الرئيسية | اتجاهات | الاشتباك الأخير …3 -/ محمد الحسن ٲكيلال

الاشتباك الأخير …3 -/ محمد الحسن ٲكيلال

 

 

 

روسيا…الانتقام الكبير

العالم كله يعيش صداعا ٲليما مما يعانيه من التقلبات الدراماتيكية في الأسواق المالية وانعكاساتها الكارثية على الشعوب، وخاصة المتخلفة ذات المداخيل المحدودة أو تلك المعتمدة على المحروقات في صادراتها، واعتيادها على الإنفاق على ٲغلبية الواردات ذات العلاقة بالحاجيات المختلفة في الاستهلاك كالتموين بالغذاء والدواء وقطع الغيار المختلفة

لوسائل الإنتاج الصناعي والزراعي والنقل و الأشغال العمومية؛ فقط لمحاولة التشبث بالحياة .

هذا الصداع قد بدٲ منذ بداية الأزمة الاقتصادية العالمية التي أصابت النظام الرأسمالي العالمي، وهي لم تكن صدفة ولا عفوية، بل كانت نتيجة عبث وتلاعب المضاربين الكبار في سوق العقار الأمريكي من جهة وتنافس الكارتلات الكبرى وضغط ٲقواها لبيع الأسلحة الذي أدى إلى غزو أفغانستان ثم العراق وإنفاق ٲكثر من 3 ترليون دولار فيها، وكل هذا لتحقيق هدف الصهيونية العالمية المتمثل في تأمين دولة إسرائيل المحتلة لأرض فلسطين من جهة أخرى.

هذه الأوضاع التي يحياها العالم حاليا والتي زادها تفاقما بروز شخصية “ترمب” على مسرح الأحداث بكل هذا الصلف والجبروت والطغيان الذي لم تعرف مثله الولايات المتحدة، بل والعالم ٲجمع إلا في شخص المستشار الألماني النازي “ٲودلف هتلر” في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي مع فارق كبير بينهما من حيث النشأة والعلاقة بالنضال السياسي والفكر الإيديولوجي والمستوى الثقافي والمعرفي.

في تصرفاته كثير من الابتذال بخلفية التمثيل المسرحي المتقلب بين الدراما والتراجيديا والكوميديا الهزلية، المهم ٲن الرجل يبدو كمن يحاول التخلص من شخصيته الحقيقية لإخفاء شيء ٲو أشياء يخاف ٲو يخجل منها، إنه يبذل كل ما في وسعه لإقناع العالم عامة وناخبيه خاصة بأدائه المتميز مقارنة بأسلافه من الرؤساء، فهو يزايد كثيرا في إرضاء الصهاينة أمثاله وحكومة تل أبيب.

كيفية ترشيحه وفوزه في الانتخابات الرئاسية ثم استعجاله في اتخاذ قرارات خطيرة ومصيرية تتعلق ليس بمصير شعبه فقط بل بمصير العالم أجمع فيما يتعلق بالسلم والأمن فيه، إنه كمن هو في سباق ضد الساعة لتحقيق أهداف استراتيجية سطرت سلفا .

الغريب أنه وهو يعاني من تهديدات بعزله لاتهامه بتهم عديدة ومختلفة أخطرها تتعلق بالتورط في تسهيل عملية اختراق دولته من طرف مخابرات الاتحاد الروسي الذي وصفه بعظمة لسانه بأنه العدو اللدود لبلاده، ومع ذلك ظهر في أول لقاء له بالرئيس بوتين كمن يستسلم له في التوافق معه في كل ما طرحه من أفكار تخص العلاقات بين البلدين،

وأخطر الملفات الشائكة التي يختلف فيها اختلافا كبيرا هذان البلدان، وخاصة فيما يتعلق بالملف السوري.

الجغرافيا الجديدة للاشتباك الجديد

لقد مر الاشتباك الحالي بمرحلتين من ناحية اعتماد الجغرافيا الطبيعية والجيوسياسية، لقد كانت البداية مركزة على خارطة الشرق الأوسط، وبالضبط شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب، وقد وضعتها الدولتان الكبريان الاستعماريتان: بريطانيا وفرنسا، وقد كان الاشتباك بين الدولتين والخلافة العثمانية في تركيا إلى حين سقوطها بانقلاب داخلي قاده كمال أتاتورك لتفادي احتلالها من طرف الدولتين الاستعماريتين.

المرحلة الثانية، بداية الاشتباك الحقيقي والأول ضد المعسكر الشيوعي المتمثل في الاتحاد السوفياتي وبلدان أوروبا الشرقية الاشتراكية، وهو الاشتباك الذي فرض توسيعا للجغرافيا لتمتد من الهند الصينية شرقا إلى حدود ألمانيا الغربية غربا، ومن بحر البلطيق شمالا إلى المحيط الهندي وجزء من المحيط الهادي جنوبا.

في هذه المرحلة عرف الاشتباك تطورا نوعيا من حيث اشتداد المعارك وقساوتها بين الجيش الفرنسي والفيتنامي انتهت بهزيمة منكرة للفرنسيين بعد معركة ديان بيان فو عام 1954 لتنسحب منها تاركة إياها للقوات الأمريكية وتركز كل جهودها في الجزائر التي احتلتها منذ عام 1830، حرب التحرير الجزائرية كشفت أوراق فرنسا الاستعمارية حول

موضوع توسيع مواقع الاشتباك وقواعده الإستراتيجية حين اشتركت مع بريطانيا العظمى في الهجوم الثلاثي الذي أشركتا فيه الجيش الصهيوني على جمهورية مصر العربية عام 1956، وهذا الموقع لقربه من حدود فلسطين المحتلة أرادت أمريكا أن تتجنب كشفه منذ البداية لذلك سارعت إلى طلب إيقافه فورا حتى لا تتوسع رقعة الحرب فيه لتصبح

حرب تحرير شعبية تشترك فيها كل الشعوب العربية على مدى كل شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية وتكون سببا في إنهاء احتلال الصهاينة لفلسطين.

كل قواعد الاشتباك لتحصين إسرائيل                                                                                                

أصبح الآن واضحا أن الاتحاد السوفياتي الذي كان حليفا للغرب في الحرب العالمية الثانية ضد دول المحور – ألمانيا واليابان – عدوا لدودا له تقرر من طرف الجميع محاربته بكل الوسائل والسعي إلى تفكيكه مهما كان الثمن لأنه أصبح حليفا استراتيجيا لمصر والدول العربية الأخرى التي لا تعترف بإسرائيل وتحاربها، لقد بدأت الحرب الباردة بين المعسكرين وتشكل حلفين عسكريين مهمين هما: الحلف الأطلسي للبلدان الغربية وحلف وارسو للبلدان الشرقية، ودخل الحلفان في تنافس محموم لتجنيد الدول والشعوب الباحثة عن أيسر السبل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية حدودها من الغزو الأجنبي؛ ولقد كان الهدف الوحيد والأهم بالنسبة لحلف “الناتو” هو تحصين دولة إسرائيل

وتقويتها اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا لدرجة قيام فرنسا بتمكينها من التكنولوجيا النووية وصناعة القنابل الذرية عام 1959 كما اتفقت الدول الثلاثة: فرنسا وبريطانيا وأمريكا بتسليحها بأحدث الأسلحة الجوية والبرية والبحرية ووضعت كل قواعدها وأساطيلها البحرية تحت تصرفها في حالة اندلاع حرب بينها وبين الدول العربية.

لقد نصت بروتوكولات حكماء صهيون على سعي الحركة للتغلغل في مفاصل أقوى دولة في العالم للسيطرة عليها ومن ثم حكم هذا العالم بواسطتها، وهذا ما حدث فعلا؛ بل أكثر من هذا فإن هذه الحركة لم تكتف بالتغلغل في دولة كبرى واحدة بل تعدتها إلى كل الدول الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي بعد تأسيسه بما في ذلك الاتحاد

السوفياتي الذي نجح فعلا في تخريبه وتفكيكه وتجريده من حلف وارسو.

إن الاشتباك الأول بين المعسكرين بدأ باتساع الرقعة الجغرافية لبلدان المعسكر الشرقي بتزايد عدد الشعوب المتحررة من الاستعمار الشيء الذي جعل الحركة الصهيونية تشرع في تفعيل تحركها للقضاء النهائي على هذا المعسكر الخطير على مستقبلها ومستقبل كيان الدولة التي وضعتها في فلسطين كقاعدة أمامية للهجوم القادم .

لقد بدأت فعلا باستغلال ترهل النظام البيروقراطي الشيوعي الذي بدأ بالتخلص من ستالين في الخمسينيات من القرن الماضي حين أعلن عن نيته في تشبيب النظام والحزب والقيادة، وقد كان من هؤلاء الكثير من اليهود الروس أو المتزوجين باليهوديات مثل بريجنيف.

لقد استعمل كل هؤلاء في تخريب النظام من الداخل تدريجيا إلى أن وصل في آخر الثمانينيات إلى نقطة اللا رجوع، وقد تزامن ذلك مع تحرك كثير من القوى الشعبية في الدول الأوربية الشرقية وعلى رأسها بولونيا وتشيكوسلوفاكيا وبعض الجمهوريات في آسيا الوسطى.  

فكان ما كان على يدي غورباتشوف في البداية ثم “بوريس إلتسين” الذي أعطى الصهيونية العالمية والولايات المتحدة الأمريكية مفتاح باب الكريملن والمكتب السياسي للحزب ليعيثوا فسادا وخرابا.

نفس الشئ حدث لكثير من الدول التي نالت استقلالها بالكفاح التحريري والثورات الشعبية وعلى رأسها الجزائر التي كلفت بها الدولة الفرنسية التي كانت مستعمرتها فمنحت النظام الجديد الذي خلف الرئيس الراحل هواري بومدين الوصفة السحرية للانتحار فكانت التدمير لكل مكتسبات كفاح التحرير والتدوير بدل التطوير.

لقد كانت نهاية الثمانينيات من القرن الماضي مرحلة انتصار الغرب الرأسمالي الامبريالي الصهيوني الذي وضع قواعد جديدة للاشتباك الجديد في القارات الأربعة: أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، كل ذلك لتوسيع دائرة حصن الدولة العبرية وتأمينها ضد الأخطار المحتملة في حالة عودة الروح لتيار المقاومة والممانعة العربية بعودة الروح للمعسكر الشرقي الذي لا يؤتمن جانبه بعد أن أصبح على رأس الاتحاد الروسي شاب من شباب “الكا جي بي” قد آل على نفسه أن ينتقم من الغرب الرأسمالي الإمبريالي الصهيوني، وهو الآن بصدد إعادة رسم خارطة الاشتباك القادم الذي أراده أن يبدأ حيث بدأ الاشتباك الأول، وأن يبدأ تفكيك الحلف الأطلسي بأمريكا وباستعداء أوروبا الغربية وانفصال تركيا، بعد أن انفصلت إيران منذ أكثر من أربعين سنة، فنقاط التقاطع حتى ولو حدث لها بعض التغيير بخروج مصر من موقعها إلا إن استعادة كل من العراق وسوريا لعافيتهما يمكن أن يساعد على ترميم السور الجنوبي وربما حتى باستعادة مصر التي بدأت تضيق ذرعا بالإهانات الأمريكية والإسرائيلية لها.

آخر ما يجب علاجه هو الخلاف الفلسطيني الفلسطيني، بين فتح وحماس فكلاهما مجبر على التمسك بخيار المقاومة، ولكن كل فصيل منهما مرتبط بمعسكر كان وما يزال حليفا للغرب بطريقة أو بأخرى.

عن المحرر

شاهد أيضاً

رفـــــع الـمـــــــلام عن الإسلاميــــــين

عبد العزيز كحيل/ الاسلاميون هم انصار المشروع الإسلامي، دعاة، مصلحون، سياسيون، علماء، شرائح اجتماعية متعددة …