الرئيسية | قضايا و آراء | دراسات تحليلية لأحداث السيرة النبوية تطور مناهج الكتابة في السيرة النبوية (1)/ خير الدين هني

دراسات تحليلية لأحداث السيرة النبوية تطور مناهج الكتابة في السيرة النبوية (1)/ خير الدين هني

السيرة وجلال قدرها:

السيرة النبوية لها قدر جليل وعظيم في تاريخ الأمة الإسلامية، فلقد أولوها أهمية بالغة في حياتهم وكتابتهم وأشعارهم وتدويناتهم، لما تحمله من عظيم المهابة والقدر والجلال، لأنها ترتبط بحياة نبي رسول مجتبى ختمت به رسائل النبوة، ولقد كان يتلقى التعاليم الهادية من السماء، لهداية النَّاس وإرشادهم إلى سبل النجاة من مراتع البغي والضلال..وهي لذلك تمثل الكل الذي لا يتجزأ فيما يفيد الحياة الإنسانية التي رسم الوحي معالمها الخالدة. وهي تحتل مساحة واسعة وبارزة في التشريع والتفسير والحديث والفقه والبلاغة والتاريخ والتخطيط، والتنظيم والاستشراف والمغازي والبعوث والسرايا، وأخلاقه وشمائله، وعلاقاته بأهله وأصحابه وأعدائه…ولا يوجد رسول ولا نبي ولا أي عظيم من البشر سجلت تفاصيل حياته ودقائق أخباره كما وقع مع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.

الاهتمام بكتابة السيرة النبوية:

ولما كان للسيرة النبوية صلة بخبر السماء والنبوة والرسالة، وبالأحداث الكبرى من المغازي والفتوح التي غيرت مجرى التاريخ الإنساني، فقد تناولها بالكتابة جمع كبير من علماء المسلمين ومتشككة المجوس والثنوية والمانوية والزرادشتيين والمستشرقين والمبشرين المؤمنين منهم والملاحدة..كل فريق كتب فيها من زاوية ما يؤمن به، وقد بدأ الاشتغال بها منذ عصر جيل الصحابة إذ كانوا يروون تفاصيل وقائعها وأحداثها على أبنائهم، وكانوا يوصونهم بضرورة حفظ وقائعها وأحداثها ونقلها إلى أبنائهم من بعدهم من غير تفريط، لأنهم كانوا يعتبرونها من التبريكات المقدسة في عقيدة الإسلام مما لا يجوز نسيانه أو التهاون فيه. وكانت الرواية الشفوية للسيرة غير منتظمة عبر تسلسل وقائعها التاريخي، وإنما كانوا يسردون منها جوانب كانت تدعو إليها حاجة الحديث أو الذكرى، أو ما كان يقع من فتن بين المسلمين بسبب التنافس على الدنيا وتشريفات الحكم. ومن خلال هذه الدراسة سأتناول–بحول الله سبحانه- تطور مناهج الكتابة في السيرة النبوية، عبر تسلسل زمني، وسأوجز الدراسة على الكتاب المسلمين، وكيف نبتت عندهم فكرة تطور هذه المناهج وما اشتملت عليه من مضامين ومحتويات، عند المحدثين والمؤرخين والإخباريين وكتاب الدلائل والشمائل، وعن الدواعي التي أدت إلى هذا التطور..من غير أن نغفل مناهج أصحاب المدرسة الإصلاحية من الأدباء والمفكرين المعاصرين، وسنعرج في دراستنا أيضا على مناهج المستشرقين والمبشرين وتأثرهم الشديد بما كتبه نصارى العصر العباسي الأول ويهوده وزنادقته من المنويين والزرادشتيين المجوس، ممن كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وقد طعنوا في النبوة الخاتمة والقرآن وفي كل شيء ينتسب إلى الإسلام عقيدة وثقافة. كما سنوضح غرضهم من الكتابة في السيرة النبوية، وسنبرز في نهاية الدراسة نتائج البحوث المختلفة المناهج التي أدت إليها الكتابة في السيرة النبوية.

تاريخ تدوين السيرة النبوية:

حينما ندرس تاريخ التدوين للسيرة النبوية عبر مراحل التاريخ، نجد كتاب السيرة قد انتهجوا طرقا مختلفة في كتابتها وتدوين وقائعها، ومرد ذلك يعود إلى ظروف بيئاتهم وما طرأ عليها من تغيير في حركة التفكير والتأويل وضروب الثقافات الرائجة في أزمنتهم، وما كان يكتسح مجالس العلم والأدب والسياسة والمناظرة من فلسفات التشكيك والإلحاد والزندقة، المتسربة من الزراديشتية والثنوية والمانوية وهرطقيات اليهود والنصارى، مما كان له دور بارز في ظهور المدارس الفكرية للمعتزلة الذين أخذوا على عواتقهم الدفاع عن حياض الإسلام وعقيدة التوحيد، بما ظنوا أنه الأصوب في دحض شبهات المتشككة من الزنادقة والملاحدة، في المناظرات التي كانت تجري في مدارس البصرة والكوفة وبغداد، وفي مجالس الخلفاء العباسيين ممن كان يغلب على تفكيرهم النزعة العقلية والتأمل الفكري، ويؤمنون بنظريات الجدل العقلي التي اتسع نطاقها بشكل رهيب من أثر ترجمة فلسفات الإغريق وتزاحمات الفلسفات المادية..فكانوا يقدمون العقل على الاستدلال بالآثار وما صح من المنقولات…فكانوا ينزعون (أي: الخلفاء) نحو عقد مجالس المناظرات والمشاحنات بين المشاهير من المفكرين المسلمين والخصوم من متشككة الدين والجاحدين والدهريين.

خلافا لما اشتهر به الجدل في عصر الصحابة والتابعين والأمويين، حيث كانت الصبغة الغالبة على النظر لا تتجاوز ظاهر النصوص، لأن الصحابة والتابعين كانوا على مسافة قريبة من عصر النبوة، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الخوض في الجدل في الغيبيات بغير علم ولا كتاب منير، والخلفاء الأمويون كانوا غير متأثرين بالنظريات الفلسفية لقربهم من عصر النبوة وكذلك لانعدام حركة الترجمة، زيادة على أنهم كانوا منشغلين بالفتن الداخلية وفتوح البلدان…

كما أن دولتهم كانت تتسم بالطابع القومي للعرب، ولاسيما المضريون، وخلفاء بني أمية من قريش وقريش من مضر، فكان الحديث ينجذب نحو تاريخ العرب ونسبهم الشريف من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وكذا بأيامهم وأمجادهم ومآثرهم وأنسابهم وأشعارهم، وفضلهم على غيرهم، بعراقة أصلهم وشرف منبتهم وبلاغة لغتهم، وفضلهم على الناس باصطفاء نبيهم بالنبوة الخاتمة والقرآن الكريم ببلاغته وحسن تأليفه وتركيبه وإعجازه وسموه على كلام البشر، واحتقارهم للموالي والذميين من غير العرب وغمار الناس ممن انضووا تحت ركابهم. ما جعل الفرس الذين ينحدرون من إمبراطورية عظيمة ظلت دهورا طويلة شامخة سامقة تطاول الزمن، يحقدون على العرب الذين غلبوهم بقوة الإسلام وعزته، فشكلوا حركة ثقافية شعوبية (عنصرية)، تعاظموا فيها بآبائهم وأمجاد تاريخ الفرس وثقافته الضاربة في عمق التاريخ، وثلبوا على العرب وعددوا معايبهم في الجاهلية. وفعل مثلهم اليهود والنصارى خاصة الذين غلبوا في غزوة اليرموك، وكانت هذه الهزيمة مقدمة لسقوط الإمبراطورية الرومانية رمز قدسية النصارى في أوروبا التي كانت تحمل راية الصليب منذ أن اعتنق الإمبراطور قسطنطين الأول النصرانية، وأصدر مرسومه الشهير بالتسامح الديني سنة 313م. ثم مكن للنصرانية ولرجال الدين بتولي المناصب الرفيعة في الدولة، واتخذ يوم الأحد عطلة رسمية للدولة يوم 7 مارس 321م. لتعلق فيه الأنشطة الحكومية والإدارية والتجارية، والتفرغ لممارسة شعائر العبادة في الكنائس المعدة لذلك.

ومنذ هذا التاريخ أخذ القساوسة والرهبان يكيدون للإسلام والقرآن والمسلمين ونبي الإسلام، بالسب والشتم والكذب والبهتان، وعنهم أخذ المستشرقون ثقافة الحقد والكراهية والتزوير والتزييف لحقائق التاريخ الإسلامي الناصعة. واليوم أخذ السياسيون الإنجيليون واليمين المتطرف من مصادر الثقافة الحاقدة لأسلافهم اللاهوتيين، الذين زوروا حقائق التوحيد في المؤتمر المسكوني بنيقية سنة 325م، ما شحنوا به عواطفهم المعادية للإسلام والمسلمين ومصادرهم الدينية والتاريخية، والتضييق عليهم ومنعهم من امتلاك أسباب القوة والمنعة، بالتحكم في قلب الذرة والتكنولوجيا العسكرية والمدنية المعقدة، وإثارة القلاقل والفتن بينهم لكسر شوكتهم وإضعاف قوتهم ونجاعة اقتصادياتهم، لأن النصرانية كانت ديانة موحدة قبل مؤتمر نيقية 325م. وفي هذا المؤتمر أخلطوا ديانة التوحيد بوثنيات الرومان، فابتدعوا فكرة الإله الثالوث، وقد ازداد حقدهم وكراهيتهم للإسلام ونبي الإسلام حينما شنع القرآن الكريم بهذا التثليث في قوله تعالى:{ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ…}[المائدة:73]… فقال قسيسيهم وعلماء اللاهوت عندهم: إن نبي الإسلام حرف تعاليم النصرانية متعمدا، لأنه بشر لم يستطع إدراك حقيقة الطبيعة الناسوتية واللاهوتية التي حلت في ثلاثة أقانيم متمايزة ومتساوية في الجوهر. (الأب والابن والروح القدس) فاختلط الناسوت (طبيعة بشرية) باللاهوت (طبيعة إلهية)، فتشكل إله ثالوث قدوس البنية والطبيعة.

وكان الجدل قد أخذ منحى متعصبا للجنس والقوم في مبتدأ أمره في الدولة الأموية، ثم اتخذ مسلكا دينيا وفلسفيا، فأخذ الشعوبيون واليهود والنصارى يزرعون الشك بين المسلمين حول حقيقة وجود الله وصحة انتساب القرآن إليه سبحانه وكذا في حقيقة النبوة الخاتمة في بداية نشأة الدولة العباسية، أما عباسيو ما بعد هارون الرشيد، فكانوا أصحاب نزوع فلسفي، لتأثرهم بالحركة الواسعة لترجمة علوم المنطق والطب والفلسفة..ولأن أحسابهم من جهة أمهاتهم كان فارسيا، ولأن الفرس هم من مدهم بالعون والمدد لإسقاط خصومهم الأمويين..لذلك ولوهم المناصب الرفيعة في الدولة وقربوهم من مجالسهم، وكان على رأسهم البرامكة الذين سيطروا على مفاصل الدولة ومواردها المالية، فخلعوا على بني قومهم العطايا وأقطعوهم الضياع وجعلوهم مشرفين على الثغور، ومنحوهم مساحات كبرى من الحرية للخوض في الجدل العقلي في المناظرات التي كانت تنظم في المجالس بين علماء المسلمين والمخالفين لهم في العقائد والثقافات.

وهنا برز المتكلمون كأصحاب منهج عقلي، تصدوا لمناكفة تيارات الزندقة التي طغت على أيام الناس في الحواضر الإسلامية. فقد انتهجوا سبل الاستدلال على إثبات وجود الباري سبحانه وصدق النبوة الخاتمة وإعجاز القرآن الكريم، من طريق التأويل والتأمل والحجاج والجدل والمناظرة، وقد دافعوا عن الله والعترة النبوية والقرآن الكريم دفاعا مستميتا، وأفحموا خصومهم في مجالس كثيرة..غير أن إسرافهم الشديد في تأويل الصفات، وجدلية أزلية المادة وفنائها وحقيقة القدم والحدوث والمنزلة بين المنزلتين ولذة الخلدين والرؤية السعيدة، عبر منهج فكري حددوه في خمسة أصول، جعلهم يبتعدون عن الظاهر في تفسير مقاصد النصوص، وجعل علماء أهل السنة يشنعون بهم، ويصفونهم بأنكى الأوصاف وأقبحها، وينسون بعض أفضالهم في كسر شوكة المتعصبين من شعوبيي النصارى واليهود والمجوس.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …