الرئيسية | في رحاب الشريعة | مسيرة الجزائر من جهاد التحرير، إلى جهاد التعمير/ محمد مكركب

مسيرة الجزائر من جهاد التحرير، إلى جهاد التعمير/ محمد مكركب

بمناسبة الذكرى (56) للاستقلال لشهر جويلية  (2018م) وللأمانة التاريخية والدعوية، لجهاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، نُذَكِّر الأمة بما يجب من واجب الشكر الدائم، لله تعالى، والمرابطة والصمود في موكب الدعوة والبناء والإصلاح في ركب جمعية العلماء، والوفاء بالمواثيق والعهود، ونحن في الدعوة الإصلاحية البنائية المستمرة. عاملين متعظين بقول الله تعالى:﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[الأنفال:26] إذا كان هذا الخطاب من كلام الله للصحابة ومعهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لتذكيرهم بالحالة التي كانوا عليها قبل الهجرة يخافون أن يتخطفهم الناس، وكيف نصرهم الله وآواهم بعد الهجرة، لعلهم يشكرون، فما بالنا نحن معشر الجزائريين كنا تحت سيطرة الاحتلال مقهورين مستعبدين، ثم نصرنا الله تعالى على الجيش الفرنسي، أليس من الواجب أن نشكر الله، عز وجل، على  نعمة الاستقلال الجليلة، وعلى نعمة الحرية الجميلة.

وقد أخرجنا الله من ظلمات الخلاف ومتاهات الانحراف وهدانا في جزائرنا الحبيبة للوحدة الوطنية فألف بين قلوبنا، ووحد قيادتنا وسيادتنا وجيشنا، وهذه الْهِدَايات من أجَلِّ وأجمل النعم، ويعلم العاقل عِظَمَ هذه النعمة عندما ينظر إلى من حوله من الشعوب المتقاتلة التي تدمر بعضها وتخرب بلادها بأيديها.

قال الله تعالى:﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[آل عمران:103].

والسؤال: كيف نواصل المسير من بعد جهاد المقاومة والتحرير إلى غايات جهاد البناء والتعمير؟ نعم هذا هو الموضوع وهذه هي القضية، وإلا فلا معنى لذكرى الاستقلال. ما هي أسس جهاد التعمير؟

أولا: أساس الاستمساك بالقيم الإيمانية. بفهم قوله تعالى:﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران:139] والمقصود، بهذا الأساس الأول أي:( الاستمساك بالقيم الإيمانية) هو فهم قوله تعالى:﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بمعنى أن المؤمنين حقا سَيُنْصرون ويدوم لهم الأمن والاستقرار ﴿فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[آل عمران:175] فالله تعالى نصرنا أيام جهادنا في الجزائر ضد الاحتلال بالإيمان، بعبادته وطاعته، بالمعنى الحقيقي للشعار الذي رفعناه: [ الله أكبر] والمعنى التطبيقي لـلشعار الذي تبنيناه:[ الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا] وَوَعَدَنَا الخالقُ جل جلاله بأنه سبحانه يستخلفنا كما استخلف الذين من قبلنا، وليمكنن ديننا الذي ارتضاه لنا، وليبدلنا من بعد خوفنا أمنا، إن عبدناه، ووحدناه، ونصرناه، واتبعنا خاتم النبيين، وكنا دوما مع الصادقين.

من القيم الإيمانية: تضحية المؤمن في سبيل الله إسعادا لأخيه المؤمن، وعندما يتعامل المؤمنون بهذه القيمة، ويخلصون فيها كل الإخلاص، ويتفانون في نفع بعضهم فإنهم يكونون كما وصفهم الله عز وجل ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.

ومن القيم الإيمانية: الحب والإيثار. وبهذا امتاز الأنصار، وبهذا فازوا في الدنيا، وبُشِّروا بالجنة والنجاة من النار.

ومن القيم الإيمانية: الشورى العلمية بين أولي الأمر، وبين العلماء الحكماء الفقهاء، يظل الاستقرار مهددا إذا قصرنا في العبودية لله سبحانه، وسيظل الأمن غائبا إذا استمر الاستبداد السياسي في الحكم، والغفلة الثقافية، واليقظة تبدأ من اجتماع الأمراء والعلماء في مجالس شورية في ظلال العلم والنزاهة والإخلاص.

أيها الأخ الكريم،كم مرة قرأت هذه الآية؟:﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ وأترك لك الجواب، وأنت من أولي الألباب.

ثانيا: أساس الأكاديمية العلمية للبحث العلمي، ومنه الخريطة البيانية المستقبلية لمائة سنة من المقاصد والمآلات، والمخططات. ما الذي يُعَزِّزُ ويُفَعِّل هذا الأساس؟ المجلس العلمي الوطني المؤلف من كل علماء الوطن في كل التخصصات. عملا بقول الله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[النحل:43] هل يجوز الاستعانة بعلماء من غير المسلمين؟ فاعلم أن أهل الذكر هم:(أهل العلم عامة من المؤمنين) وهم بالدرجة الأولى أهل القرآن. عملا بقوله تعالى:﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ﴾[العنكبوت:49] والقرآن من الكليات المجملات جامع لكل علم يحفظ مصالح العباد. وعلماء القرآن بالمعنى الواسع هم الأولى في فقه العلم الذي يحفظ كيان المجتمع، فهم يبصرون الحقيقة التي لا يراها غيرهم. قال الله تعالى:﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾[الرعد:19] وقال تعالى:﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾[الأنعام:104].

ولا يجوز الاستعانة بغير المسلمين من علمائهم ومفكريهم، إلا في التجارب المادية البحتة، أما التربية والتعليم، والقانون، والأدب، وكل العلوم الاجتماعية والإنسانية فلا يجوز. وخذوا العبرة من تاريخ المسلمين في الأندلس، عندما كان المسلمون متوكلين على الله معتمدين على علمائهم، كانوا صاعدين ناجحين وغيرهم يقصدهم ليتعلم عنهم، فلما أشركوا غيرهم في أمورهم دب الخلاف بينهم وهبطوا هبوط المنهزمين وصاروا هم يرحلون إلى من علموهم بالأمس ليتعلموا عنهم، ويا ليتهم تعلموا.

وكلامنا عن الأساس الثاني [الأكاديمية العلمية] يطرح السؤال: فأين نحن في الجزائر مثلا من محو الأمية؟ وأين نحن من التعريب الشامل للمجتمع؟ وقد ذم الله تعالى الأميين من أهل الكتاب، فقال:﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾[البقرة:78] وليست الأمية القرائية هي الأخطر، أو الأمية المعلوماتية، وإنما الأمية الأخطر هي الأمية الفكرية. فكم من حامل دكتوراه وأكياس من المعلومات النظرية، وهو أمي في الفكر، يدعو إلى الفتن والضلال.

ثالثا: أساس المنظومة التشريعية الشاملة الدائمة الواضحة. مثل ما يعرف بالدستور الذي يعمل به، ومن هذا الأساس تكون المنظومات الضرورية الأخرى. 1 ـ المنظومة التربوية. 2 ـ والمنظومة الاقتصادية. 3 ـ والمنظومة الإدارية. 4 ـ والمنظومة الإعلامية. 5 ـ والمنظومة السياسية.

هل الشعوب العربية الحالية تعمل بهذه المنظومات المجتمعية؟ والجواب: لا. ولذلك يلاحظ التذبذب والاضطراب، والفتن والانقلاب، والصراع والغلاب، كل ذلك من النقص الموجود في الخريطة البيانية السابقة الذكر في الأساس الثاني. وقلت لك إن هذه الأسس متكاملة متلازمة مع بعضها. وتقول كيف لا، وفي كل مجتمع نسمع أولي الأمر يقولون: بإصلاح المنظومة التربوية، والمنظومة الاقتصادية، وغير ذلك. نعم يقولون، ولكنهم من جهة يقولون ما لا يفعلون، ومن جهة أخرى فعن أي منظومة وعن إصلاح يقولون؟

رابعا: أساس تطهير المجتمع من المحرمات. لا يمكن لأمة تريد الآخرة، وتسعى لها سعيها، وتريد أن تتقدم اقتصاديا وتكنولوجيا وبعض أفرادها برضاها، والسكوت عنهم، وهم يرتكبون المعاصي ليل نهار، من بيع خمر، ومخدرات، وعري على الشواطئ، وحانات مفتوحة، وقبائح مفضوحة.

والمعلوم أنه من وظيفة أولي الأمر أنهم يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وسياسة الدولة تقوم على هذا، ألم تعلموا هذا. قال الله تعالى:﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران:104]

أدعو القارئ الكريم أن يقرأ من هذه الآية إلى قوله تعالى من نفس السورة:﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾[آل عمران:110] لنعلم شروط الخيرية لهذه الأمة الإسلامية.

خامسا: أساس عمارة الأرض بالغراسة والزراعة وكمال التنمية الاقتصادية، وكل ما هو ضروري للعيش من مقتضيات الحياة. كالطرق، والسدود، والمدن، والمواصلات، والقلاع والحصون، والمصانع، والمزارع. وفي هذا الأساس، لا تنس التكامل مع كل الأسس السابقة.

إن أهم كنوز الأمم وتأمين مقومات أسباب الخيرات، والازدهار المعيشي للاكتفاء من الضروريات والحاجيات  في حياتهم هو خدمة الأرض، باستثمار كل شبر منها لما يصلح له، وتنمية ثرواتها المعدنية والنباتية والمائية، وتطوير تربية الأنعام والمواشي والدواجن، مع حسن استغلال الثروات البحرية ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.﴾[النحل:13/14].

قال محاوري: هل تعتقد أن المعنيين بهذه المقالات والبيانات يعملون بهذه الحقائق الإيمانية والعلمية؟  أما تعلم أن الغالبية من أولي الأمر في المجتمعات العربية لا يوقنون بأن القرآن كتاب قواعد ونظريات وأسباب عمرانية، وعلوم وأحكام السياسة البنائية للدولة المعاصرة. لذلك كل من يخاطبهم بالقرآن، يضعون كلامه في أدراج المهمشات والمنسيات وربما في المهملات!! قلت: ما علينا إلا البلاغ، وإن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:[إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ](مسلم.817) من أراد أن يرفعه الله فليستمسك بالذي أوحي إلى خير الخلق وحبيب الحق، ومن أراد لنفسه الهوان فيظل بعيدا عن القرآن.

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …