الرئيسية | في رحاب الشريعة | .. وهلّت نفحات موسم الحج/ د. إبراهيم نويري

.. وهلّت نفحات موسم الحج/ د. إبراهيم نويري

ربما لا يعلم كثيرٌ من المسلمين في المشارق والمغارب، بأن موسم الحج إلى بيت الله العتيق موصولٌ بركن عظيم من أركان الإسلام، ألا وهو صوم شهر رمضان؛ فما أن ينقضي شهر الصوم والقرآن والتقوى، حتى تهلّ أشهر الحج وينطلق موسم الحج لتبدأ عبادة أخرى عظيمة متمثلة في ركن جليل، لكنه يختلف عن ركن صوم رمضان، من جهة كونه لا يُتاح إلاّ لعدد محدود من المسلمين.

صحيح أن المسلمين جميعاً يتشوقون ويتلهفون ويتطلعون بكلّ أحاسيسهم ومشاعرهم لأداء ركن الحج، بيد أن أداءه لا يكون متاحاً بالفعل إلا لمن توافرت لديه الاستطاعة البدنية والمالية، وحظي بظهور اسمه ضمن قوائم السعداء من أهل الإيمان ممن تلقفت يد القرعة أوراقهم من الباقول الزُّجاجي الشفاف.

ويستمدّ الحجّ ألقه من ذلكم النداء المنير الذي خوطب به خليل الرحمن وأبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وأخبرنا الله تعالى به في قوله عزّ وجلّ:{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق}[الحج: 26/27].

ثمّ إن الحج وإنْ كان ركنا من أركان الإسلام، إلا أن له خصوصياتٍ وحِكَماً كثيرةً، الراجح أنها لا تُدرك على الوجه الأكمل بغيره. يقول الشيخ  الإمام محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله:” الحجّ في الإسلام ركن من أركانه التي بُني عليها، يشاركها في الركنية والروح والمعنى العام للتعبّد، ويزيد عليها بمعان اجتماعية حكيمة: من السير في الأرض والاطلاع على الأحوال والاستزادة من العلم، والاختبار لأحوال الأمم، والتعارف بين الإخوة المتباعدين في المواطن، فهو مؤتمر اجتماعي للمسلمين، تحصّن بالفرضية المحتمة ليضمن له البقاء والاستمرار، واختار الله له من الأماكن تلك الصحراء الطاهرة بلعاب الشمس، المصهورة بحرارتها، المهيئة لرسالة التوحيد بدءاً وختاماً لتذكير المسلمين بالفطرة التي هي من خصائص دينهم”[البصائر، ج2، ص57] .

إن نفحات موسم الحج تشدّ أبناء الأمة الإسلامية جميعاً مهما تناءتْ ديارهم ومهما تباعدتْ مواطن إقاماتهم، وتُلفت انتباههم وتوحّد مشاعرهم، وقد رأيتُ بعيني مدى ارتباط الناس في كلّ مكان بشاشات التلفاز، ومتابعتهم اليومية لقوافل الحجاج في رحاب البيت العتيق وفي المشاعر المقدسة، لاسيما يوم الحج الأكبر يوم الوقوف بعرفة وأيام رمي الجمرات، إنها مناظر خلابة بديعة من البياض الخالص، ذلكم اللون الذي يشير إلى الصفاء والنقاء والطهارة والاقتراب من منابع الفطرة التي فطرنا الله عليها..فما أروع تلك المناظر التي ترتوي منها الأرواح والقلوب، وما أجلّه من ركن يوحّد بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

ولقد أحسن وأجاد أمير شعراء الجزائر محمد العيد آل خليفة رحمه الله وصفَ تلك المشاعر الهابّة مع نفحات ونسمات موسم الحج فعبّر عنها بقوله :

الحجّ عنوان الإخاء مكبَّرا  **  الحجّ منهــــــاجُ الولاءِ قويمــــــا

الحجّ مدرسةُ التعارفِ شادها ** ربُّ الورى وأدارها تعليما

اللهُ بالإسلام ألّف بيننا  **    قِدماً ووحَّدَ أرضــــنا إقليماً

بالأمس كنا ظاهرين على العِدى ** ومرغِّمين أنوفهم ترغيماً

واليوم نسعى بعد فقد فخارنا ** أن نستعيـــــد فَخَارنا ونُديما

  • فالله تعالى نسأل أن يوحد بين المسلمين وأن يعينهم على استعادة هيبتهم ومكانتهم بين أمم المعمورة وشعوبها..فإنّ عزة الإسلام والإيمان تأبى على المسلمين أن تظلّ عللهم مزمنة معتّقة بمنازع الشحناء والاختلاف والاقتتال والتخلّف.

ولا غالب إلا الله.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …