلاف كل الوثائق التي تشير إلى أن تلك الأم. قد تلقت نطفة أو علقة من قبل الآخرين وتأمر الإدارة بتسجيل الأم المستقبلة وزوجها كوالدين بيولوجيين حقيقيين حتى قالت رئيسة اللجنة ‏إنه يجب على فرنسا ان تكف عن الكذب وان تكف عن بناء أسرها على الكذب وقالت إنه من. حق الطفل الذي يولد بهذه الطرق أن يعلم ذلك وأن يعرف أباه وأمه البيولوجيين.

إن اكثر من خمسين في المائة من المواليد ‏في فرنسا يولدون خارج نظام الزواج وأكثر من خمسين في المائة من الفرنسيين يعيشون في ما يسمى التعايش الحر Union Libre. ويرفضون الزواج وهؤلاء الذين يتعايشون دون زواج يقولون أنهم لا يعلمون أن كانت علاقتهم ستقصر أو تطول و ليسوا متأكدين إن كانوا سيعيشون مع الشريك الآخر حتى يكبرون وإن كانوا سينجبون معه ذرية.

لقد أصبحت العلاقات الاجتماعية في الغرب علاقات طائرة volatile ‏وبدأت الأصوات تنادي بوقف هذا العمل ووقف سياسة الهروب إلى الأمام ووقف سياسة الاصطدام بالحائط وبدأت الاصوات تتعالى للإصغاء إلى صوت العقل والتوقف عن هذا التحطيم الذاتي الذي سوف ينتهي بالمجتمع الفرنسي إلى انهيار فرنسا التي تتزعم القوائم العالمية لاستهلاك الأدوية المضادة للاكتئاب وقوائم استهلاك المخدرات وقوائم العنف المنزلي وقوائم الاغتصاب وزنا المحارم والزنا بالأطفال رغم الحرية الجنسية الكبيرة و قوائم الإجهاض وقوائم قتل الازواج لزوجاتهم ففي 2016 قتلت 123 امرأة على يد زوجها ‏بما يساوي امرأة كل يومين تقريبا.

وفرنسا تتزعم القوائم العالمية في انتحار الأطفال وفي انتحار المراهقين والشباب وفي انتحار النساء وغير ذلك من الشرور.

بأي منطق يسمح المشرع الجزائري لنفسه أن يتخذ فرنسا قدوة في التشريع الأسري والاجتماعي؟

إن المجتمعات تكتب تشريعاتها من مصدرين اثنين‏: اما من دينها ومبادئها الموروثة عن أجدادها لأجل استمرارية الخط الهوياتي وإما من مطالب المجتمع الذي يتغير ويتطور وعلى النظام والتشريعات أن تتغير بتغيره. ‏

من أين تاتينا هذه التشريعات الجديدة التي تحاول أن تغير نظام الأسرة وقانونه؟

‏إنه لمن أن الشذوذ أن نشرع للمجتمع الجزائري المسلم من مجتمع آخر غريب عنه وإنه لمن الشذوذ أن نجلب له تشريعات هم مجتمع شاذ منحرف يسير نحو الخراب وإنه لمن الشذوذ أن تفرض قوانين ما على مجتمع وهو لا يريدها ويشعر المواطنون أنه تلك التشريعات الغرض منها إفساد المجتمع وتحطم قاعدته الأساسية التي هي الأسرة!

‏بأي حق يسقط شرط الولي من قانون الأسرة الجزائري؟

أليس الغرض من ذلك الشرط هو حماية الأسرة الجزائرية والتحامها وتكاثفها بحيث يشعر الزوج أن تلك المرأة التي اتخذها زوجة له ليست مقطوعة من شجرة وأن لها أهلا. ووالدين يرعونها ويتواصلون معها؟ أليس ذلك الشرط حماية للبنت من الانحراف ومن أن يتلاعب بها المتلاعبون؟ ‏أليس هذا مطلبا دائما للبنت الجزائرية حتى يكون زواجها مباركا ومرتبطا بأسرتها ومنخرطة في التقاليد العريقة للمجتمع الجزائري؟

أي منطق يدفع الدافعين لإسقاط هذا الشرط وغيابه يجر إلى الفساد والإفساد. قد يقول القائل أن ذلك إسقاطه كان من أجل الأولياء الذين ي يحرمون بناتهم من الزواج او يجبرونهم على الزواج ممن لا يريدون أو يمنعونهم من الزواج ممن يريدون.

إنَّ الذي يقول هذا الكلام جاهل أو متجاهل لأن الفقهاء نصوا على أنه لا يجوز للولي أن يمنع وليته من الزواج، ولا يجوز له أن يجبرها على الزواج ممن لا ترغب فيه، ولا يجوز له أن يحرمها من الزواج ممن ترغب فيه. ونص الفقهاء على أن ولاية الأب الظالم تسقط وتنتقل إلى غيره من الأولياء في ترتيب مكتوب في كتب الفقه. ونص الفقهاء على أن البنت يجوز لها أن ترفع أمرها إلى القاضي أو سلطان تشكو من وليها عضله وظلمه. ‏وعلى القاضي أن ينتصر لها إذا وقف على ذلك الأمر. ونص الفقهاء على أن البنت إذا لم تجد وليا ولا قاضيا أنه يجوز لها أن تتخذ رجلا عدلا من المسلمين وليا لها فيزوجها بإذنها لكن البنت لا تتزوج نفسها لأنها إذا زوجت نفسها فإن الزوج سوف يدرك سريعا  أنها سلعة رخيصة وسرعان ما سيغير تلك السلعة إلى سلعة أخرى بعد ما يصيبه الملل وسرعان ما سوف تسقط تلك البنت من عينيه كما تسقط في الغرب حيث نسبة الطلاق ترتفع بشكل مذهل وحيث الرجال في فرنسا يعزفون عن الزواج.

عندما شرع الزواج بالتراضي في سبعينات القرن الماضي في فرنسا ارتفعت نسبة الطلاق من 10 إلى 30 في المائة.

إن الذين يقتدون بالمجتمع الفرنسي في تشريعاتنا يريدوننا أن نكون مثل الفرنسيين فلا نتزوج إلا قليلا وتنتهي زيجاتنا بالطلاق ويريدون من المجتمع الجزائري أن ينظر بعين الإيجاب إلى المجتمع الفرنسي حيث يتزوج الرجل من الرجل والمرأة من المرأة ويتبنيان طفلا لم ينجباه ويقولان لذلك الطفل أننا نحن أبوك وأمك (؟!) ‏وحيث تقوم الادارة بإتلاف وثائق الأم التي وضعت ذلك الطفل وباتلاف وثائق الرجل الذي أعطى  الماء لذلك الزوج المثلي وهذا هو السبب أن المجتمع الفرنسي يعيش في قلق دائم وفي ضنك دائم وفصام دائم وحتى أصبح بعض الفرنسيين يتساءلون إن كانوا يشهدون عصر زوال. الرجل والمرأة ونشوء جنس ثالث لا بالرجل ولا هو بالمرأة في ظل قوانين تبيح التحول الجنسي وتفصل بين الجسد والاختيار وهذا الكلام سمعته من الفرنسيين أنفسهم وقال أحد ‏المختصين الفرنسيين أنها “غلطة لنا أننا لم نشرح للمواطنين بالقدر الكافي ولم نفهمهم أننا لا نريد للرجل والمرأة أن يزولا وإنما أدخلنا تشريعات لصور جديدة من الأسرة”، ولكنه في حقيقة الأمر يخفي بهذا الكلام انهم في مأزق كبير لا مخرج منه. كيف تنجب المرأة من المرأة طفلة دون أب وكيف لرجل ورجل أن يكونا أبوين لبنت دون أم؟! إنَّ هذا الانكار للطبيعة وهذا الإنكار للخلق وهذا الإنكار للحقائق ‏وهذا التشويه والتحدي للطبيعة البشرية هو أمر مخزن للإنسانية. كلها والأخزى منه نظرة القلة القليلة من الشواذ عندنا إلى فرنسا على أساس أنها قدوة في التشريع وأستاذ في القانون ومعلم في الاخلاق وهم يتعمدون الخلط. بين العلم والعصرنة والقيم ليمرروا فجورهم وفسقهم الكبير باسم العلوم.

إنَّ العلم والتقدم التكنولوجي لهو من. الأمور المحمودة ولكن العلم لا يمكن أن يعطينا  منظومة قيم. العلم لا يقول لنا أن ‏زواج الرجل من الرجل أمر علمي وعصري ‏والعلم لا يقول لنا أن الإجهاض فعل أخلاقي محمود والعلم لا يمكن له أن يتدخل في منظومة القيم.

منظومة القيم أساسها أساسها الدين أو مطالب المجتمع أو تاريخه أو العقل والمنطق في غياب الدين والتاريخ والمنطق يقول لنا أن الأسرة هي الرجل والمرأة والزواج بعلم الأسرة وبمباركة المجتمع وأن افضل الزواج هو الزواج الذي يكون برضا الوالدين وأن الجماعة البشرية تقوم على أساس ‏الذرية حيث يعرف كل فرد أمه وأباه وجده وجدته وأعمامه وإخوانه وحيث يجتمع الناس في عائلات والعائلات في مجتمعات بشرية. أي عذاب وتيه هذا الذي يعيش فيه المجتمع الغربي حيث أصبح الناس لا يعرفون لهم أبا ولا أما ولا أسرة وحيث أصبح أكثر من ‫نصف الاطفال في فرنسا أبناء الزنا شرعيون بقوة القانون.

‏والغرب الشاذ المريض يمنع أن تشبهه شعوب العالم في العلوم والتقنية ويمنع عنهم التقدم والتطور ويمنع عنهم العصرنة ولكنه يريد لهم أن يتبعوه في منظومة القيم فيحرروا المرأة حتى تصبح سلعة أرخص من الماء وأن يتبعه في زواج المثليين وفي الحق في الإجهاض وفي الميلاد بدون أبوين ولا نسب وفي غير ذلك من الضلال.

والخطا الأكبر والجريمة الكبرى أن نتبع الغرب في قوانينه وان نتبع فرنسا بالذات عدو الامس في قوانينها التي ينظر إليها حتى جيرانها من الغربيين على أساس أنها تطرفت في تشريعات الأسرة وأنها أجبرت المجتمع الفرنسي على الدخول في أسرة ما بعد الحداثة حيث لا أسرة وعلى التخلي عن المفهوم البيولوجي في الأسرة إلى أسرة  لا معنى لها حتى عند البهائم تورث القلق والضنك وتورث الانفصام وتضاد الفطرة البشرية وتصل بالفرد الى الانتحار وبالجماعة الى الانهيار والاندثار.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

تهافت مقولة فصل القرآن عن الشريعة (2)

أ. عبد القادر قلاتي/ أكثر ما يزعج تيار العلمنة من الدين كلمة «الشريعة»، فهي في …