الرئيسية | غير مصنف | هل لمسلمي الغرب مرجعية دينية؟/ من سعدي بزيان

هل لمسلمي الغرب مرجعية دينية؟/ من سعدي بزيان

لطالما تساءل كثير من العلماء المسلمين في الغرب “متى تكون لمسلمي الغرب مرجعية دينية يرجعون إليها في أحوال دينهم وأمور معاشهم في بيئة علمانية غير إسلامية، وخاصة وأن معظم هؤلاء قد استقروا نهائيا في الغرب وأصبحوا في هذه الديار مواطنين يحملون جنسية هذه الأقطار، وجلهم ولدوا في الغرب غير أنهم يريدون الحفاظ على هويتهم الدينية في ظل تعدد الديانات واللغات والثقافات التي تسود أقطار الغرب، وفي بلد كفرنسا تعتبر الديانة الإسلامية ثاني ديانة بعد الديانة المسيحية بتفرعاتها “الكاثوليكية والأرثوذوكسية والبروتستانتية” وقبل الديانة اليهودية، ويمكن لمسجد باريس بحكم قدمه وماضيه أن يصبح مرجعية دينية لمسلمي فرنسا إذا توفرت له الشروط المطلوبة للاضطلاع بهذه المهمة الحيوية عبر المراسلات أو الهاتف لا أقل ولا أكثر.

في حين عمدت جهات إسلامية أخرى إلى تأسيس “المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث” برئاسة د.يوسف القرضاوي ومقره إيرلاندا، ويحتل 3 شخصيات جزائرية مناصب في هذا المجلس وفي مقدمتهم الأستاذ أنيس قرقاح الأستاذ في المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية” ومقره “سان دوي” شمال باريس الولاية 93، والتابع لمنظمة “اتحاد المنظمات الإسلامية” الذي يتوفر على معهد لتخريج الأئمة والمرشدين.

قراءة أخرى للإسلام في أوروبا من طرف شخصيات عاشت في الغرب

لهذه الشخصيات قراءة معاصرة للوجود الإسلامي في الغرب، فالشيخ فيصل المولوي نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث يدلي برأيه حول إمكانية الشخص المسلم العيش خارج ديار الإسلام وحتى في دار الحرب إذا كان يمكنه إظهار دينه والقيام بطقوس دينية، واليوم نحن نعيش في ظل القوانين والمواثيق الدولية التي تنص على حرية الإنسان، وحرية العبادة، وقد ظهر في الغرب في السنوات الأخيرة ما يسمى “بفقه الأقليات” حيث كتب في هذا الموضوع كل من الدكتورين يوسف القرضاوي وعبد الحميد النجار الذي قام بالتدريس في جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسنطينة، كما قام بالتدريس في العلوم الاجتماعية بسان دونيST- DENIS وهو حاليا في تونس ويبدي أسفه الشديد على عدم وجود مادة فقه الأقليات في كلياتنا للشريعة الإسلامية، ويرى د.فيصل المولوى بوجود مشروعية العيش للمسلم مع غير المسلم، وقد فصل ذلك في كتابه “المسلم مواطنا في أوروبا” صدر عن “الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين” ويؤكد في هذا الكتاب “أن المسلم يستطيع أن يعيش في أي بقعة من الأرض مع أي شعب من الشعوب، وفي أي نوع من أنواع السلطة إذا أقيمت له حرية العقيدة وممارسة واجباته الدينية وطالما يتمتع بحقوقه كإنسان، وكمواطن، وإن السيرة النبوية تؤكد شرعية عيش المسلم مع قومه من غير المسلمين، وهناك اليوم بعض الدول الأوروبية قد خطت خطوات مفيدة إزاء أقليتها الإسلامية، ففي بريطانيا هناك اليوم كلية للشريعة الإسلامية وكان عميدها المرحوم د. زكي بدوي، وتقدم بريطانيا مساعدات مالية للمدارس الإسلامية ولا وجود فيها لمسألة الحجاب، ولا مشكلة لحم الحلال، وفي ألمانيا تعهدت جامعاتها بأن تتولى تكوين الأئمة على حسابها الخاص في حين لا تزال فرنسا تائهة في سياستها في قضية تكوين الأئمة والتخلص من النفوذ الأجنبي في هذا المجال كما تذكر ذلك مرارا دون نتيجة تذكر لحد الآن.

المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الذي تأسس سنة 1997 أصبح مرجعية دينية لمسلمي أوروبا، ويصدر المجلس مجلة ودفاتر تضم قرارات وفتاوى المجلس، وذلك استجابة للحاجات الملحة التي يطرحها الوجود الإسلامي في الغرب وتزايده المستمر والبالغ حاليا أكثر من 50 مليون نسمة، ويقدم لنا “المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث” معلومات مختصرة عن خريطة الوجود الإسلامي في الغرب وقسم المجلس هؤلاء المسلمين إلى 3 انواع وهي كالتالي:

1- المسلمون من أبناء الشعوب الأوروبية وهم يحتلون مناطق البوسنة والهرسك، وألبانيا وكوسوفوا ومقدونيا، وبلغاريا، بالإضافة إلى أقليات متناثرة من أبناء الشعوب الأوروبية الذين اعتنقوا الإسلام وعدد هؤلاء غير معروف بالضبط هناك حوالي 100 ألف في فرنسا وحدها.

2- المسلمون من أبناء البلدان الإسلامية الذين هاجروا إلى أوروبا لأسباب مختلفة واستقروا فيها بصورة دائمة وحصل أكثرهم على جنسية البلدان التي يتواجدون فيها، فأصبح البلد الأوروبي بالنسبة لهم وطنهم الثاني، ولا زال يحن إلى وطنه الأول، أما أولادهم فهم جميعا أوروبيون بالجنسية والمواطنة واللغة.

3- النوع الثالث من مسلمي الغرب هم المهاجرون من بلدان إسلامية ومن لم يحصلوا على الجنسية الأوروبية وهؤلاء تكون إقامتهم دائمة أو مؤقتة ويعتبرون أوروبا دار هجرة ويتمسكون بأوطانهم الأصلية، وهؤلاء عددهم قليل ولاشك أن المسلمين في الغرب سواء المقيمون الدائمون أو المتجنسون أو المولودون فيها، فالجميع عرضة للعنصرية وسياسة كره الأجنبي والموقف الإسلاموفوبي وقد برزت في السنوات الأخيرة تيارات يمينية متطرفة تكره الأجانب وتعادي الإسلام والمسلمين، وقد ذهب القول ببعض هذه الأحزاب من أنهم إذا وصلوا إلى الحكم فإنهم سيعيدون المسلمين إلى أوطانهم الأصلية ويمنعون تداول القرآن ويغلقون المساجد ويوصدون أبواب الهجرة في وجه المسلمين بصورة نهائية كما يؤكد “غيرت ويلدرس” في هولاندا.

قضايا في غاية الأهمية مطروحة على “المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث”

لم يعرف فقهاء ولا علماء الشريعة في البلدان الإسلامية بعض القضايا التي يتعرض لها المسلمون اليوم في الغرب.

مثلا: الجنسية، وهل يبقى المسلمون في الغرب على جنسيتهم الأصلية وينتج عن ذلك حرمانهم من حقوقهم الأصلية في البلد الذي يقيمون فيه، فقد اجتهد علماء الأعضاء في “المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث” وأفتوا بضرورة حمل جنسية البلد الأوروبي حتى يضمن المسلم لنفسه الحماية دون التفكير في طرده، كما أن حمل الجنسية للبلد الأوروبي الذي يعيش فيه المسلم يسمح له بالمشاركة في الحياة السياسية وإلا بقي رقما مهملا ومهمشا وتضيع حقوقه، فعلى هذا الأساس يمكن لنا أن نلخص للقارئ ما صدر عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث من فتاوى جديدة تمس الوجود الإسلامي في الغرب فقد أفتى المجلس بـ :

– جواز الحصول على الجنسية الأوروبية للمسلمين المقيمين في الغرب والاندماج في المجتمعات الغربية مع الحفاظ على الهوية الإسلامية.

– تأسيس الأحزاب السياسية والمشاركة في الأحزاب السياسية القائمة وذلك قصد مشاركة المسلمين في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية.

– والإقامة في بلاد الغرب بالنسبة للمسلم جائزة ما لم يكن هناك مانع في وجه المسلم من أداء طقوسه الدينية كالصلاة والصيام والحج، أي  أركان الإسلام الخمس.

ويشرح كراس صدر عن “المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث” مهمة هذا المجلس محاولة توحيد الفتوى في ديار الغربة بقدر الإمكان ومنع البلبلة والصراع الفكري حول هذه الأمور وذلك عن طريق التشاور والبحث المشترك والاجتهاد الجماعي الذي أصبح اليوم فريضة وضرورة وليس هذا المجلس منافسا ولا بديلا للمجامع الأصلية والكبيرة في عالمنا الإسلامي مثل مجمع بحوث الأزهر والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي السعودية، بل هو مكمل لعملها في هذا الميدان الذي عني به وتخصص فيه وهو “فقه الأقليات” ومن يعمل خارج ديار الإسلام والمعلوم أن فقهاءنا رحمهم الله قرروا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان.

أسماء أعضاء المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

د. يوسف القرضاوي رئيسا للمجلس مصري الأصل قطري الجنسية.

الشيخ فيصل المولوى نائب رئيس المجلس لبناني

الشيخ حسين محمد حلاوة –إيرلاندا

د.أحمد جاب الله –فرنسا تونس الأصل

الشيخ أنيس قرقاح –فرنسا- جزائري الأصل

الشيخ العربي البشري –فرنسا-جزائري الأصل

الشيخ طاهر مهدي –فرنسا- جزائري الأصل

والجميع بلغ عددهم 32عضوا وقد أوصى المجلس في قراراته بدعوة الدول الأوروبية التي يتواجد فيها المسلمون إلى الاعتراف بهذا المجلس وللجاليات الإسلامية بهويتهم وخصوصيتهم كأقلية لها خصائصها ودينها، وللعلم فإن بعض الدول كبلجيكا وألبانيا والنمسا والمجر اعترفت بالإسلام رسميا، كما أوصى المجلس المسلمين باحترام قوانين هذه البلدان الأوروبية التي آوتهم وحمتهم ومكنتهم من التمتع بكل ضمانات العيش الكريم، وقد قال الله تعالى:{وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} وقال أيضا:{هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} وعلى مسلمي الغرب تجنب كل أساليب الكسب الحرام على اختلاف أنواعها ومنها سعي بعض المسلمين للحصول على معونات الضمان الاجتماعي مع أنهم يعملون أو يتاجرون وحيل أخرى بدعوى أنه يجوز معاملة البلدان الأوروبية ككفار وتجوز سرقتهم ..إلخ

كما يشاع في أوساط العامة ومن بعض شبابنا في الغرب.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ملامـــــح الثــقــــافـــة العربيـــة فــي إيطــــاليـــــــا

عز الدين عناية  / شهدت الدراسات العربية في إيطاليا تحوّلات كبرى خلال العقود الأربعة الأخيرة، …