الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | الصمت في موضعه حكمة/ محمد الصالح الصديق

الصمت في موضعه حكمة/ محمد الصالح الصديق

كنا في مجلس بولاية تيزي وزو نتجاذب أطراف الحديث حول قضايا أدبية وعلمية وسياسية، وكان ممن ضمهم المجلس إمام بإحدى قرى جرجرة الشامخة، التزم الصمت ولم ينبس ببنت شفة طوال هذه الجلسة، فقلت له: تَحَدَّثَ كل زملائك، كل فيما عناه وأهمه، أما أنت فظللت صامتا، هل هذا لعدم اهتمامك بالموضوعات المطروقة أم رغبة منك في التتبع والاستفادة؟ أم لغيابك عنا فكريا ولست حاضرا إلا بجسمك؟

فأطرق الرجل إطراقة خفيفة، ثم قال وإشراقة البسمة تتهلل على وجهه:

غير معقول أن يغيب عقلي عن هذه الدرر واللآلئ التي كانت تنثر، في هذا المجلس العلمي الموقر، وإنما تعلمت في صغري هذا الحديث النبوي:”رحم الله امرءا قال فغنم، أو سكت فسلم”( في الجامع الصحيح بمعناه من حديث أبي أمامة).

ومن هنا فإني أحرص ما أمكن أن لا أقول إلا ما فيه فائدة وأن ألزم الصمت في غير ذلك.

فقلت له: نعمت السريرة هذه وأنت بها لاشك غانم أو سالم.

فالتفت إلي أحدهم وقال: لو علم الناس بهذا الحديث لقل الكلام إذن؟ فقلت له: إن أكثر الحديث في الواقع هراء وثرثرة، لا يعتبر، ولا يكشف، ولا يؤيد، ولا يوضح، إنما هو لغو باطل، فما دام المرء لا يحاسب على ما يقول يطلق لسانه بلا قيد، وبلا وجهة، ولا إصابة، ولهذا قيل “لا تبع هيبة السكوت بالرخيص من الكلام”.

والوقت غال نفيس، فالواجب استغلاله فيما يفيد عاجلا أو آجلا.

وقد روي عن سيدنا عيسى عليه السلام أنه قال: كل كلام ليس بذكر الله تعالى فهو لغو، وكل سكوت ليس بتفكر فهو غفلة، وكل نظرة ليست بعبرة فهو لهو، فطوبى لمن كان تكلمه ذكرا، وسكوته افتكارا ونظره اعتبارا”.

وكلام المرء دليله، وكاشف ما في ضميره، ومعيار لشخصيته، فالإنسان ما دام ساكتا، يُرى جسمه وشكله فقط، ولكنه إذا نطق وتحدث، رفع الستار عن حقيقته ورآه الناس إنسانا في مستوى آدميته، أو رآه بهيمة في شكل إنسان، ولذا كان سقراط إذا رأى شخصا صامتا قال له: تحدث لأراك، فكان الإنسان لا يرى إلا عبر نطقه وحديثه.

ومن هنا فالعاقل من إذا تكلم استهدف الصواب، وحرص على أن يكون نطقه حكمة، وصمته روية وتفكيرا.

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الله عند لسان كل عاقل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول“(نقله السيوطي ونسبه أبي نعيم في الحلية عن ابن عمر).

وكتب الأدب والتاريخ زاخرة بقصص وأخبار وشعر في تمجيد الصمت في محله، والكلام إذا دعاه داع، وفي هذا المجال يقول أحد الشعراء:

انطقْ مصيبا بخير لا تكن هذرا    عيّابة ناطقا بالفحش والرّيب

وكن رزينا طويلَ الصمت ذا فكر    فإن نطقتَ فلا تكثر من الخطب

ولا تجب سائلا من غير تروية    وبالذي عنه لم تُسأل فلا تجب

وقال الإمام الشافعي -رضي الله عنه- لصاحبه الربيع:” يا ربيع، لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها”.

وأعرف شخصا فقد طعم النوم ليالي عديدة لكلمة تفلتت من لسانه دون أن يقرأ لها الحساب، فكانت مثار قلقه وشقائه.

وقد أنشدوا في هذا الباب فنعم ما أنشدوا:

أحفظ لسانك أيها الإنسان   لا يلدغنّك إنه ثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه   كانت تهاب لقاءه الشجعان

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكتابة وضوح وبيان

بقلم: محمد الصالح الصديق   جاءتني كاتبة بكتاب أنجزته وأعدته للطبع، وقالت أنها تريد أن …