الرئيسية | اتجاهات | تصفية القضية… إلى تصفية النفوذ الأمريكي (02)/ محمد الحسن أكيلال

تصفية القضية… إلى تصفية النفوذ الأمريكي (02)/ محمد الحسن أكيلال

 

 

“بوتين”.. التلميذ الألمعي لـــــ “كــ.جي.بي” (KGB)

 

يبدو أن الرئيس الأمريكي “ترامب” المخلص جدًّا للون بشرته وهويته كجنوبي وكنيسته الإنجليزية وصهيونيته قد أنسته كل ما يتعلق بالألوان الأخرى الكثيرة الغالبة على عموم سكان الولايات المتحدة وأن الجنوب الذي ما زال يفتخر به قد هزمه الشمال في الحرب الأهلية أولا وبالجغرافيا ثانيا وبمبادئ وقيم كرسها كبار القادة التاريخيين المؤسسين لأمريكا وعلى رأسهم “جورج واشنطن” و”أبراهام لينكولن”. “ترامب” القصير النظر، الضيق البصيرة وعديم الرؤية، الفقير إلى الصبر في الحسابات الكبيرة، لم يجد بُدًّا من التضحية بكل نفوذ أمريكا في العالم ومصالحها الحيوية إرضاءً للحكومة الصهيونية في فلسطين المحتلة ولابنته وزوجها “كوشنر” ولناخبيه من اليمين الأمريكي من الصهاينة المسيحيين الإنجيليين ولحزبه الجمهوري رغم كثير من الأصوات لكبار الساسة التي بدأت ترتفع ضده و تطالبه بالتوقف عن العربدة و المغامرة.

الرأي العام الأمريكي ما زال متابعا لقضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية التي أوصلت هذا “الترامب” إلى الحكم، ولكنه بحكم انضباطه وتقديسه للقوانين وللقضاء في بلاده فهو ينتظر ما يسفر عنه التحقيق الذي يبدو أنه لا يقدر فعلا على إثبات التهم ضد “روسيا” و”بوتين” والإدارة الأمريكية الجديدة و”ترامب”، إنه الذكاء الخارق الذي يتمتع به من ينعت بالدب الروسي المعروف عنه وعن كل الدببة أنه لا ينسى من ألحق به ذلك الأذى، وأي أذى أكبر من تفكيك امبراطورية الاتحاد السوفييتي ذات يوم من أيام عام 1989. إنه يستعمل نفس السلاح الذي استعملته المخابرات الأمريكية وربيبتها الصهيونية ضد بلاده، الفرق بين المخططين في كون المخطط الأمريكي الصهيوني ضد الاتحاد السوفييتي في مساعدة رجل ذكي جدًّا ومثقف جدًّا هو “غورباتشوف” وبعده رجل أحمق جدًّا و غبي جدًّا هو “بوريس يلتسين”، في حين أن المخطط الروسي ساعد رجلا مثل “دونالد ترامب” الغني عن التعريف ثقافة ومعرفة و تفكيرًا وسلوكًا وأخلاقًا لدى أبناء جلدته قبل غيرهم.

لا أحد ينكر أن أمريكا قد حققت انتصارًا باهرًا ضد الاتحاد السوفييتي سابقا، على الأقل في تصغيره إلى الاتحاد الروسي حاليا، وقد فككت أغلب الجمهوريات التي كانت تابعة له، وآخرها جمهورية أوكرانيا التي جعلت منها أمريكا و حلفاؤها   في الحلف الأطلسي رأس الرمح في استفزاز واستنزاف الاتحاد الروسي و جعله في وضع المرتبك المتشنج والمنفق على التسلح دون حساب تفاديا للسقوط الأخير تحت جزمات وجنازير الجيوش الغربية ومدرعاتهم.

إلى حد الآن أثبت الرئيس “فلاديمير بوتين” قدرات كبيرة وجدارة فائقة في فنون المناورة والمراوغة ضد الغرب الرأسمالي الإمبريالي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، فلا العقوبات المالية والاقتصادية نجحت ولا أوكرانيا انتصرت ولا الصهيونية التي اخترقت أسوار “الكريملين” ذات يوم حققت ما تحلم به من إنجازات وأهداف وعلى رأسها إقناع “بوتين” بالتخلي عن فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية كما فعلت أمريكا. إن ما يحدث الآن هو العكس تماما إلى حين انجلاء الغبار عن آخر المعارك في بلاد الشام بين جيش الدولة السورية وفلول الإرهاب المكلفين والمدعمين من طرف أمريكا و حلفاءها الغربيين والعرب والمسلمين، فمن المنتظر وكتحصيل حاصل لما يحدث في سوريا أن التصفية التي يريدها “ترامب” للقضية الفلسطينية ستنقلب إن شاء الله إلى تصفية نهائية لكل التواجد الأمريكي في كل الهلال الخصيب (العراق والشام) وكل منطقة الشرق الأوسط، بل التصفية الحقيقية لدولة الاحتلال الصهيوني الذي أثبت العالم كله أنها تمثل الخطر الحقيقي ضد السلم والأمن في العالم.

إن الألغام التي وضعتها الإمبريالية الصهيونية بقيادة أمريكا في كل أنحاء العالم لإيقاف أي زحف جديد لروسيا الاتحادية لاستعادة مكانتها ولو كقطب ثان لإدارة وتسيير شؤون الأمن والسلم الدوليين قد تمكن الرئيس “بوتين” من تفكيكها ابتداء من الصين الشعبية التي عرفت علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي سابقا توترا خلال الفترة التي سبقت انهياره، استعادة هذه العلاقات، بل و أصبحت الدولتان تشكلان حلفا استراتيجيا بديلا للحلف الأطلسي، والأزمة الاقتصادية الحالية والحرب التجارية التي أشعلها “ترامب” حتى ضد حلفاءه أصبحت تقرب الدولتين ودولا أخرى في آسيا الشرقية لفرض عملة دولية بديلة عن الدولار الأمريكي.

آخر الألغام وأخطرها هي اللغم الصهيوني، بل الألغام التي زرعت في الاتحاد الروسي نفسه عن طريق الفاسدين والمفسدين والمافيا الروسية التي حاولت وما تزال تحاول الانتشار في الجسم الاقتصادي الروسي وفي نسيجها الاجتماعي الذي يبدو أنه اكتسب مناعة في ثقافته سواء المستمدة منها من الفكر الشيوعي أو من المذهب الديني المسيحي السائد المتمثل في الأرثوذكسية المعروفة بخصوصيتها المتميزة عن المذاهب الكنسية الأخرى وخاصة البروتستانتية الإنجيلية.

هناك جانب مهم جدًّا يمكن أن يكون العامل المساعد للاتحاد الروسي عامة ولــــ “بوتين” خاصة للانتصار في صراعه على أمريكا والغرب والصهيونية العالمية هو محاولة التقرب أكثر من الإسلام المعتدل والمسلمين في الجمهوريات الإسلامية المتاخمة للاتحاد، وهذا ما يستشف فعلا من خلال العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية التركية، هاتان الدولتان يمكن لهما فعلا أن تكونا حليفتين للاعتماد عليهما في الصراع وخاصة إذا تم تفعيل التحريك ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين بمختلف الوسائل الدبلوماسية منها والسياسية والإعلامية وحتى بالدعم المادي والمعنوي للمقاومة الفلسطينية واللبنانية والسورية في المستقبل القريب لتحرير الجولان.

للمدقق فيما يجري على الساحة في سوريا وفلسطين والعراق واليمن وليبيا يمكن أن يتلمس ملامح وبوادر المخاض الذي سيسفر عن ميلاد فجر جديد للقضية الفلسطينية الذي لا شك سينبلج وتتحقق آمال الشعب الفلسطيني المكافح.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

دَعُوكـــــم مــن الــــورع الكـــــاذب

عبد العزيز كحيل/ ما هذا؟ قوم من «المسلمين» يظهرون التأثر الشديد عند موت فاجر أو …