الرئيسية | قضايا و آراء | نحن وفرنســــــــــــــــــا/ جمال نصر الله

نحن وفرنســــــــــــــــــا/ جمال نصر الله

لا أحد يدري بأن السلطات الفرنسية الرسمية الحالية هي مدركة حقا وبوعي تام..ما تقوم به أجهزتها من توجهات وسياسات بعيدة المدى أو قريبة أو متوسطة من ذلك. وهل ذلك يدخل في عين العقل والموضوعية أم لا؟! أم هو مجرد ضحك على الأذقان والعقول ممن لا يملكون ذقونا صلبة ولا حتى عقولا؟! وهل هو سلوك سياسي واع وناضج بأتم ما يحيط به من أدبيات وأخلاقيات أم هي مجرد هفوات اعتاد عليها هذا الطرف أو ذاك أو لها ممن توصف دوما وتُنعت بالعجوز التي لازال الخرف يتملكها؟! وهل تدرك هذه المستعمِرة القديمة حجم التناقضات الظاهرة للعيان في سياساتها ليس فقط بين سنة وأخرى ولكن بين عشية وضحاها كما يقال؟! بدليل أنها تحاسب وبعقاب قانوني كل الخونة من جنسيات مختلفة والذين شاركوا ضدها بداية الأربعينيات إبان الحرب العالمية الثانية وانضموا للصفوف الألمانية..وتمنع عنهم كل الحقوق المكفولة وتطاردهم أينما حلوا وارتحلوا. وطبعا بتهمة الخيانة الوطنية العظمى. وقد سبق وأن نادت بنفس الطرح مع الضحايا الأرمن الذين أبيدوا على أيدي العثمانيين عام1915 بحجة أنها راعية لحقوق الإنسان ووفية لمبادئ ثورتها الثقافية الكبرى1789 المنادية بتطبيق العدالة الاجتماعية…لكنها في زاوية أخرى..تعتبر من خانوا الجزائر والمتواجدين حاليا داخل غيتوهات خاصة عبر كل الضواحي والأرٍياف الفرنسية مواطنين صالحين بل توفر لهم الحماية وتدافع عن حقوقهم خارج فرنسا. كما تطالب بعض الأصوات البرلمانية مؤخرا بإمكانية عودة (فئة الحركى) وتعويض السلطات الجزائرية لأملاكهم التي تركوها منذ 1962…لا أحد يدري هل سياسة الكيل بمكيالين هذه معقولة  والتي تنبني على مبدأ (حلال عليّ حرام عليك) بل يراد تطبيقها فقط على ما تتصوره وتمليه علينا هذه الدولة الكولونيالية المارقة…هذا العيب التاريخي تشويه حضاري تجلبه فرنسا لنفسها يوم تعتقد بأن العالم المعاصر بشعوبه وأقاليمه لازال يتخبط في جهله وعدم معرفته للسياسات العابرة للقارات. أو حتى الداخلية بحكم التطور التقني الفظيع. وأنها هي وحدها العروس (عفوا) قلعة الأفكار ومنبع الطروحات الأكثر إنسانية وسماحة؟!

العارفون بفحوى الأمور يدركون جيدا بأن الدول الاستعمارية وعلى رأسها أمريكا لازالت تنظر لمستعمراتها القديمة بنظرة الاحتقار والتقزيم بل الاستخفاف..بدءا من بريطانيا العظمى وصولا إلى فرنسا، وأن مواطنيها لازالوا مجرد أهالٍ وأشباه خُدام وعبيد…إلا الذين صفقوا لها وتجندوا في صفوفها فإنها ترى فيهم مواطنين صالحين ويستحقون كل الشكر والثناء بل حتى التكريم..مثلما رأينا مرارا وفي كذا من مناسبة..ولا يخفى على أحد بأن الشعب الجزائري الأصيل الواعي بمسؤولياته التاريخية يفقه الكثير من خيوط هذه اللعبة القذرة التي تريد الإبقاء على علاقة التابع والمتبوع، وعلاقة العبد بالملِك..أي العودة لعهود الإقطاع التي مُحيت بفضل المراسيم والنضالات التي جاءت بها المنظمات والجمعيات الحقوقية، لأن مملكة فرنسا من القرن الماضي بُنيت بسواعد الفقراء..هؤلاء من دفعتهم الحاجة وفي أحلك الظروف للهجرة هناك من أجل لقمة العيش..وكانت حملات البناء والتشييد في شتى المجالات لصالحها بدءا من البُنى التحتية والاقتصاد شبه المستقر إلى المجالات الثقافية والرياضية…فقد تم استغلال كل الطاقات البشرية لذلك…وللأسف الشديد كثير من الأجيال لازالت عندنا الآن لا تعي تاريخيا وفكريا وثقافيا بأن الحقيقة هي عكس ما يفهمونه هم ويتغلغل في رؤوسهم..يوم تم استقطاب آبائهم وأجدادهم لتلك المهمات، لأن أوجه المقارنة بين واقعهم الميئوس منه وبين التقدم الرهيب الذي تتباهى به دولة مثل هذه اليوم، جعلهم يكفرون بالأول ويتمنون من كل قلوبهم كيف يعيشون سنة واحدة هناك ولا عشرات السنين هنا؟! يتمنون أن يعملوا في مراحيض فرنسا ليل نهار…ولا يعملون ضمن الوظيف العمومي لبلدانهم وهذا ينطبق على جل الأجيال الحالية للمستعمرات الإفريقية بما فيها الفرنكوفونية والعربية.

إن علاقتنا اليوم بفرنسا ليست هي علاقتنا نفسها وبالضبط مع الغرب أجمعين..لذلك وجب أن نراعي هذه النقطة الحساسة..فلقد تغير كل العالم اليوم والجميع مدعو للتفكير جيدا والتدقيق ليس فقط في تلك الخرجات أو هذه. التصريحات الصادرة من مسؤولين هم الوجه الرسمي لفرنسا بل في جميع المكونات والجزئيات الطارئة دبلوماسيا..بعيدا عن العواطف والسطحيات، فالأجندات الفرنسية لا تريد فقط ضرب هويتنا الإسلامية والثقافية مثلما هي تفعل في كل مرة حين تشجع هذا الفنان والكاتب والسينمائي وتروج  لهذا الفيلم وتمنحه هذا الوسام أو ذاك. مُسخرة جبروتها الإعلامي العملاق وترسانتها، بل تحاول ذلك وبطرق شبه سحرية حتى مع بُنانا الاقتصادية وذاكرتنا لتجعل منا زمرة من المعاقين لا مناص لنا سوى الرضوخ والشهادة باسمها والعياذ بالله؟! لأنها غير مصدقة بأنها خرجت من هذه الديار مُرغمة خانعة..بل الجميع يعلم بأن الحنين يشدها نحو العودة غير راضية أو مُتقبلة أبدا بمصطلح هزيمة..والدليل أنها لا تريد فتح سجل الذاكرة لأن في ذلك إذلالا لها ومسبة بل سقوط حر لا تستطيع بعده الوقوف على رجليها، لذلك جاء في الحكمة أن الاعتراف سيد الأدلة؟!

 

شاعر وصحفي جزائري

djmilnacer@gmail.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

المعاملة هي روح التدين الحـــــق..

مداني حديبي/ ألا تتعجب معي لحال ذاك المتدين الذي يلزم الصف الأول ولا تفوته تكبيرة …