الرئيسية | قضايا و آراء | الجزائر وعودة الأوبئة…/ محمد العلمي السائحي

الجزائر وعودة الأوبئة…/ محمد العلمي السائحي

بعد أن أعلنت وزارة الصحة تفشي داء الكوليرا في العديد من الولايات بما فيها ولاية الجزائر العاصمة ذاتها، تعجب الناس من ذلك واندهشوا وذلك ظنا منهم ان هذا الداء مواكب للحروب ومرافق لها، لكونها تتسبب في تهديم البنى التحتية وتخريبها، مما يؤدّي إلى تحطم قنوات المياه الصالحة للشرب، وتلك الخاصة بالصرف الصحي، فتتلوث مياه الشرب، وتتكون البرك والمستنقعات، ولتعطل عمل المؤسسات المكلفة بمتابعة الصحة العامة، فتتوافر الظروف الملائمة، وتتجمع كل العوامل المساعدة على ظهور الأوبئة وانتشارها، كما هو مشاهد في اليمن وسوريا والعراق، مثل الملاريا والتفوئيد والكوليرا والجرب وما إلى ذلك من الأوبئة الخطيرة الفتاكة التي تحصد من الأرواح البشرية أكثر مما تفعل الحروب، وذلك بفعل تعذر الحصول على تغذية سليمة وانعدام وسائل الوقاية الصحية الفعالة، فمن الطبيعي أن يتعجب الجزائريون ويندهشون لظهور هذه الأوبئة في بلادهم، لكونها لا تزال تنعم بالسلم والأمن حتى اليوم، ولا تزال بنيتها التحتية سليمة إلى حد كبير فما علة ظهورها إذن؟

إن ما تتسبب فيه الحروب من تعطيل لعمل المؤسسات والأفراد، ومنعها من القيام بالمهام المنوطة بها، لارتفاع حدة التوتر وانعدام الظروف الأمنية المواتية والمساعدة لها على تقديم خدماتها للمواطنين، من اكتشاف لبؤرة الوباء، ومحاصرته، والتدخل للقضاء على أسبابه قبل تفشيه واتساع دائرته، فضلا عما تفضي إليه الحروب من تهديم وتخريب للهياكل الصحية كالمستشفيات والمخابر ومصانع الأدوية وخلافه، هو يعتبر العامل الأهم في ظهور الأوبئة واستفحالها، فالمتسبب الفعلي  في الأوبئة هو إذن ليس الحروب بذاتها وإنما هو عدم تمكن المؤسسات والهياكل في الدولة من القيام بوظائفها ومهامها لسبب من الأسباب قد يكون حربا كما قد يكون غيرها، مثل التسيب، أو عدم وجود أجهزة رقابية تضمنت متابعة نشاط المؤسسات ومحاسبتها على أي تقصير تقع فيه، وحملها على القيام بدورها المنوط بها، على أحسن وجه وأكمله، ويبدو في حال الجزائر أن هذا هو العامل المتسبب في ظهور هذه الأوبئة الفتاكة في البلاد من جديد، فصحافتنا قد أبلغتنا أن هناك فلاحين يسقون مزروعاتهم بمياه الصرف الصحي، و أن هناك مناطق كثيرة اهترأت فيها قنوات الصرف الصحي، فاختلطت بمياه الشرب، ومناطق أخرى تنعدم فيها وسائل الصرف الصحي أصلا، وإذا أضفنا إلى ذلك ما يعاني منه القطاع الصحي من مشاكل في مجال التكوين والتجهيز والتسيير، الأمر الذي ينعكس سلبا على قدرة هذا القطاع على مواجهة الأوبئة الطارئة، والتصدي لها ومقاومتها بكفاءة ونجاعة، بحيث أصبحت بعض مستشفياتنا في بعض الولايات بل حتى في العاصمة ذاتها عاجزة عن التكفل بمرضاها في الحالات العادية، بحيث بات المواطن يجول بين الولايات ليجد المستشفى الذي يقبل بتوليد امرأته، ناهيك

 بالحالات الطارئة التي تحتاج إلى قدرات هائلة على الحشد والتخطيط والتنفيذ لمواجهة الطارئ الذي طرأ لعوامل طبيعية أو اجتماعية.

إن الأوبئة كما تنجم بفعل الحروب، قد تنجم بسبب الفساد الإداري، وما يتطرق عن طريقه إلى هياكل ومؤسسات الدولة من ضعف، الذي يمكن لتفشي التسيب        والإهمال واللامبالاة، نتيجة انعدام المتابعة من جهاز رقابي قوي وفعال، يضمن الكشف عن الأخطاء والثغرات والتقصير، ودفع الأجهزة المختصة على التدخل والقيام بما يجب عليها القيام به، مما يمنع ويحول دون تفاقم الأمور وتعقدها وخروجها عن السيطرة، في هذا المجال أو ذاك.

والدليل على أن انتشار الأوبئة له علاقة قوية ومباشرة باختلال التسيير الإداري وضعفه، أن الدول الأوروبية عرفت حربين عالميتين ولكنها لم تنتشر بها مثل هذه الأوبئة، لأنها كانت تتمتع بإدارة قوية تتحكم في الأمور وتحسن تصريفها، فاستطاعت أن تتدخل في الوقت المناسب، وبالوسائل الملائمة لمواجهة ما يطرأ بما يحول استفحاله وتطوره.

وإذن فعامل اختلال التسيير الإداري وضعفه، هو المسؤول عن جل الكوارث الصحية والاجتماعية وغيرها من الكوارث، التي تعرض لها الكثير من بلدان العالم الثالث عامة، وبلدان العالم العربي خاصة.

وهكذا يتبين لنا أن مقاومة الأوبئة بأنواعها يشترط بالضرورة امتلاك القدرة على حسن التسيير الإداري وذلك يتطلب التكوين السليم، وحسن تقدير الكفاءات   وتقديمها على غيرها في تولي المسؤوليات…

عن المحرر

شاهد أيضاً

المعاملة هي روح التدين الحـــــق..

مداني حديبي/ ألا تتعجب معي لحال ذاك المتدين الذي يلزم الصف الأول ولا تفوته تكبيرة …