الرئيسية | وراء الأحداث | هل أصبحت النصيحة طريقا إلى السجن في السعودية؟ !/ عبد الحميد عبدوس

هل أصبحت النصيحة طريقا إلى السجن في السعودية؟ !/ عبد الحميد عبدوس

مازالت موجة قمع الرأي وتكبيل حرية التعبير متواصلة بضراوة في المملكة العربية السعودية، وكأن شعار السلطات الحاكمة الموجه إلى المفكرين والدعاة والصحافيين في المرحلة الراهنة يقول:” لأمنكم وسلامتكم اربطوا ألسنتكم” .

لقد كان آخر ضحايا هذه الحملة المتواصلة من الاعتقالات لأصحاب الرأي الحر، الداعية السعودي المعروف، الدكتور عبد العزيز الفوزان، أستاذ الفقه المقارن في المعهد العالي للقضاء، وهو أحد أبرز المثقفين السعوديين، فقد ترأس قسم الدراسات الإسلامية في معهد العلوم الإسلامية والعربية بواشنطن، وعين أستاذا زائرا في كلية الحقوق بجامعة “هارفارد”، كما عين أستاذا زائرا في جامعة نينغشيا في الصين الشعبية.

في 16جويلية المنصرم (2018) نشر الدكتور عبد العزيز الفوزان تغريدة قال فيها:”مع هذه الحرب الشعواء على الدين والقيم، إياك أن تكون ظهيرا للمجرمين، أو يحملك حب المال والجاه على مداهنتهم وتزيين باطلهم، فتخسر الدنيا والآخرة”، وبعد نشر التغريدة رد مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قائلا:” إن أحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة دخل في نقاشات خلافية، وتدخّل فيما لا يعنيه بدعوى النصح في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أبعد ما يكون عن النصيحة الشرعية التي سار عليها سلفنا الصالح وعلماؤنا المحققون الأجلاء”. وأضاف” إن مثل هذه الطرق المخالفة التي سلكها هذا الأستاذ -هدانا الله وإياه- قد تُستغلّ من المنتمين للفئة الضالة والخوارج والموالين، والمنتسبين لتنظيم جماعة الإخوان وأشياعهم وأضرابهم، وغيرهم من أعداء الدين والدولة والوطن”.

كان هذا الرد مؤشرا على نية السلطات السعودية المضي في طريق عدم التسامح مع كل رأي معارض، ولو كان مجرد نصيحة تعتبر من واجبات ومن حقوق المسلم على ولاة الأمور.

يأتي اعتقال الفوزان، بعد قرابة أسبوعين من اعتقال الداعية الإسلامي الكبير  الشيخ سفر الحوالي بعد انتشار كتاب نُسب إليه يتضمن نصائح للعائلة الحاكمة وهيئة كبار العلماء المقربة من السلطة ـ حسب ما أكده ناشطون سعوديون ـ وقبل ذلك تم اعتقال الداعية والإعلامي المعروف الشيخ سلمان العودة في 10 سبتمبر2017  بسبب تغريدة كتبها على تويتر، وقال فيها:”ربنا لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك..اللهم ألّف بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم”.

وجاءت التغريدة بعد إعلان وكالتي الأنباء القطرية والسعودية يوم 8 سبتمبر2017، خبر اتصال هاتفي جرى بين أمير دولة قطر الشيخ  تميم وولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، من أجل بدء الحوار سعياً لحل الأزمة الخليجية، وبعد ساعات من الاتصال أعلنت السعودية عن تعطيل الحوار والتواصل مع قطر، ولكن سلمان العودة عبر عن أمل كل مسلم مخلص لدينه وأمته في الصلح بين الإخوة وعودة الوئام بين الأشقاء وبذل كل جهد لإصلاح ذات بينهم كما أمرنا بذلك ديننا الإسلامي الحنيف. وكانت هذه الرغبة مطية لاعتقال عدد من أشهر الدعاة وكبار المثقفين في المملكة العربية السعودية منهم على سبيل المثال: عوض القرني، علي العمري، عبد المحسن الأحمد، يوسف الأحمد، محمد موسى الشريف، إبراهيم الفارس، علي بادحدح.

في 12 سبتمبر2017،  قال بيان صادر عن الجهاز الأمني  السعودي، بأنّ الاعتقالات جاءت بسبب ما وصفه بـ”أطراف أجنبية”، حاولت ضرب “أمن المملكة ومصالحها، ومنهجيتها وقدراتها، وسلامها الاجتماعي، من أجل إثارة الفتنة والإضرار بالوحدة الوطنية، وقد تم تحييدها”.

في21 سبتمبر 2017، وفي حوار مع  وكالة “بلومبيرغ” الأمريكية، برر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير حملة الاعتقالات التي طالت  الدعاة وعلماء الإسلام بكونها “جاءت لإحباط خطة متطرفة كان هؤلاء الأشخاص يعملون على تنفيذها بعد تلقيهم تمويلات مالية من دول أجنبية”. وقال:” لا أحد يستطيع التغافل عن التطرف والإرهاب والتحريض، ونحن- أيضا- في المملكة نعمل على تطبيق هذا الفكر.. هؤلاء الأشخاص الذين تم إيقافهم في المملكة متهمون بالعمل على تنفيذ خطة متطرفة..لقد كانوا يحرضون الناس ونحن لا يمكن لنا تحمل ذلك”.

لقد علقت آمال كبيرة على  تعيين الأمير محمد بن سلمان في منصب ولي العهد للملكة العربية السعودية في جوان 2017، بسبب وعوده الإصلاحية وإعلانه إعادة المملكة إلى “الإسلام المعتدل”، وعزمه على محاربة الفساد، ولكن بعد ثلاثة أشهر فقط من تنصيبه وليا للعهد، شنت حملة الاعتقالات التي طالت أصحاب الرأي في السعودية، مما جعل صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية ترى:” أنّ السعودية، لطالما كانت، ويبدو أنّها لا تزال مصممة على البقاء، زنزانة لأولئك الذين ينشدون ممارسة حرية التعبير”.

أما الأمين العام لمنظمة العفو الدولية “امنستي”، فقد صرح بأن السعودية:” قلّصت بشدة حقوق حرية التعبير؛ إذ تضايق وتحتجز وتقاضي بانتظام كل من يتجرأ على طرح وجهة نظر مخالفة”.  وأضاف:” نحن نشهد حاليًا موجة متواصلة من الاعتقالات تستهدف صحفيين، ومنتقدين للحكومة، وعلماء دين. فجميع نشطاء المجتمع المدني البارزين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بما في ذلك العديد الذين جاهروا بمواقف مناهضة للفساد، يقبعون حاليًا خلف القضبان”.

ومن جهتها قالت مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة  “هيومن رايتس ووتش”:” إذا كانت السلطات السعودية تستطيع احتجاز معتقل لعدة أشهر دون أي اتهام، فمن الواضح أن النظام الجنائي السعودي ما زال معطلا وجائرا”. وأضافت:” يبدو أن الأمر يزداد سوءا، يبدو أن شعار رؤية السعودية 2030، الذي رفعه (ولي العهد السعودي) محمد بن سلمان، ينطبق أكثر على مدة الاعتقال بدون تهم مما يصف العام الذي سيتحقق فيه برنامجه الإصلاحي”.

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

العلامة الشهيد الشيخ العربي التبسي رجل العلم والوطنية الصادقة

أ. عبد الحميد عبدوس/ الشيخ العربي التبسي أحد أقطاب جمعية العلماء المسلمين ومن أعمدة الإصلاح …