الرئيسية | على بصيرة | الوطن قبل كل شيء…/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

الوطن قبل كل شيء…/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

حكمة تاريخية وطنية بالغة، خرج بها على الجزائريين ذات يوم من التاريخ، رائد نهضة الجزائر وإمامها عبد الحميد بن باديس يوم كان الجزائريون السياسيون، يتناقشون على كل شيء، إلا على الجزائر.

وما أحوج الجزائريين –اليوم بالذات- إلى هذه الحكمة الباديسية العميقة المعنى في زمن ترسل فيه الجزائر إلى الجميع برسائل تحتاج إلى أكثر من قراءة.

فجزائرنا الجليلة والجميلة، ذات النبل والخلال، طفا على سطحها ما قد يعكر سحرها، ويشوه نبلها، ويضاعف سؤلها، ويضعضع شملها.

 

إن بلد المليون شهيد، التي حررت بتضحياتها شعوبا عربية وإفريقية، هي اليوم في حاجة إلى تحرير ذاتها من رواسب الطفيليات الغريبة، التي عطلت لغة كلامها، وقزمت طموح أعلامها، وطرحت أكثر من علامات لاستفهامها.

فروائح الفساد التي جرجرت إلى المحاكم بعض القمم، وزلزلت حتى ذوي القبعات ممن كنا نعتبرهم حماة الأمان وأصحاب الهمم، والغريب أن الفساد طال حتى أهل المحراب مِنْ ذوي القدوة والحكمة.

يحدث هذا في زمن ترفع فيه الجزائر شعار الدفاع عن الظلم في بعض المستعمرات، وتحرير الشعوب من طغيان رافعي أعلام العنصرية والعصبيات، وما درى الجميع أن تحرير الآخر يجب أن يسبقه تحرير الذات.

فهل يمكن للذات المطوقة بالانسلاب، والمكبلة بالتغريب والاغتراب، أن تطمح إلى بناء مجتمع فاضل، يقود نفسه –بكل أمان- نحو تحقيق أسمى المعاني والمقاصد؟

معاذ الله! إن جزائرنا مريضة ببعض أبنائها، الذين لا يؤمنــــــون بهُويَّتها، وقد يتاجرون بعذريتها، ويعكِّرون صفو مشارب تربيتها.

وأنَّى لمجتمع منهج تنميته مغشوش، وفكر مواطنه كالعهن المنفوش، أن يطمح إلى إقناع الجميع، بأنه رائد التحرر والتحرير، وقائد التطور والتعمير.

لذلك قلنا: إن الجزائر اليوم، أحوج ما تكون إلى حكمة ابن باديس، بضرورة التضحية بكل نفيس.

فالجزائر بمبادئها، وقيم شهدائها، وأحكام علمائها، وتضحيات مجاهديها وحكمائها، هي التي يجب أن تسود لتقود.

غير أن ما يبرزه النقاش السياسي الدائر، وتساؤلات المواطن الجزائري الحائر، تبعث على الحيرة والقلق من أن السفينة الجزائرية، توشك أن تفقد ربانها، وتضيّع سلطانها، فينعكس ذلك –لا قدر الله- على أن تضيّع أمنها، وأمانها.

فهل فقدت الجزائر، من يصلح بوصلتها، ويعلي صولتها، ويعيد إليها بهجتها ومحجتها؟ لا! والله! فلو أن كل الساسة، تركوا قناعاتهم الحزبية الضيقة من أجل الجزائر، ولو أن المثقفين والمربين، تخلصوا من عقدة الذات المنسلبة، ليعودوا إلى حضن الجزائر الدافئ بإنسانية الإنسان، والفهم الصحيح من الدين، والتعامل الفصيح من اللسان، والأساس الدائم من البنيان، لو أن هؤلاء المؤتمنين على الأوطان، تسلحوا بهذا اللون من الميزان، لكسبوا في الميدان كل الرهانات، غير أن المقدمات في الرسائل التي تبعث بها الجزائر اليوم، لا تطمئن على تحقيق النبيل من المقاصد والغايات.

ذلك أن المنهج الكفيل بإنقاذها مما تعانيه، يكمن في ما يسميه أهل العلم، منهج الإخلاء والملء. فبعض الأورام الخبيثة، لا ينفع معها –في العلاج- إلا البتر، لأنها لو تركت، توشك أن تفسد الجسم كله.

لا ينكـر عاقل أن في الجزائر ثلة من الوطنيين المخلصين، الذين لا يزالون متسلحين بقيم نوفمبر، وهم في سبيل الجزائر على استعداد لبذل النفس والنفيس في سبيل إنقاذها، ولكن تنقصهم المبادرة الصحيحة والبيئة الصريحة.

إن المؤسسات الجامعية، قد أخرجت آلاف من الكفاءات من حملة الشهادات العليا في مختلف الاختصاصات، وهم يكادون يكوّنون الطاقة المعطلة في وطننا، فلماذا لا نفسح لهم المجال ونبلوهم في ساحة العمل الوطني، خصوصا إذا كانوا مِمَّن لا يملــــــــكون قناعات مسبقة غير قناعة الإيمان بحب الجزائر، والتضحية في سبيل الجزائر.

إن من يحب الجزائر هو من يضحي في سبيلها بالمكسب والمنصب، والمأرب، لينقذها أو يستعين بمن يؤمّن مصيرها، للمساهمة في إنقاذها.

يجب أن يدرك الجميع أن الاقتصاد الوطني الذي كان يمتاز بمحو الديون عن الآخرين قد أضحى في موقع المستدينين أو على وشك مد اليد للاستدانة.

وما يجب أن يؤمن به الجميع أيضا، هو أن جل الكفاءات من خير أبناء وبنات الوطن أصبحوا يغامرون بأنفسهم في البر والبحر لمغادرة الجزائر، والبحث عن شاطئ آخر يمكن من إثبات ذاتهم، والبرهنة على وجودهم، وهل يمكن، لمن يجد العيش الرغيد، والجو السعيد في بيته، أن يذهب إلى بيت جاره، وهجر داره؟

وما نعيشه في الشارع، والبيوت، والملاعب من عنف قاتل، ومن انهزام للذات ماثل، لأعظم دليل على ما تعيشه بلادنا من صدام خافت لا يعلن عن نفسه إلا نادراً، وما يقال عن الاقتصاد والثقافة، والتربية، والمحيط الاجتماعي، يعكس كله الصراع السياسي الخافت، الذي لا يعلن عن فحواه ومحتواه.

وبكلمة واحدة فإن الجزائر، رغم نجاتها من زلزال الربيع العربي وآفاته، توشك إن لم يقيض لها الله الصفوة الصالحة، التي تغار عليها، وتهب لنجدتها، توشك أن تقدم على انفجار شمولي لا يبقي ، ولا يذر.

إننا لا نريد أن نكون متشائمين، ولا ممن يقرأ الكف من العرافين، فيتنبأ بكذا وكذا، ولكن حسبنا أن نلجأ كمثقفين إلى الإشارات والتنبيهات، عسى أن تجد هذه الإشارات والتنبيهات، آذانا صاغية، وقلوبا واعية، وعقولا ساعية، علها تسبق العاصفة، فتفوت على أعداء الجزائر وما أكثرهم، فرصة الهجوم عليها، وتهديد استقرارها ووحدتها.

نحن نؤمن بأن البديل، لما نحن فيه موجود، والمؤمنون بمستقبل الجزائر الزاهر كثر، فقط ينقص توحيد الصف، وإعادة تحديد الهدف، والبعد عن كل أنواع الهف واللف.

لا نريد للتاريخ أن يعيد نفسه، فالحادثة التاريخية لا يمكن أن تتكرر، ولكن ما نريده هو أن يستلهم حكماؤنا وعقلاؤنا، الدرس من أحداثنا وأحداث غيرنا، فلا يقعوا في أخطاء الماضي.

نريد فتح استشارة وطنية شاملة تعالج أعراض الأزمة التي بدأت تطفو على السطح، فنخرج بإجماع شامل، يكون أشبه ما يكون بصلح الحديبية قبل فتح مكة، أو بحلف الفضول، قبل مولد الرسالة.

وإن الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

القدس: عظَمة الصِّغار وصَغار الكبار

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إن ما يكتبه شبان وشابات بيت …