الرئيسية | في رحاب الشريعة | بين البخاري ومسلم..أو علل المتن والسند(4)/ محمد عبد النبي

بين البخاري ومسلم..أو علل المتن والسند(4)/ محمد عبد النبي

بين البخاري ومسلم..أو علل المتن والسند(4)

(مناقشةٌ لكلام الألباني في المسألة)

 

أخرج الإمام مسلم(4/2149) عن أبي هريرة قال:” أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل..”.

لخّص العلاّمة المعلمي رحمه الله النكارة المفترضة في هذا المتن فقال:” وقد استنكر بعضُ أهل الحديث هذا الخبر، ويمكن تفصيل سبب الاستنكار بأوجه:

الأول: أنه لم يذكر خَلْق السماء، وجعل خلق الأرض في ستة أيام.

الثاني: أنه جعل الخلق في سبعة أيام، والقرآنُ يبيِّن أن خلق السموات والأرض كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض ويومان للسماء.

الثالث: أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة يوم الأحد، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد، الاثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس”(الآثار:12/261-262).

قد يكون الشيخ الألباني رحمه الله أبرز من انتصر للحديث الذي انفرد بإخراجه مسلم، وخالف بذلك أئمة كبارا، من مثل ابن المديني وابن معين والبخاري، وقد ركّز الشيخ على مخالفة المتن المُدّعاة، فسعى لإبطالها بتوفيق بين النصوص قدّر بأنّه الأوجب للاتّباع، مٌعرِضا عما ذكره الطبري وابن تيمية وابن القيم من إجماع السلف-أو الأمة- على ما ورد في القرآن، وعلى مخالفة نصّ الإمام مسلم له، ولو اقتصر الأمر على هذه العلة لأمكن أن يُقال بأن في الأمر سعة، لكنّ أساس التعليل أو تفسيره إنما هو الخلاف في وقف الحديث أو رفعه، وهي مسألة تتعلق بالعلل، التي لا يستطيعها إلاّ نفر قليل من المتقدّمين.

وكان مما قاله في اعتراضه على الأئمة أن نقل عن ابن المديني أنه أعلّه-: بأنه يرى أن إسماعيل ابن أمية أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى، وهذا عن أيوب بن خالد! ويعني أن إبراهيم هذا متروك.”- ثم عقّب قائلا:” قلت: هذه دعوى عارية عن الدليل إلا مجرد الرأي، وبمثله لا تُردّ رواية إسماعيل ابن أمية، فإنه ثقة ثبت كما قال الحافظ في التقريب، لاسيما وقد توبع…”

وعرّج على موقف البخاري أيضا فنقل قوله:” وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح “! وعقّب بالقول:” قلت: وهذا كسابقه، فمن هذا البعض؟ وما حاله في الضبط والحفظ حتى يُرجّح على رواية عبد الله بن رافع؟! وقد وثقه النسائي وابن حبان، واحتج به مسلم…”(السلسلة الصحيحة: 4/449).

كلام الشيخ هذا لو لم يكن ثابتا في السلسلة لاستبعدتُ أن يكون من كلامه، ولذلك أزعم أنه قد يكون مما قاله قديما ولم يراجعه ! فمثل الإمام البخاري وابن المديني ليسا طالبين في مرحلة الماجستير أو الدكتوراه حتى يُطالبا بمثل ما طالبهما به من تحديدٍ لِمن أَبْهما ذكره، أو الإتيان بدليل على ما يذكرانه! وقد أُلِّفت-في حياة الشيخ الألباني وبعد مماته رحمه الله- مئات الرسائل العلمية، في محاولة التعرّف-فحسب- على مفردات منهج البخاري، وغيره من أئمة هذا الشأن !

ثم إنّ الكلام عن الرواة -جرحا وتعديلا- وعن المتابعات والشواهد إنما يتعلّق بظواهر الأسانيد، التي أتقن الكلام فيها المتأخرون والمعاصرون، وأمّا العلل التي هي من اختصاص نقّاد الحديث من أمثال البخاري وابن المديني فقد يردّان بعض أحاديث كبار الرواة لما يقفان عليه من علل خفية، وهذا الأمر لا يصلح فيه أن يقال: هذا الراوي ثقة، فلِمَ رُدّ حديثه؟! وقد قرّر الحاكم في كتاب معرفة علوم الحديث (112)- في سياق تعريف العلة- أن جرح الرواة ليس له علاقة بالعلل الخفية فقال:” وإنما يُعلّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات: أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير..” ولذلك لا ينبغي أن يُردّ على البخاري أو ابن المديني بأن فلانا قد وثّقه ابن حجر، فلِم تُردُّ روايته؟ بل ولا ينبغي أن يُقابل كلام مثل البخاري بمثل كلام مسلم أو صنيعه -فضلا عن كلام ابن حجر وبينهما عدّة قرون- ! فإن ابن حجر نفسه إنما هدفه أو غايته أن يكشف عن منهج البخاري في هذه المسألة أو تلك، لا أن يَردّ عليه، أو يُتخذ كلامه دليلا ليُردَّ به على البخاري ومَن في طبقته.

وفي نهاية المناقشة في هذا الموضع من السلسلة قال الشيخ:”.. وأما إعلال الدكتور أحمد محمد نور-في تعليقه على (التاريخ) للحديث بأيوب بن خالد وقوله: فيه لين-: فإنما هو تقليد منه لابن حجر في تليينه إياه في (التقريب) وليس بشيء، فإنه لم يُضعِّفه أحد سوى الأزدي، وهو نفسه لين عند المحدثين، فتنبه”!

هنا يردّ الشيخ تليين ابن حجر، ويرمي الدكتور سيف المحقق لتاريخ ابن معين بتقليد ابن حجر، وقبله بأسطر يحتج بكلام ابن حجر نفسه في توثيق إسماعيل بن أمية، ليردّ على إعلال ابن المديني للحديث !

*****

ثم إن الشيخ رحمه الله اقتصر على ما في التقريب (1/114)، ولم ينقل ما في التهذيب، ففيه قال ابن حجر (1/401):” وذكره ابن حبان في الثقات..وقال الأزدي-في ترجمة إسحاق بن مالك التنيسي بعد أن روى من طريق هذا حديثا عن جابر-: أيوب بن خالد ليس حديثه بذاك، تكلم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى بن سعيد ونظراؤه لا يكتبون حديثه”. ولئن قبلنا تشكيك الشيخ في أهلية الأزدي لتجريح الرواة فهل نشكِّك أيضا في نقله؟ حين ذكر أن “يحي بن سعيد ونظراءه لا يكتبون حديثه” فقول الشيخ:-“لم يضعفه أحد سوى الأزدي”-بما يوحي اقتصار الحافظ ابن حجر عليه فقط-ليس دقيقا !

وحتى هذه العبارة من الألباني رحمه الله تُقال عادة فيمن وثّقه جماعة، وانفرد أحدهم بتضعيفه، والأمر ليس كذلك مع خالد هذا، فلم ينصّ على توثيقه أحد، وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات، وقد ذكر الألباني نفسه تساهل ابن حبان في التوثيق أكثر من مرة في السلسلة، ومن ذلك قوله عنه- في ترجمة أحد الرواة(2/60)- :” وهو متساهل في التوثيق معروف بذلك، ولذلك لا يعتمده المحققون من العلماء…”

وقال في إرواء الغليل(2/243):” وقد ذكرنا مراراً أن ابن حبان متساهل فى التوثيق فلا يعتمد عليه، لاسيما إذا عارضه غيره من الأئمة..”

وقد يقال-في التأصيل وبعيدا عن الحجاج-: إنّ أيوب بن خالد من المُقلّين في الرواية، فها هو المزي في تهذيب الكمال (1/469،470) يقول:” روى له مسلم والنسائي حديثا واحدا..”-هو حديث التربة- ثم قال في الصفحة الموالية:”..وروى له الترمذي حديثين آخرين”. وهو ممن يُطلق عليه وصف الشيوخ الثقات، الذين تُحتمل أحاديثهم في الفضائل، ولا يحتملون في الأحكام، لكن بشرط ألا يُؤثَر عنهم جرح ولا تعديل، فإذا رووا حديثا في الفضائل احتُمل لهم، ووُثِّقوا به ! هذه هي الحيثية التي بها أدرجه ابن حبان في الثقات.

لكن أيوب بن خالد قد لا ينطبق عليه هذا الوصف من عدة نواح: الأولى: أنه مختلف فيه من حيث كونه واحدا أو اثنين، قال المزي في التهذيب(3/469):” وفرّق أبو زرعة وأبو حاتم بين: أيوب بن خالد ابن أبي أيوب الأنصاري-يروي عن أبيه عن جده، ويروي عنه الوليد بن أبي الوليد-وبين: أيوب بن خالد بن صفوان، وجعلهما أبو سعيد ابن يونس واحدا”. وكذا البخاري جعلهما واحدا، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب(1/401).

الناحية الثانية: أنّه ورد فيه جرح، حتى مع رفض الشيخ الألباني له، لعدم اعتداده بالأزدي، لكن يبدو أن الحافظ ابن حجر لم يليّنه في التقريب إلا لهذا الاعتبار.

الناحية الثالثة: أن الحديث الذي رواه مسلم له يتعارض مضمونه-في الظاهر على الأقل- مع ما هو ثابت في القرآن الكريم، وإن جهِد البعض في رفع هذا التعارض بوجوه من التأويل لا تحوز اتفاقا.

وقد أختم بكلام للمعلمي اليماني رحمه الله، فقد أشار إشارات دقيقة إلى ما خلصت إليه للتوّ، بالرغم من أنه كان في سياق الدفاع عن حديث الإمام مسلم، في مقابل ادعاءات أبي رية المشهورة، لكنه كان فاهما لدقائق الصنعة، ولم يتجاهل كلام الأئمة المشار إليه، فقد نقل كلام البخاري:(وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح)”ثمّ عقّب عليه بالقول:” ومؤدي صنيعه-أي صنيع البخاري- أن يحدس (من الحدس، وهي إشارة منه للعلّة) أن أيوب أخطأ، وهذا الحدس مبنيّ على ثلاثة أمور: الأول: استنكار الخبر لما مرّ-أي من المخالفة- الثاني: أن أيوب ليس بالقوي، وهو مقلّ، لم يُخرج له مسلم إلا هذا الحديث، لما يُعلم من الجمع بين رجال الصحيحين، وتكلّم فيه الأزدي، ولم يُنقَل توثيقُه عن أحد من الأئمة، إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، وشرط ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف. الثالث: الرواية التي أشار إليها بقوله:- وقال بعضهم-وليته ذكر سندها ومتنها، فقد تكون ضعيفة في نفسها، وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين…”انظر: آثار الشيخ المعلمي اليماني: (12/262).

وفي موضع لاحق من آثار الشيخ المعلمي(12/466)- وفي سياق ردّه أيضا على أبي رية في سعيه للنيل من أبي هريرة بيّن له بأن الطعن ينبغي أن يطال أضعف مَن في السند، ليبقى الثقات والصحابة -كابن جريج وأبي هريرة- بمنأى عن أي اتهام، قال المعلمي رحمه الله:” ابن جُريج ثقة مأمون عند البخاري وغيره، إنما يُخشى تدليسه، وقد صرَّح هنا بالسماع، بقي النظر في غيره، نجد أنّ أيوب بن خالد وعبيد الله بن رافع لم يخرّج البخاري لواحد منهما شيئًا، وأن أيوب لم يوثِّقه أحد، وليس له في صحيح مسلم إلا هذا الخبر، وذِكْرُ ابنِ حبان له في الثقات ليس بتوثيق معتبر عند أهل العلم، لأن ابن حبان يذكر فيها(كذا) المجاهيل، ويذكر مَن وقف له على رواية غير منكرة عنده، وإن لم يَخبُر سائر مروياته، وقال الأزدي: ليس حديثه بذاك، تكلم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى بن سعيد ونظراؤه لا يكتبون حديثه…” ويُلاحظ بأن المعلمي لم ينتقد الأزدي كما فعل الشيخ الألباني، لأن أيوب بن خالد لم يوثقه أحد من الأئمة، ولو حدث هذا الأمر لاحتُمل أن يُذكر في الأزدي ما ذكره الشيخ، لأنه في مقابل توثيق معتبر.

ولعل القارئ يلاحظ أن المعلمي في هذا الموضع كان أكثر حسما في مسألة الراوي أيوب، لأن الدفاع عنه-على اعتبار تخريج مسلم له-يعيد المعركة مع أبي رية إلى ابن جريج وأبي هريرة ! وهو ما حرص جاهدا أن يُبعد أبارية عنه.

ثم خلص المعلمي إلى المسألة الأخيرة فقال:” والبخاريّ ذَكَر الخبر في ترجمة أيوب هذا من “تاريخه” … قال: وروى إسماعيل بن أميَّة عن أيوب بن خالد الأنصاري عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خلق الله التربةَ يوم السبت”. وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح.ثم عقّب بالقول:” وعادةُ مؤرِّخي الرجال أن يذكروا في ترجمة الرجل ما يُنتقد عليه من الأحاديث، فثبت أن البخاريَّ يَحمل الخطأ في هذا الحديث على أيوب بن خالد…”

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

واقــــــــــع تعـــــدد الآراء بين اجتهــــاد الحكماء وفقــــه الفقهاء

الشيخ محمد مكركب أبران/ إشكالية هذا المقال هي: استفحال الخلاف والاختلاف بين المؤمنين، وكثير منهم …