الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ /أ. محمد الصالح الصديق

اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ /أ. محمد الصالح الصديق

الإسلام لا يرضى لأهله السلية والانعزال. بل يتطلب منهم الحركة والنشاط، ويدعوهم إلى النزول إلى الميدان للانفعال مع الحياة، والتجاوب مع الأحداث، والمساهمة في دفع عجلة التاريخ إلى الأمام…

فالذي يعيش على هامش الحياة، ولا ينزل إلى الميدان ليعطي ويأخذ، ويفيد ويستفيد، ويعين ويستعين، ويسهر ويعرق في سبيل بناء الحياة ليس مؤمنا صادقا، ولا مسلما صحيحا، وإن صام وصلى وحج وزكى…

فالمسلم عضو في الجماعة البشرية، ولكن عضويته لا تكتمل إلا بدفع ضريبة للمجتمع الذي هو فيه على حسب طاقته وقدرته، فإن لم يدفعها كان عالة على مجتمعه، وعضوا مشلولا لا يزيد به المجتمع إلا عددا، ومن ثم فموته خير من حياته، فالشجرة العقيمة أجدر بها أن تكون وقودا للنار. والسنة النبوية الشريفة تحدد مكانة المسلم في المجتمع وعضويته فيه. قال صلى الله عليه وسلم: “على كل مسلم صدقة، قالوا: فإن لم يجد يا رسول الله؟ قال: يعمل ويتصدق، قالوا فإن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا: فإن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قالوا وإن لم يستطع: قال: يمسك عن الشر فإن إمساكه عن الشر صدقة”.

 أرأيت كيف يعتبر مشروع الإسلام عضوية المؤمن بعمل يقدمه إلى مجتمعه، وببرهان يبرهن به عن وجوده؟ فإذا لم يستطع أن يساهم في نفعه وخيره، ولا أقل من أن يمسك عن الشر؟

والعمل الصالح البناء لابد أن تظهر -يوما- نتائجه وثماره، ويكون له مفعوله وأثره، فيقدره الله ويثيب عليه أجزل الثواب، ويقدره المؤمنون ويحاسبون أهله عليه، فلا ينبغي للعاقل أن يثبطه عن العمل الصالح تجاهل الناس له، وتنكرهم لعملهن وضنهم عليهم بكلمة شكر، وتشجيع أو اعتراف وإنصاف حسبه أن يعلم أنه بعمله عضو حي في المجتمع، ومتعبد لله تعالى، ومطبق لتعاليم الإسلام، ومصدر رخاء وازدهار لبني جنسه، وإن الله تعالى مظهر لعمله يوما طال الزمان أو قصر، قال صلى الله عليه وسلم: “لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله تعالى عمله للناس كائنا ما كان” وهذا ما تقرره الآية الكريمة،  {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:105].

إن المحور الرئيسي الذي تدور عليه دواليب الحياة هو )العمل( ولا شيء غير العمل، ولكن لا للمنفعة الذاتية فحسب، فهذا قدر مشترك بين الناس والحيوان، بل العمل ابتغاء مرضات الله، ومرضاة الناس، ومرضاة خير الجماعة وخير الإنسانية، وعلى هذا الأساس يكون التقدير…

وإذا كان العمل شرف للإنسان، يؤكد حريته، ويثبت استقلاله، ويحقق وجوده ويستغل طاقته، فإنه أيضا الطريق إلى ظهور المرء على حقيقته، فمجال الاحتكاك والتعامل هو المعيار الحق الذي يعرف به الرجال.

عن المحرر

شاهد أيضاً

محاولات ماكرة لردنا عن ديننا/ محمد الصالح الصديق

حدثني مهندس من البليدة مقيم بفرنسا منذ عشرين سنة، فقال: التقيت فرنسيا عند أحد الأصدقاء، …