الرئيسية | قضايا و آراء | ضباب في التربية!/ علي حليتيم

ضباب في التربية!/ علي حليتيم

‏‫في رواية عائد إلى حيفا للروائي الفلسطيني غسان كنفاني الذي قتله الموساد الإسرائيلي يحكي لنا الكاتب قصة زوجين فلسطينيين ‏عادا إلى حيفا المحتلة التي تركا فيها ولدهما منذ عشرين سنة حين أجبرهما الاحتلال اليهودي المفاجئ للمدينة على سلوك طريق الميناء ومن ثمّ ركوب السفينة دون أن يعطيهم الفرصة لأخذ ولدهما خلدون الذي تركاه في البيت، لأن الميليشيا اليهودية قطعت على الأهالي طريق العودة إلى بيوتهم ودفعت بهم نحو الميناء ومنه إلى الشتات.

فلما سُمح للفلسطينيين بزيارة حيفا رجعا بعد عشرين سنة يبحثان عنه وقصدا إلى بيتهما الذي تركا، مضطرين ولدهما فيه وهو لا يزال رضيعا، فأخبرتهما اليهودية مالكة البيت بعدهما إنهّا وجدت رضيعا فيه وربته وهو ولدها واسمه ديف. ‏وعندما قال الأب الفلسطيني لتلك المرأة اليهودية أن هذا ابنه وفهمت أنه يريد استرجاعه قالت له دعونا نتركه يختار هو بنفسه فقبل واعترف بأن هذا اقتراح عادل. وجاء ذلك الشاب وتفاجأ الزوجان الفلسطينيان أنه يلبس بذلة عسكرية ودخل البيت وهو ينادي على أمه اليهودية:”ماما ماما!” فقالت له تعال إلى الصالون فهنا أشخاص يريدون أن يروك وأخبره الفلسطيني بأنه هو أبوه فقال له ديف (خلدون):

– لماذا جئت الآن؟ أنا لا أشعر بأي شعور خاص تجاهكما، لقد أخبرتني أمي ‏أن أصلي عربي منذ سنوات قليلة لكن هذا لا يغير في الموضوع شيئا، لأن الإنسان هو القضية التي يحملها وأنا جندي يهودي وإذا قامت حرب بيننا وبينكم فسوف تكون فرصة لي لأظهر من أنا!.

هذه القصة تلخص بالضبط الحالة التربوية في البلدان العربية في ظلّ مشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث تريد الولايات المتحدة أن تغير هويات الشعوب العربية عن طريق فرض مناهج جديدة في التربية لتخرج أجيالاً جديدة لا تعرف الإسلام ولا تتمسك باللغة ولا تعرف التاريخ ولا تشعر بالانتماء إلى الأمة.

إنّ التربية هي الوسيلة التي تقول بها الشعوب من هي وتنقل إلى الأجيال المقبلة هذه الهوية التي تؤمن بها، وهي الوسيلة التي تطور بها هذه الهوية كذلك.

قليلة ‏هي الميادين التي تسبق التربية أهمية عند الأمم ولذلك كانت التربية هي مسرح الصراعات والقلق والجدال ودراسات الخبراء.

‏هذه المقدمة تكفي وحدها لكي نضع النقاش حول التربية في موضعه الصحيح وهو أنّ الخلاف في التربية أو حول التربية في الجزائر والعالم العربي ينحصر في الجوانب القيمية في التربية، أما الجوانب التقنية العلمية فهذه لا هوية لها ولا دين لها ولا لغة لها ولا وطن لها وهي مطلب لجميع الأمم وجميع مدارس التربية وجميع الخبراء ‏وجميع الشعوب ‏والآباء والأبناء على السواء(نحن مضطرون في الحالة الجزائرية أن نستبعد النقاش الدائر في بعض الأوساط التربوية حول علاقة التكنولوجيا بالقيم لأننا نعيش في بيئة لا تحتمل مثل هذا النقاش، بل يصل الحد ببعض مثقفيها ألا يروا علاقة بين اللغة والهوية ولا يَرَوْن علاقة بين التاريخ والهوية!!).

‏فإذا قسّمنا التربية هذا التقسيم ‏فلابد أن ننبه أن الخبراء هم الذين يتولون الجانب العلمي التقني في التربية ويبقى جانب الهوية الدينية الثقافية القيمية في التربية، فنطرح السؤال من يقرر هذا الجانب الهوياتي في التربية: هل هي الوزارة أو الخبراء أو الشعب أو الحكومة أو الآباء الذين لهم الحق أن يقرروا أو يتدخلوا في ما سيكون عليه أبناؤهم. ولكن في كل الأحوال لا يمكن أن نسند موضوع التربية لمن يريد بالضبط أن يغير هذه الهوية ويفرض على الجزائريين لغة غير لغتهم ويطمس من البرامج كل ما يشير إلى دينهم وتاريخهم وخصوصياتهم!

‏وهذا التقسيم يؤدي بنا إلى التنبيه على الأغلوطة الكبيرة التي يطرحها كثير من العلمانيين حين يتحدثون عن موضوع التربية في الجزائر؛ ‏ذلك أنهم يطرحون التربية الإسلامية في مقابل العلم جهلا منهم أن التربية على القيم لا علاقة لها بالعلوم والتقنية. ‏العلم لا خطاب له والعلم لا يتحدث عن القيم ولا يبحث فيها من حيث هي، لأن القيمة ليست موضوعا له ولأنه لا يملك أية وسيلة ليتحدث فيها عن القيم.

‏والغرب الذي يصر على التدخل في شؤوننا التربوية يمنع عنا العلوم والتقنية ويعد ذلك تجسسا وتهديدا لتفوقه العلمي والتقني لكنه بالمقابل يريد أن يفرض علينا قيمه ورؤاه للعالم ‏التي لا علاقة لها بالعلم من حيث هو علم ويسمي ذلك إصلاحا.

والدارسون يعلمون أن كل مناهج العالم مشحونة بالهوية والثقافة، وحتى العلمانيون اليهود الذين يريدون أن يبعدوا الدين عن الحياة العامة في إسرائيل لا يعارضون تدريس العهد القديم من جهة احتوائه على التاريخ وعناصر الهوية الإسرائيلية. والغرب الذي تخلى عن الدين في تعليمه ومناهجه قد عوضه بهوية أخرى تدور حول الرجل الأبيض ذو الثقافة اليهودية المسيحية المعادي لغيره من الشعوب والمسلمين منهم بخاصة (ويكفي للتدليل على ذلك أن تقرأ ما يكتبه المسؤولون الفرنسيون عن التهديد الإسلامي للهوية الفرنسية الذي يمثله الشباب من أبناء المهاجرين لتدرك البون الهائل بين رؤيتهم ورؤية مسؤولينا لموضوع الهوية).

والأغلوطة الثانية هي إيهامهم الناس أن الذين يطلبون بالتربية الإسلامية يريدون أن يقصروا التعليم عليها وفقط وهي نظرة تشويهية تؤكد أن الخلافات حول المناهج التربوية تدخل في دائرة الصراع الإيديولوجي ‏أكثر من دخولها في إطار خلافات الخبراء، ‏لأن الذين ينادون بالتربية الإسلامية يريدون أن يخرجوا تلميذا متفوقا في كل العلوم والمعارف متخصصا في ميدان من ميادين الحياة متشبع بثقافة الأمة وتاريخها ودينها ويحمل روحها ونظرتها إلى المستقبل كي يخدمها هي لا غيرها ‏وحتى يساهم في صنع مستقبلها هي، فالتربية ‏هي ‏فن صنع المستقبل في نهاية المطاف والرؤية الإسلامية القائمة على التوحيد والتزكية والعمران متضمنة لهذا.

والمفارقة التي نعيشها هي غياب (أو تغييب) رؤية واضحة في موضوع التربية وتغييب أي نقاش حقيقي وتغييب ‏أي ديمقراطية حول الموضوع بمعنى حرية الرأي بحرية الاختلاف والأخذ باتجاه هاته الأغلبية من المواطنين ولولا الفيس بوك وشبكات التواصل الاجتماعي لما كان هناك أي نقاش ولولا الشبكة ‏لما اضطر القائمون على التربية إلى الرد على اعتراضات المواطنين.

‏نحن نعيش في ظرف خاص حيث أن القرارات والاختيارات تؤخذ من الأيديولوجيا بعيدا عن ظروف وعن الأهداف المعلنة وعن التقييم الذي هو خاصية هذا العصر.

لقد قامت برامج ما يسمى الجيل الثاني بتحطيم مرعب وممنهج لكل أسس التربية ظهرت آثاره سريعا في النتائج الوخيمة والخراب الذي نعيشه في مدرستنا اليوم والذي لا يمكن السكوت عليه أكثر من هذا!

ماذا بقي من المدرسة الجزائرية بعد تحطيم مكانة المعلم الذي يقبع في ذيل السلم الاجتماعي بدل أن يعامل كخبير وتكون مكانته الاجتماعية مطلبا للشباب المتخرج من الجامعات كما يحدث في فنلندا مثلا، وماذا يبقى من المدرسة حين تدير ظهرها لمطالب المجتمع الذي هو الشريك الأكبر في العملية التربوية كما تدرك ذلك كل الدول التي تعرف معنى التربية، وماذا يبقى من التربية حين يغيب التقييم الدائم والاعتراف بالفشل ويستعاض بدل ذلك بتصريحات مؤدلجة حول نجاحات وهمية دونكيشوتية تكذبها ترتيباتنا في ذيل القوائم في كل التصنيفات التربوية، وماذا يبقى من المدرسة حين يغيب عن التخطيط والهدف الأسمى الذي هو الطفل: نموه وتعلمه وإسعاده ويستجاب بدلا من ذلك لأهداف الاستعمار: لغته وثقافته؟!

إن أضعف الإيمان لمن يُؤْمِن بهذا الوطن أن يتدخل المسؤولون لوقف هذا الخراب الممنهج وهذا العبث الخطير بمستقبل وطن لم يضح الملايين الذي ضحوا من أجل أن يصبح بعد عقود من الاستقلال تابعا لفرنسا في كل شيء حتى في شؤونه التربوية!.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فلسطيــــــن محـــــور الصـــــراع

أ. محمد الحسن أكيلال/ الولايات المتحدة مصرة على الهيمنة رغم كل ما لحق بالولايات المتحدة …