الرئيسية | في رحاب الشريعة | الدراسة العصامية «بين قيمة العلوم… وورقة الدبلوم»/ محمد مكركب

الدراسة العصامية «بين قيمة العلوم… وورقة الدبلوم»/ محمد مكركب

قديما قيل: «العلم في الرَّاسْ وليس في الكراس»، وفي زمننا يقال: «العصامية جهاد يدوم، والقيمة في كسب العلوم، وليس في ورقة الدبلوم». وبقدر ما في الدعوة إلى العصامية في الدراسة ومواصلة البحث والتعلم والجهاد العلمي الذاتي المستمر، إلى آخر نقطة قوة تحصيل واستيعاب عند الإنسان، بقدر ما نقول كذلك للطلبة في المدارس والثانويات والجامعات النظامية كونوا القدوة في الجد والاجتهاد، في المنافسة وخوض غمار الامتحانات الرسمية، ونيل الدرجات العلمية العالية. غير أن كلامنا عن الدراسة العصامية، في هذا المقال الموسوم «بالعصامية بين قيمة العلوم وورقة الدبلوم». هو دعوة حق وحقيقة لأولئك الشباب الذين لم يحالفهم الحظ كما يقال لهم، في الدراسات الأكاديمية في المؤسسات الرسمية. ونقول لهم بمنطق السنن الكونية في التعلم، وبمنطق التجربة التي مر بها كثير من العلماء الكبار، والمكتشفين والمفكرين، والعباقرة الخالدين، نقول لهم إن الشاب الذي حرم وثيقة الشهادة العلمية من جامعة، لم يمت، ولم ينته مصير مستقبله بعدم حمله الدبلوم الورقي الذي لا يراه الناس، ويمكن بجهاده العصامي أن يكون ناجحا في واقع الناس، ومالكا للدبلوم الميداني الذي ينفع الناس، بجهاده العصامي في العلم الذي يعطيه الوقت والجد والاهتمام.
أولا: نقرر الحقيقة الأولى وهي: يمكن لأي إنسان أن يتعلم ويتفوق ويعتلي سلم العباقرة ولو لم يكن طالبا نظاميا، ويمكن أن يكسب حرفة أو صنعة، أو ينجح في مشروع بالغ العظمة دون أن يكون له دبلوم جامعي، ومستقبلا لا يحتاج الناس إلى الدبلومات الورقية، ولا إلى الحضور الإلزامي في المدرجات الثانوية والجامعية،عندما تتطور شبكات الإنترنت «القوقلية» وأخواتها. ويومئذ يفرح الدارسون العصاميون بنصر العلم الكوني والإنساني الطبيعيين، على طبيعتهما الحقة وعلى حريتهما الطبيعية.
ثانيا: الحقيقة الثانية وهي: طلب العلم فريضة من المهد إلى اللحد، وليس ذلك على الطالب النظامي وحده، ولا فقط على المحظوظ الدارس في أوروبا أو أمريكا، وإنما أرض الله عز وجل كلها طيبة وطهور وموطن صالح لأن تكون في أي قطعة منها أكبر أكاديمية علمية أو جامعة لعظماء العالم، وليس شرطا أن يكون الزهراوي أو ابن خلدون أو الغزالي أو إديسون أو إنشتاين، ولا الرازي، أو ابن رشد، ليس شرطا أن يكون درس في لندن، أو نيويورك، أو باريس.
ثم لماذا توقفت أنتَ أو أنتِ عن الدراسة بعد التخرج؟ أو بعد الزواج؟ أو بعد الوظيفة؟ إن القيم الإنسانية الحقة لا تنمو نموها الطبيعي الفطري، ولا تعطي ثمراتها الطيبة إلا في رياض العلوم والمعارف. إن الدراسة العصامية شأنها عظيم، ومقامها كريم، أن يتنقل الإنسان في كل الميادين المعرفية من العلوم الشرعية ومقاصدها، إلى العلوم الإنسانية وقيمها، والتكنولوجية وابتكاراتها، ومنها: الفلكية، والإعلامية، والإلكترونية، فضلا عن العلوم الفلاحية والملاحية، والصحية.
فمن عهد آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإن الإنسان هو الإنسان، يتعلم من الكون والبيئة، وممن سبقوه بتجاربهم، ومن الوحي الذي يبلغه عن طريق الرسل والأنبياء، ثم العلماء. وفي كل زمان ومكان، والعلم حر طليق كطيف النسيم، أو هو نور مضيء يلقي على الخلق أسباب البصر، فيقتبس منه الذكي المهتم النبيه، ويغفل عنه الغبي العاجز السفيه، ليست العلوم والمعارف حبيسة جدران المؤسسات الجامعية الرسمية، وليست الموهبة حكرا على صاحب الشهادة الورقية. ففرسان العلم في الكتاتيب والزوايا، أو هناك بين قطعان الإبل والماشية، أو في بيت علم ونبوغ، بل وفي كل شبر من تل أو صحراء هو ميدان لفرسان العلم والاختراع، والمعرفة والإبداع.
أيها الطالب العصامي… لا تنهزم أمام الورقة والجدار، فأمامك الليل والنهار، كما ورد في قول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: 62]. فأمامك الكون الفسيح، وفيه المرجع الصحيح، فكن العصامي الساعي النصيح، ولا تكن العظامي الجريح. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ [البقرة: 282]. ليس العلم وقفا على المؤسسة التي لا تعطي العلم إلا بالولاء لها، ولا تعطي الدبلوم إلا بالتزام نظامها، اقرأ وأنت في دكانك مع تجارتك، اقرأ وأنت ترعى الغنم، اقرأ وأنت تغرس وتسقي وتحصد، اقرئي وأنتِ تضعين القدر على الموقد أو الثياب في الغسالة، أو وأنتِ ترتبين البيت. لا تُضَيِّعِين دقيقة من عمرك في الفراغ أو اللغو.
العصاميون الباحثون يتفكرون ويبتكرون فينتجوا الخيرات ويقيموا الحضارات. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: 3]، والغافلون نائمون ولا يستيقظون، رغم أنهم يأكلون ويشربون، ولكنهم لا يتعلمون. والله تعالى يدعو إلى التعلم والتفقه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ.﴾ [الأنعام: 97/98].
قال محاوري: قل لي مثلا في الدراسة العصامية، أو في طلب العلم عامة. قلت: هل تستغني يوما عن الأكل والشرب؟ قال: لا، قلت: هل يتعبك الأكل والشرب بهذه الاستمرارية الدائمة؟ قال: لا، بل أتشوق بشغف ولهف لوقت الأكل، خاصة عندما ييسر الله لي إعداد مأدبة متنوعة من طيبات الفواكه واللحم والمشروب. قلت: فكذلك العلم والمعرفة والفقه، وغذاء العقل أولى من غذاء الجسد.
من مصادر العلم ثلاثة مصادر:
المصدر الأول: الكون. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46] ابحث وتعلم، سِرْ في الأرض وتعلم.
المصدر الثاني: القرآن الكريــم. قال عز وجل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89].
المصدر الثالث: التراث. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ* بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 43/44].
لاشك أنك قرأت مقال (قيمة الحضور الواعي)، واستوعبت ما فيه من المعاني والمرامي. ومن الكتب التي طالعتها (فقه الواجبات) وفيه منهجية المطالعة. ومن مقتضيات الدراسة والبحث، والدراسة العصامية خصوصا ما يلي بشأن مصدر التراث في مطالعة الكتب:
1ـ تخصيص مذكرة خاصة للكتب التي تطالعها، سجل البطاقة الفنية لكل كتاب تطالعه، اقرأ مقدمة الكتاب الذي تريد دراسته مرتين أو ثلاث مرات. لخص غرض الكتاب في جملتين أو ثلاث. ومن الكتب التي تنصح بمطالعتها (مقدمة ابن خلدون). وفيها: «اعلم أنّ المعاش هو عبارة عن ابتغاء الرّزق والسّعي في تحصيله…، ثمّ إنّ تحصيل الرّزق وكسبه: إمّا أن يكون بأخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه، وإمّا أن يكون من الحيوان الوحشيّ بافتراسه وأخذه برميه من البرّ، أو البحر، ويسمّى اصطيادا، وإمّا أن يكون من الحيوان الدّاجن باستخراج فضوله المنصرفة بين النّاس في منافعهم، كاللّبن من الأنعام، والحرير من دوده، والعسل من نحله، أو يكون من النّبات في الزّرع والشّجر بالقيام عليه وإعداده لاستخراج ثمرته ويسمّى هذا كلّه فلحا، وإمّا أن يكون الكسب من الأعمال الإنسانيّة إمّا في موادّ معيّنة وتسمّى الصّنائع، من كتابة وتجارة وخياطة وحياكة..». وبين ابن خلدون في المقدمة أيضا فقال: «قد تبيّن أنّ العلم والتّعليم طبيعيّ في البشر. وأن التعليم للعلم من جملة الصنائع، وذلك أنّ الحذق في العلم والتّفنّن فيه والاستيلاء عليه إنّما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه، وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله». (الباب السادس من الكتاب الأول. الفصل الثاني).
بقي على العصامي أن يتعلم: مبادئ العلم، والقواعد، والمسائل. ومن ذلك فقه اللغة العربية، وفقه المصطلحات.
2 ـ حضور حلقات العلم. حاول التدرب على الخطابة الحوارية، وحاول بعد القرآن الكريم، أن تحفظ بعض عيون الشعر. عن المتنبي مثلا، وشوقي، وغيرهما.

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …

تعليق واحد

  1. بارك الله فيكم أستاذ مكركب. لقد وضحتم ولخصتم الموضوع الذي يؤرق كل طالب متذبذب بين الخوف من الرسوب والرجاء في النجاح بغض النظر إلى التحصيل العلمي.
    حبذ لو يصل محتوى هذا المقال إلى كل “ناجح” و”مخفق”.
    والسلام