الرئيسية | أعلام | مقالات | انزياحات الهوية في الفكر السياسي لفرحات عباس (1899-1985) 01

انزياحات الهوية في الفكر السياسي لفرحات عباس (1899-1985) 01

بعد مرور أكثر من نصف قرن على تأسيس الدولة الوطنية، غداة استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962، كتتويج لثورة مظفرة خاضها الشعب الجزائري بكل ما يملك من قوة مادية وروحية، يعاد اليوم طرح السؤال حول المسارات التي سلكها الفاعلون الاجتماعيون، والسياسات التي أتبعوها، والاستراتيجيات التي راهنوا عليها والمتمثلة في الخيار الاشتراكي و الأحادية السياسية و تغليب العسكري على السياسي.

كما يعاد أيضا طرح السؤال حول “الفرص الضائعة” واستحضار الشخصيات التي عارضت التوجهات الرسمية غداة الاستقلال، وهل كان بالإمكان سلك مسارات أخرى بإمكانها تحقيق رهاني: الشرعية و التنمية وهما المعضلتان اللتان فشلت الدولة الوطنية الجزائرية في حلهما إلى اليوم.

والبحث لا يتوقف عند لحظة الاستقلال بل على الأقل يعود إلى الماضي القريب والمتمثل في نضالات الحركة الوطنية بكل أطيافها و تياراتها السياسية المختلفة، وهل انطوت الحركة الوطنية منذ لحظة الأمير خالد على فكر سياسي أو فلسفة سياسية  يمكن الوقوف على مبادئها وتحديد مفاهيمها النظرية؟ وما هي الموضوعات الكبرى لهذا الفكر السياسي والإشكاليات المحورية التي طرحها ؟

من بين الموضوعات السياسية التي شغلت الحركة الوطنية على مدار نصف قرن على الأقل يمكننا أن نشير الى: الهوية، الاستقلال، الحرية، الاندماج، الوطن، الانتماء الحضاري …الخ .

ونريد في هذه المقال أن نقف عند إشكالية الهوية عند السياسي و المثقف و الجامعي والصحفي والصيدلي فرحات عباس (1899-1985)و ذلك لعدة أسباب منها:

فرحات عباس يعتبر من بين السياسيين الجزائريين الذين تركوا إنتاجا فكريا كبيرا يتمثل في كتبه: ومنها كتاب “الشاب الجزائري” و”ليل الاستعمار” و”تشريح ثورة” و”الاستقلال المصادر”.

كما أنه أدرك أهمية الصحافة في نشر الوعي الثقافي والسياسي ولذلك لم يتوقف عن الكتابة الصحفية من بداية العشرينات في القرن الماضي، فنجده ينشر مقالاته في جريدة “الاقدام “للأمير خالد، وجريدة” همزة وصل “لفيكتور سبيلمان، وجريدة” التقدم “للدكتور بن تامي ثم “الوفاق” لبن جلول، و في سنة 1944 أسس جريدة “الجمهورية الجزائرية”.

واهتمام فرحات عباس بالكتابة الصحفية والتأليف يعود إلى تكوينه العلمي حيث تحصل على البكالوريا سنة 1921 و ذلك بعد أن تلقى تعليمه الابتدائي في جيجل والاكمالي في سكيكدة والثانوي في قسنطينة ليلتحق بجامعة الجزائر ويتخرج صيدليا سنة 1931.

تميزت شخصية فرحات عباس بثقافة البحث عن الحقيقة، فهي ليست شخصية دوغمائية سجينة الأطر الجامدة التي لا تقبل التغير والتطور والتحول، بل على العكس من ذلك فهو شخصية براغماتية متطورة مستوعبة لمستجدات الظروف و لذلك نجده في الثلاثينات قريبا من اتحادية المنتخبين وتحديدا من شخصية بن جلول، كما كان قريبا من زعماء جمعية العلماء المسلمين مثل عبد الحميد بن باديس والبشير الابراهيمي وغيرهما و الذين يصفهم ب “الآباء الروحيين” له، كما كان قريبا من الإدارة الفرنسية والمجالس المنتخبة سواء في الجزائر أو فرنسا، بعد اندلاع الثورة ستة 1954 لم يتردد كثيرا في وضع نفسه تحت تصرف مسؤولي جبهة التحرير الوطني، الذين أدركوا أهمية الرصيد السياسي للرجل وخبرته، ليعينه عبان رمضان عضوا في اللجنة الوطنية للثورة الجزائرية بعد أن حضر مؤتمر الصومام، ثم رئيسا للحكومة المؤقتة سنة 1958 ورئيسا للمجلس التأسيسي سنة 1962، ليستقيل بعد ذلك ويكمل حياته بين السجن و الإقامة الجبرية.

لحظة “الشاب الجزائري “:(كمال بن سراج)

جمع فرحات عباس مجموعة من المقالات كان قد كتبها مابين 1922و 1931 في كتاب تحت عنوان: “الشاب الجزائري” صدر في سنة 1931 وهي الذكرى المئوية الأولى للاستعمار الفرنسي للجزائر، ويتضمن مجموعة من التحليلات السياسية للأوضاع التي كانت قائمة حينئذ كما يشتمل أيضا على اعترافات تتعلق بالهوية والانتماء.

ومن بين الأطروحات الاستعمارية التي يتصدى لها فرحات عباس و يرفضها جملة وتفصيلا “أطروحة الجزائر الشاغرة” فالجزائر كانت قبل مجيء الاستعمار الفرنسي معمورة بقوم أشداء و ليست ملك للمجموعة الأوروبية.

ويرى فيه الإسلام “الوطن الروحي” حيث يقول في ما يشبه الاعترافات: “هل كان في إمكان هذا التعليم الفرنسي أن يفقدنا شخصيتنا و يفصلنا عن ماضينا؟ لم أعتقد هذا أبدا ، فالإسلام هو “وطن روحي“بلا حدود، يوجهنا من المهد الى اللحد، أنه يتمثل الثقافات الشعبية دون أن يذوب فيها، أو حتى يتشوه أو يضعف. وبناء عليه فقد بقيت مسلما وجزائريا بكل شعيرات روحي. ولكن الثقافة الفرنسية أعطتني حسا رفيعا في الحياة، وجعلتني أقدر قيم الديمقراطية و الإنسانية الحقيقية، وقد بقيت وفيا لها”.

وبالرغم من قلة معرفة فرحات عباس بالثقافة العربية بسبب جهله للغة العربية، ونهله من الثقافة الغربية، وهو الذي- يجهل تماما اللغة العربية الفصيحة -، إلا أن الإسلام بقي عقيدته الصافية، وطنه الروحي.

يضاف إلى ما سبق ما أظهره فرحات عباس من وعي بفلسفة الحضارة و التواصل الحضاري، حيث نجده يدافع عن الحضارة الإسلامية وينتصر للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، فالفرنسيون راهنوا على خرافة “إفريقيا اللاتينية” الموروثة عن سياسة الرومان، أي أنهم قدموا أنفسهم على أنهم خلفاء للإمبراطورية الرومانية التي قامت على الاستعباد الأبدي للأهالي ، وبمعنى أخر فان عباس يرفض “فكرة الجزائر الرومانية ” ويعتبر إفريقيا اللاتينية يوطوبيا لن تكون نهايتها – بلا أدنى شك – إلا خيبة دامية، و يصف الاستعمار بأنه ” قوة لا تفكير، وجسم بلا روح ، لقد جاء و السيف في يده، أو الحربة في الماسورة واستقر، وأصبح البلد له ” كما يرد على التمركز الأوروبي القائم على عدم الاعتراف بشيء خارج الفكر الإغريقي اللاتيني وحسبه ” كل الحضارات قد أغنت هذا التراث الإنساني من ثمار فكرها وعملها، وأن حظ الحضارة العربية قد كان في وقته كبيرا و مفيدا ” وأوروبا ليست جاهلة بذلك و لكنها منحازة ضده، وتعمد الى تشويه ذلك عندما تصور نبينا المحبوب بأنه ” شخصا قذرا و عربيا مخادعا… والإسلام ليس إلا ركاما من الأفكار المقولبة البلهاء الهمجية” ويصور عباس إيمانه القوي بالإسلام في نص رائع يقول فيه ” إن ساستنا المحنكين يعتقدون أن الإسلام ستقطع أوصاله بسبب تهدم مسجد أو بسبب أن الخليفة وقع عليه انقلاب. لا فائدة ، إنني أحمل في قلبي مسجدا من الغرانيت والحديد والصلب، لن يتهدم أبدا، ألم يقاوم أسوأ انحطاط و أشده اثارة للشجن؟فهل يخشى سلام وأنوار الأزمنة الحاضرة”.

كما يبدي في “الشاب الجزائري” انحيازه الكبير و تعاطفه الشديد مع الفرد الجزائري حيث يصف واقع الجزائري البائس بقوله “هناك في مكان آخر، يدخل أكواخ أخرى رجال حفاة الأقدام، مقملوا الثياب بؤساء، ان هذه المخلوقات البسيطة التي تحبني و أنا أحبها، يجمعني بها رابط لا يقبل الانفصام، ان دمها هو دمي” وهذا دليل على التصاق فرحات عباس بشعبه .

إن كتاب “الشاب الجزائري” ليلى بن عمار بن منصور في كتابها “فرحات عباس ذلك الرجل المظلوم” يثير مسألة الهوية الجزائرية، ويعكس الحماس الوطني للشاب الجزائري، إلى نقش اسم فرحات عباس في الأذهان .لكنه سوف يوحي على الخصوص بوجود مغامر عنيد أصبح يشكل شوكة مغروسة في جسم الاحتلال”  وتقول أيضا “يضع كتاب” الشاب الجزائري ” من خلال عنوانه بالذات ، قضية الانتماء الجزائري في قلب هذا العمل النابض .. هذا الانتماء الجزائري كرمز من رموز وجود الجزائريين كشعب، وبشكل أوسع، كرمز من رموز شموخ الجزائر كأمة”

ان في رد فرحات عباس على “لويس برتران” ومجلة “إفريقيا اللاتينية” التي كان ينفث فيها سمومه، والذي جعل من الأهالي كائنات من الدرجة السفلى وأجانب عليهم طاعة أسيادهم المحتلين لدليل واضح على نضج الوعي الوطني مبكرا عنده حيث يقول “إننا في بلادنا، و لا يمكننا أن نرحل إلى مكان أخر، هذه هي الأرض التي أطعمت أجدادنا، وهذه الأرض هي التي سوف تطعم أبنائنا، سواء كنا أحرارا أو عبيدا، فهي ملك لنا و نحن ملك لها، ولا نريد أن نتركها الى الهلاك، الجزائر لا تستطيع أن تحيا دوننا، ونحن لا نستطيع أن نحيا دونها، فمن يحلم بمستقبل لنا مثل مستقبل الهنود الحمر في أمريكا فهو مخطئ.العرب-البربر هم من قرروا منذ أربعة عشر قرنا خلت، مصير الجزائر. ولا يمكن لهذا المصير أن يتحقق غدا دونهم”

وما نخلص إليه أن فرحات عباس في هذه اللحظة التاريخية المبكرة من مساره الفكري والنضالي أبان عن وعي بالهوية الحضارية للجزائر، تظهر ملامحها من خلال التأكيد على أن الجزائر لم تكن أرضا شاغرة، بل كان يقطنها شعب من جنس يتميز بالقساوة وروح النضال، وأن فكرة إفريقيا اللاتينية ما هي إلا يوطوبيا سمجة وستكون نهايتها الخيبة، كما يظهر بوضوح التزام عباس بالإسلام الذي يعتبره وطنه الروحي.

لحظة “فرنسا هي أنا”:

بعد سنة 1930 التحق عباس باتحادية المنتخبين لمنطقة قسنطينة، التي كانت تحت رئاسة الطبيب محمد الصالح بن جلول زعيم الاندماجيين، والتي كانت تناضل من أجل الاندماج ضمن الدولة الفرنسية، ومثل التيار الاندماجي كتابات بعض الاندماجيين الذين لا يؤمنون بالجزائر وبالخصوصية الجزائرية من أمثال الشريف بن حبيلس الذي نشر سنة 1914 كتابه ” الجزائر الفرنسية كما يراها اندجان ” فالجزائر قبل دخول الفرنسيين حسبه كانت ” عش للصوص البحر وقطاع الطرق ” وأن القطر الجزائري كان قطرا شاغرا ولم يعرف ظاهرة الدولة، وأن خير الأهالي يكمن في خدمة الكولون، والاندراج في الثقافة الفرنسية، والنسج على نمط الفرنسيين في الحياة والتفكير. وتتكون البورجوازية الاندماجية من طبقات القياد والباشاغات التي كانت مقربة من الادراة الفرنسية ومتضامنة مع طبقة الكولون الذين رفضتهم البورجوازية الفرنسية لأنهم كانوا يشكلون حثالة المجتمع الفرنسي، وعرفوا بالجشع و النهب لخيرات السكان الأصليين. فالجزائر حسب بن جلول: “فرنسية وتبقى فرنسية ”

وفي هذه المرحلة تبنى فرحات عباس أفكار ومبادئ المنتخبين كالتجنس والاندماج، وظهر ذلك من خلال المقالات التي كان يكتبها في جريدة “الوفاق ” لاتحادية المنتخبين، ومن بين مقالاته التي عرفت انتشارا كبيرا وجرت عليه  ردود أفعال من طرف العلماء وحزب الشعب مقاله الصادر بتاريخ 23 أفريل 1936 بعنوان “على هامش الوطنية: فرنسا هي أنا” والتي يقول فيها: “لو اكتشفت الأمة الجزائرية لكنت وطنيا و لما خجلت من ذلك كما أخجل من جريمة.. الرجال الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل المثل الأعلى الوطني هم محل تكريم واحترام يوما بعد يوم، حياتي ليست أغلى من حياتهم، وإلا لما بدلت هذه التضحيات. الجزائر كوطن هي خرافة، إنني لم أعثر عليها، سألت التاريخ، سألت الموتى و الأحياء زرت المقابر: لا أحد حدثني عن ذلك. لا شك أنني عثرت على”الإمبراطورية العربية”، “الإمبراطورية الإسلامية”، التي تمجد إسلامنا وسلالتنا… لكن هاتين الإمبراطوريتين اندثرا… إنهما يتوافقان مع الإمبراطورية اللاتينية وكنيسة الإمبراطورية الرومانية الجرمانية في العصور الوسطى. إننا أزحنا وبشكل نهائي تلك الغمائم وتلك الخرافات حتى نقرن نهائيا مستقبلنا بمستقبل أعمال فرنسا.. في هذا البلد كتبنا هذا.. وتشكل حماية هذه الأعمال محور عملنا السياسي”

إن التحليل التاريخي لخطاب فرحات عباس و لظرفية هذا الخطاب تحيل كما يؤكد الكثير من الباحثين أن صيحة “فرنسا هي أنا” تمثل لحظة خيبة عاشها فرحات عباس في فرنسا الأنوار التي امن بمبادئها الإنسانية السامية، حيث اكتشف أنه كان رومانسيا و خياليا فوق اللزوم عندما كان ينتظر أن تمنح فرنسا الأهالي كل حقوقهم كاملة غير منقوصة، فهذه الصيحة” لا تعني سوى رغبة فرحات عباس في اعتبار نفسه مجسدا لأفكار ثورة 1798 في مقابل الكولون العنصريين، هؤلاء الأقدام السوداء الذين عجزوا عن تجسيد أحلامهم التحررية فرضى لنفسه الاندماج في فرنسا الديمقراطية و ليس المجتمع الكولونيالي العنصري الذي لا يعترف بالأخر ولا يحترمه  “.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

زيغريد هونكه (1913م ـ1999م) : “مستشرقة شُغفت بالإسلام وحضارته”

قامت المستشرقة والباحثة الألمانية “زيغريد هونكه” – “Sigrid Hunke” بدور مشهود في تحسين صورة العرب …