الرئيسية | حديث في السياسة | ألهذا يوصف أهل ورقلة بالكلاب؟/ التهامي مجو ري

ألهذا يوصف أهل ورقلة بالكلاب؟/ التهامي مجو ري

رد الفعل الأولي على ما وقع نهاية الأسبوع الماضي في ورقلة، يوحي بوجود أحقاد دفينة على كلّ ما هو دين وقيم نبيلة، وهي الأحقاد التي كنا نعتقد أنهَّا اختفت، بعد سقوط مائتي ألف قتيل بسبب خلاف سياسي، واستجابة لنزوات أيديولوجية خبيثة الطوية.

ولمن لم يطلع على ما وقع في ورقلة، فإن مجموعة من السكان احتجوا على إقامة احتفالات في ميدان شعبي، ورفعوا شعارات تحمل عناوين مطالب اجتماعية من غير أي عنوان سياسي: “لا نريد حفلات؛ بل نريد عملا في المؤسسات، وحقنا في السكنات، وماء في الحنفيات، وكهرباء بدون انقطاعات وحدائق ومتنزهات، وتعبيد الطرقات، ومستشفيات، وصرف صحي بدون فيضانات، وتحسين صورة وإصلاح الابتدائيات، نظافة البيئة والمحيطات، والتهيئة في كل القطاعات و إسقاط العصابات”.

ولكن بعض الموتورين لم يحلُ لهم من إبراز هذا الحراك، إلاّ إقامة صلاة العشاء جماعة في المكان الذي كان مقرراً لإقامة السهرة، واعتبار ذلك احتجاجاً على إقامة هذا الحفل، ليسهل تفسير الموضوع وحصره في مجموعة من المتدينين ضد الفن والغناء، بعيدا عن السياسة والمطالب الاجتماعية والمواقف السياسية. كما اعتبر البعض -من نفس الطينة- أنَّ هؤلاء الذين خرجوا في هذه المناسبة هم “كلاب ورقلة” الذين أطلقتهم على الفن ومحبيه..!!

لا ندري لماذا هذا التسطيح والتحريض المتعمد على فعل فئة من المجتمع الجزائري، واعتبارهم مخالفين لمنطق الأشياء، أو كونهم فعلوا شيئاً غير مشروع؟ ألا يحق لأهل ورقلة أن يطالبوا بما تطالب به المجتمعات المهمشة؟ ألا يحق للورقليين أن يرفضوا المستهجن من الفن الحابط، والراي تحديدا الذي لا يمثل قيمة فنية، رغم أن بعض ممارسيه الآن يجتهدون في تنقيته من مفاسده؛ لأن هذا النوع من الغناء كان مكانه الكباريات وساحات الفساد؛ بحيث لم يكن مأذونا به في المؤسسات الفنية الرسمية، إلاّ بعد التفتح الفني في ثمانينيات القرن الماضي.

ما ذنب الورقلي إذا رفض إحياء حفلات بهذا النوع من الفن؟ أليس من حقه أن يرفض؟ أليست له حقوق القبول والرفض، فيما يتعلق بالخيارات كلها؟ أيحق له رفض مرشح للرئاسة مثلا وقبول آخر، ولا يحق له أن يرفض نوعا من الغناء ويقبل آخر؟

هذا إذا سلمنا جدلا أن الاحتجاجات هذه سببها الحفلة، أما إذا اعتبرنا أن الأسباب الحقيقية، أسباب كامنة جراء المظالم والمفاسد التي يعاني منها المواطن الورقلي، من مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية، فإنّ الأمر يتحول من السطح إلى العمق، فتصبح فكرة الاحتجاج على هذه الحفلة عبارة عن مناسبة استغلها أهل ورقلة، كفرصة للتعبير عن مواقفهم المتنوعة ومختلفة من واقعنا البئيس عموما والأكثر بؤسا عندهم خصوصا، كانت فيما مضى مطالب للسكن. وبحثا عن مناصب عمل في ولاية “يُسْتَورد” لها العمال من كل مكان وأبناؤها بطالون. ولا زلنا نذكر ذلك المحامي الذي أضرم النار في نفسه احتجاجا على مظالم الإدارة في حق أهل ورقلة.

اللهم إلاّ إذا اعتبرنا أهل ورقلة ليسوا جزائريين، أو دخلاء علينا، أو ربائب للعائلة الجزائرية، فنصفهم بما يحلوا لبعض الموتورين من أبناء جلدتنا، بالأوصاف التي أطلقها بعض “كلابنا” فوصفوهم بما هم عليه..

إنّ أهل ورقلة مواطنون جزائريون، يحق لهم أن يحتجوا على ما طالهم من مظالم، ويحق لهم أن يقبلوا من الفن ما يرضون، ويرفضوا ما لا يتلاءم وعاداتهم وتقاليدهم، ومن ساءه رفضهم لما قبله هو في داره أو فيما بين أفراد أسرته، فليعالج نفسه فهو المريض؛ لأن المشترك الجزائري هو رفض كل فن هابط وكل كلام ساقط وكل ما لا يستقيم والفطرة البشرية. وما يرفضه الورقلي لا يمكن أن يقبل به جزائري آخر إلاّ في أطر شاذة اجتماعياً، أول من يعترف بانحرافها روادُها… ومنها الكباريات ومواطن اللهو التي يعرفها القاصي والداني.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …

تعليق واحد

  1. الحقيقة المرة التي وصلت إليها قناعتي هي أن الحكام والنافذين بكرهون الدين المستقيم ويكرهون المسلم المتمسك حتى بالحد الأدنى من الدين. و والله لو لم يكن خوفهم من ردة الفعل الشعبي لهدموا المساجد.
    نعم ما ارعبهم لم يكن محتوى المطالب لشباب ورقلة بل فقط، كما اشرتم في المقال ،هو إقامة الصلاة جماعة في ميدان الاحتجاجات من طرف شباب “من المفروض كانوا قد مُسخوا” من جراء الهدم الثقافي المعتمد رسميا والمتعمد منذ الاستقلال.
    “لا وربك لا يومنون حتى يحكموا شرع الله…
    و السلام