الرئيسية | في رحاب الشريعة | مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة/ خير الدين هني

مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة/ خير الدين هني

 

الحكمة من تفضيل بلاد العرب برسالة السماء؟(3)

كانت هذه الحركات المتتالية، تسير وفق مشيئة غيبية ضمن مساحات جغرافية متصلة الحدود، عبر مسافات زمنية متلاحقة، رافقت الإنسان في رحلته الطويلة، حتّى وصلت إلى آخر حلقة من حلقات نضجه العقلي؛ فختمت بالرسالة المحمدية الخاتمة، التي كان للإرادة الإلهية أن نسخت ما سبقها من الشرائع السماوية السابقة؛ إذ كان أمرها موقوفا على أقوام دون سواهم، فكانت هذه الشرائع تنتقل عبر صيرورة تاريخية من أمة إلى أخرى، أرادت المشيئة أن تبعث فيهم رسلا وأنبياء لهدايتهم وإرشادهم إلى طريق الحق والرشاد.

فالنسخ أمر حتمي، قضى به الحق سبحانه ليوافق احتياجات الإنسان عبر رحلته الطويلة، لأنه يوافق طبيعة ما اعتاده في حياته، وظروف بيئته، وما صاحبها من تغيير في طرق تفكيره وأساليب عيشه.

وكلما عرفت الإنسانية تدرجا في رقيها الفكري والعقلي، وما يرتبط بذلك من تغيير في نظم عاداتها وتقاليدها، تبعها تطور في أسس التشريع والعبادات والأخلاق ضمن تقريرات الشرائع المنزلة على الأنبياء والرسل؛ فمثلا كنا نستخدم مصطلح التساوي، حينما نريد التعبير عن زوايا المضلعات وأطوالها في الهندسة القديمة؛ ولكن علماء الرياضيات الحديثة استعاضوا عن هذا المصطلح بمصطلح آخر، وهو (القيس) بدلا من التساوي؛ لأنهم اعتبروا مفهوم التساوي لا يعبر عن الحقيقة الرياضية بشكل دقيق، إذ يعتبرون الأضلاع والزوايا مهما كانت متطابقة، لا يجعلها ذات خصائص واحدة؛ إذ أن الأجزاء المكونة (النقاط) للضلع أو الزاوية لا يمكن أن تكون هي هي، بحيث يمكن اعتبار تلك الأجزاء عناصر لها خصائص تجعل الضلع (أ) مثلا هو الضلع (ب)..

وعلى هذا يمكن إدراك أن نسخ الشريعة الإسلامية لغيرها من الشرائع السابقة، كان ضرورة فرضتها طبيعة الحياة المتغيرة..إذ كانت هذه الشرائع تحكم أقواما متقاربة منازلهم في جغرافية متصلة الحدود في بلاد العرب وحدهم. وحين نستخدم معايير الأرض وقياساتها في الحكمة من تفضيل منطقة العرب بالنبوة والرسائل السماوية، نذكر النقاط التالية:

1– نزول آدم في بلاد العرب: وقبل الحديث عن هذه المسألة، يحسن بي التنبيه إلى أن علم الأنثربولوجيا، (علم الإنسان) يقرر أن الأرض سكنها أنواع شتى من المخلوقات قبل آدم، اعتمادًا على تحليل وفحص الجماجم والعظام المتحجرة، التي وجدت في أنحاء المعمورة، والتي قدّر العلماء أن بعضها يرجع عمرها إلى مليون سنة، وبعضها إلى ثلاثة أرباع المليون سنة، والبعض إلى أقل من ذلك؛ “فإنسان جاوة هو أقدم إنسان حفري، ثمّ يليه إنسان بكين، ثمّ إنسان صولو، فإنسان بلتداون، ثمّ هيلد برج، ثمّ إنسان روديسيا. ويأتي في نهاية هذا التصنيف الزمني للأشكال البشرية إنسان (نياندرتال) الذي يظن أنّه هو الجد المباشر للإنسان العاقل، وقد ساد هذا النوع في الفترة بين 130000000 مليون سنة إلى 700000 ألف سنة ق.م، وانتشر في كثير من بلدان العالم” [مع الأنبياء في القرآن الكريم، عفيف عبد الفتاح طبارة، ص45].

ولقد خاض علماء المسلمين المعاصرين في هذا الموضوع، وذهبوا فيه فرقا شتى بين مؤيد ومعارض..وما دام للموضوع أثر على مسرح الحياة وقد حققها العلم، -ولكي نوفق بين الدين والعلم- فلِمَ لا نرجح أن تكون هذه المخلوقات المترسبة على هيئة الإنسان، ليس ضروريا أن تكون من نسل آدم عليه السلام، وإنما هي كائنات عاقلة من سلالات مخلوقات أخرى سبقت وجوده. ولقد رأيت حوارا حديثا فيه شيء من قسوة الدكتور زغلول على الدكتور عبد الصبور شاهين حول مؤلف لشاهين يتكلم فيه عن حقيقة الخلق القبلي لآدم عليه السلام، وقد بدا الأستاذ شاهين ضعيف الحجة أمام الأستاذ زغلول. حين استشهد في كتابه بحقائق الحفريات والرسوبيات التي وصل إليها العلماء الغربيون، وهي التي استشهدت ببعضها فيما تقدم من هذه الدراسة منذ أكثر من عقدين دون أن أكون على علم بحقيقة هذا الخلاف يومئذ.

وقد علل الأستاذ زغلول دحضه لفكرة الخلق القبلي لآدم، بكون الغربيين يريدون أن ينفوا المقولات الدينية التي تجعل آدم هو أول إنسان بشري وجد على الأرض.

فالأستاذ زغلول – والحق يقال – استغل تخصصه في الإعجاز، فاحتكر معرفة الحقيقة النهائية في شخصه، مخطئا الشيخ صبور…مع أن الكثير مما قاله ليس مثبتا بالقطعي من النصوص الدينية…وهو مجرد تحليلات وفروض نابعة من خبرته الطويلة في هذا الحقل وإيمانه العميق كعالم مسلم ملتزم جازاه الله خيرا.

ونحن لا نثبت ههنا إلا بما جاء في القرآن الكريم بالصريح، كتقرير لهذا الخلق القبلي في قوله تعالى:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[البقرة الآية:30].

ودلالة النص –هنا- واضحة – لا لبس فيها- من أن الملائكة استاءوا من أن يكون هذا الإنسان الذي أراد الله سبحانه أن يجعله خليفة في الأرض، سيتبع سبل المخلوقات التي سبقت في الوجود على هذه الأرض، فنشروا فيها الفساد بالظلم والطغيان وسفك الدماء!! وهذه المخلوقات التي رأتهم الملائكة عيانا قد نشروا الفساد في الأرض قبل وجود الإنسان، لا ريب في كونها مخلوقات عاقلة ومكلفة، لأن التكليف منوط بالعقل، وإلا لم توصف بالفساد والطغيان.إذ أن هذه الصفات تطلق على المكلفين دون سواهم..

كما نستطيع أن نستنتج من هذا التسلسل في الخلق؛ بأن الله تعالى أكرم أمما أخرى من أجناس سبقت وجودنا على الأرض؛ (يقدر وجود الإنسان الآدمي على الأرض بـ 100ألف سنة، ووجود الأرض بـ 4.6 ملايير وستمائة سنة، ووجود الشمس بـ 5ملايير سنة، ووجود الكون بـ 13.7ثلاثة عشر مليار وسبعمائة مليون سنة). ولا ريب-إن كانوا مكلفين- فقد أرسل الحق فيهم رسلا وأنبياء ليهدوهم إلى صراط المستقيم؛ ولكنهم بغوا وبطروا فأهلكهم الله تعالى، {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. ومائة ألف سنة من وجود الإنسان على الأرض لا تساوي شيئا من أربعة ملايير وستمائة مليون سنة، وهل يعقل أن تبقى الأرض بلا ساكنة عاقلة أربعة ملايير وخمسمائة مليون سنة وزيادة…وقد جعل لهم قيامة خاصة بهم، وآية ذلك التغيرات الجيولوجية للأرض، والتي حقق فيها العلم اليوم، بواسطة الحفريات التي كشفت أن أجناسًا من المخلوقات ترسبت في أعماق الصخور نتيجة هذه القيامة التي وقعت على الأرض، وكان لكل جنس طبيعة هلاكه وبعثه وحسابه، ودليل ذلك هو:

أ – احتجاج الملائكة:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}[الآية].احتجاج الملائكة ناتج عن تجربة سابقة، وليس عن علم بالغيب، لأن علم الغيب من أمر الله وحده.{قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}…

ب- تطابق نتائج الحفريات التي كشفتها الرسوبيات في قلب الصخور، مع مبدأ الخلق الذي ذكره القرآن الكريم، والتطابق دليل على الحدوث وليس على العدم.

جـ- التغيرات الجيولوجية الكبرى التي حدثت على الأرض، وكان آخرها ما استقر عليه وضع الأرض الحالي، بتكوين القارات والمحيطات والبحار، والحياة على نحو ما نراه اليوم. (والأرضون السبع المذكورة  في القرآن الكريم)،{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}. لماذا لا نفهم بأن المراد من السماوات هو الغلاف الجوي بطبقاته السبع؟ والأراضي السبع هي القارات السبع التي خلقت ملتحمة مع بعضها، ثم فصلت عن بعضها في قارات سبع، شكلت 29 في المائة من اليابسة، لأن لفظة السماوات المعطوف عليها  بكلمة “ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ” جاءت مطلقة ولم يقيد معناها بإضافة أو وصف، على نحو قوله تعالى:{تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى} التي يقصد بها العرش. والذي يدل على هذا المعنى هو التقييد بالنعت (الْعُلَى). فالمعروف نحويا أن العموم في المعنى يقيد بالإضافة والصفات، كقولنا:(هذا كتاب…)، لفظة كتاب – هنا- عامة تدل على أي كتاب، ولكن حين نقول هذا كتاب النحو، فقد قيد معنى الكتاب بالإضافة، فعرف السامع أن القصد من الكتاب هو كتاب النحو…والله أعلم..وهكذا.

وفسرت السماوات اليوم بمعان مختلفة، حددها السياق العام للآيات،(وقد كتبنا في هذا الموضوع –بإسهاب- مقالا متسلسلا في البصائر منذ مدة أوضحنا فيه معاني السماوات)، خلافا للتفسيرات القديمة..لأن التفسيرات المعاصرة جاءت على ضوء ما شهدته حقول المعرفة الفضائية…ومن التفسيرات المعاصرة لمعنى السماوات هو ( الجو والغلاف الجوي والمجموعة الشمسية والعرش..)، ومعظم المعاني للسماوات تدور حول هذه المعاني..كقوله تعالى:{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً..} أي مدارات المجموعة الشمسية بحسب بعدها عن المركز الذي هو الشمس. فهي تشكل طبقات متوازية غير متغيرة..فكل كوكب من المجموعة له سماء تعلوه…

ولقد تعسر على علماء الإعجاز أن يجدوا تفسيرا للأراضي السبع، أين تقع في هذا الفضاء؟ فأولوا ذلك بطبقات الأرض الداخلية..وهو تأويل لا يطمئن له العقل، لأن طبقات الأرض الجوفية هي من مكوناتها، وليست خارجة عنها..والله أعلم، والمعنى الذي استقيته من الآية هو المعنى اللغوي لكلمة الأرض، إذ أن معناها له دلالات كثيرة، منها الكرة الأرضية والجهة من الأرض والقطعة من الأرض..ولا يعبر عن طبقاتها الجوفية بالأرض، لأنها ليست مما ينتفع به الناس. ووجه الامتنان في الآية ما يترتب على الخلق من المنافع والفوائد التي تعود على الإنسان بالخير العميم، والتركيب البنيوي لغازات الغلاف الجوي والأرض هو الذي فيه منافع للحياة..والله أعلم.

د- وحياة الإنسان الحالي – لا محالة – ستصير إلى هذا المصير الذي صارت إليه المخلوقات التي سبقته في قيامة تشبه تلك القيامة، والتي أشار إليها القرآن الكريم في غير ما آية، ولعل التغيرات الحالية للأرض التي اكتشفها العلماء، واقتراب القارات من بعضها بسبب الحركات الجيو باطنية (اقتراب الصفائح التكتونية من بعضها) هو دليل النهاية الحتمية لوجود الحياة الإنسانية على هذه الأرض؛ إذ قدّر العلماء أن نسبة اقتراب القارة الإفريقية من القارة الأسيوية من جهة البحر الأحمر هو ما بين واحد إلى اثنين سنتمتر سنويا، هذا إذا أضفنا إلى ذلك ارتفاع درجة الحرارة، الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى ذوبان أكداس جبال الجليد على المنطقتين القطبيتين، مما يؤدي إلى انقلاب خطير في الحياة البرية؛ إذ تغمرها المياه، مع فرضية ذهاب مياه البحر الأحمر، والخليج العربي الذي يتوقعه العلماء.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …