الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | إن الله هو أفندينا/ محمد الصالح الصديق

إن الله هو أفندينا/ محمد الصالح الصديق

تستهدف الشرائع السمحة ترقية الأخلاق، وتقويم السلوك، وتأمين الخائف، وتخويف الظالم، والإسلام الحنيف خير دين جاء لهذه الغايات والأهداف، ودعا إلى بناء حياة كريمة عزيزة قوامها الشجاعة المعنوية والاعتداد بالنفس، والثبات على الحق، مهما كانت الظروف، والدواعي المغرية أو المخيفة، فمن الثبات على الحق والشجاعة الأدبية ما تعكسه هذه المقولة التي قالها زعيم الإنسانية الصادق صلى الله عليه وسلم حينما وقف وحده على ربوة الحياة:”يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه“.

ومن الثبات والشجاعة الأدبية أيضا ما ذكرته كتب التاريخ من أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى بيت الله الحرام، فلما دخل الحرم، قال: ائتوني برجل من الصحابة، فقيل: يا أمير المؤمنين قد ماتوا، قال: فمن التابعين، فأتى طاوس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم، ولم يكنه، وجلس إلى جانبه بغير إذنه، وقال كيف أنتم يا هشام؟ فغضب من ذلك غضبا شديدا حتى هم بقتله، فقيل له: يا أمير المؤمنين أنت في حرم الله، وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يكون ذلك فقال: ياطاوس ما حملك على ما صنعت؟ قال: وما صنعت؟ خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تسلم، ولم تدعني يا أمير المؤمنين، ولم تكنني، وجلست بإزائي بغير إذني، وقلت يا هشام كيف أنت؟ فقال أما خلع نعلي، فإني أخلعها بين يدي رب العزة في كل يوم خمس مرات، ولا يعاتبني ولا يغضب علي، وأما عدم تسليمي بيا أمير المؤمنين فليس كل مؤمن راضيا بإمرتك، فخفت أن أكون كاذبا، وأما قولك: لم تكنني لأن الله عز وجل سمى أنبياءه فقال: يا داود، ويا يحي، ويا عيسى وكنى أعداءه فقال: تبت يدا أبي لهب، وأما كوني بإزائك فقد جاء الأثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:” إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام”.

فرق قلب هشام لكلام طاوس، وقال له: عظني فقال له: جاء في الأثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:” إن في جهنم حيات وعقارب تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته”.

هكذا صدع طاوس بالحق أمام هشام دون أن يخشاه، لأنه مؤمن بحق، ولأنه يعلم أنه على حق، ويعلم أنه إذا عوتب، أو عوقب، أو عذب، كان ذلك من أجل الحق، ولأنه يوقن أن من نصر الله نصره.

ويحضرنا في هذا المضمار موقف خالد للعلامة الشيخ الشربيني أحد شيوخ الأزهر، وخلاصته أنه لما مات الإمام محمد عبده توجه ناظر الخاصة الخديوية إلى الشيخ طالبا منه ألا يشترك هو والعلماء في جنازة الإمام الذي كان على خلاف حاد مع الخديوي.

ألقى مبعوث الخديوي بهذه الرغبة السامية على شيخ الأزهر، فهز رأسه وسكت، واصطبر حتى شرب ضيفه قهوته، ثم التفت إلى الشيوخ الذين حوله وقال لهم: هيا بنا يا مشائخ فقد حان وقت الجنازة، وفهق ناظر الخاصة من هذه المفاجأة، فقال لشيخ الأزهر: ألم أبلغك رغبة أفندينا، فانتفض الشيخ العظيم قائما ولوح بيد عزيزة، وقال: إن الله وحده هو أفندينا.

تلك هي الشجاعة الأدبية في أبعد حدودها، تحول الإنسان إلى فيلق، لا يبالي بالعواقب، ما دام هو في جانب الحق، فما بالنا نحن اليوم فقراء منها، جبناء لا نملك القدرة على المواجهة في سبيل الحق؟.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكتابة وضوح وبيان

بقلم: محمد الصالح الصديق   جاءتني كاتبة بكتاب أنجزته وأعدته للطبع، وقالت أنها تريد أن …