الرئيسية | أقلام القراء | دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة النبوية الحكمة من تفضيل بلاد العرب برسالة السماء (2)/ خير الدين هني

دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة النبوية الحكمة من تفضيل بلاد العرب برسالة السماء (2)/ خير الدين هني

 

على أنني، وبعدما استحسنت فكرة الكتابة، في موضوع بيان الحكمة من تفضيل بلاد العرب برسالة السماء، أخذت على عاتقي الكتابة في هذا الموضوع، مع علمي بصعوبة الخوض في هذا الحقل بخطوات المنهج العلمي، للأسباب التي ذكرتها في الحلقة الماضية من هذه الدراسة؛ ذلك لأن النبوة كظاهرة دينية مرتبطة بمشيئة غيبية، لا يدرك حكمتها وعلمها إلا الله سبحانه، والدارس المتمحص، حين يريد الكتابة في هذا الموضوع لا يجد دليلا صريحا؛ في مصادر الشريعة الأصلية ضمن القرآن والحديث، ليعضد به رأيه في الحكمة من تفضيل العرب بالنبوة الخاتمة، بما يروي غلته ويشفي غليله. وبعض الحكم التي وردت في بعض آي القرآن الكريم، لا تدل إلا على الحكمة من بعث النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى في الآية الثانية من سورة الجمعة {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.

فالحكمة التي تقررها هذه الآية، أن العرب كانوا أميين في أغلبهم كما أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان أميا، بعث إليهم ليتلوا عليهم آي الذكر الحكيم، ويعلمهم أحكام القرآن ومنافع الحكمة، ويطهر نفوسهم من دنس الشرك والرذيلة ومساوئ الأخلاق… والبيان هنا هو إظهار المعجزة من أميته، صلى الله عليه وسلم، وأمية قومه وجهلهم وتشتتهم وتناحرهم، فهم -عبر تاريخهم الطويل أي: عرب الشمال- لم يشكلوا كيانا موحدا في أمة مدنية ولا زراعية ولا صناعية، ولكن معجزتهم أن تحولوا إلى أمة دعوية، تعهدت بنشر الإسلام بعد أن آمنت بتعاليمه الهادية.

“أو فيما رواه مسلم في صحيحه، من أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال:” لا تقوم الساعة حتى تعود بلاد العرب مروجا وأنهارا“. ويرشد معنى الحديث إلى التنبؤ بما ستصير إليه بلاد العرب في آخر الزمان، أي: بعودتها إلى هيئتها التي كانت عليها يوم أن خلق الله سبحانه السماوات والأرض..ولم يتحدث عن حكمة التفضيل.

ولقد أجريت بحوثا مكثفة في المظان، لأقف على ما قاله العلماء والباحثون في شأن الحكمة من تفضيل بلاد العرب برسالة السماء، فألفيتهم يكادون يركزون على مسألة واحدة، وهي توسط بلاد العرب بين الأمم الأخرى. أو فيما صححه الألباني في الصحيحة من قوله صلى الله عليه وسلم:” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق“. وفيه إشارة إلى أن فضائل الأخلاق تحتل مراتب عظيمة في الإسلام، فكان صلى الله عليه وسلم، كآخر حلقة في الحركة النبوية، جاء لاستكمال مكارم الأخلاق التي لها ارتباط كبير بمقاصد الشريعة وأحكامها وآدابها، في مساحات بلاد العرب المتجاورة، وفي هذا إشارة إلى أبرز الحكم المرادة.

والبيئة العربية في شبه الجزيرة، كانت بيئة عذراء تكاد تكون مغلقة على نفسها، بسبب طبيعة جغرافيتها القاسية، وإحاطتها بالمياه من ثلاث جهات. والحملة الوحيدة التي جردت لاحتلال بلادهم والتي كان يمكن أن تدمجهم بغيرهم، ما قام به الرومان من طريق والي مصر (أيليوس غاليوس) بأمر من الإمبراطور أغسطس، حيث جهز عشرة آلاف مقاتل من الرومان والمصريين، محملين على 130 سفينة حربية، وألف من عرب الأنباط وخمسمائة من اليهود مدهم بها ملك الأنباط (عباده الثاني) الذي كان تحت ولاية روما، وقد فشلت هذه الحملة فشلا ذريعا…فاستغرقت ستة أشهر سيرا من شمال الجزيرة (خليج السويس) إلى مشارف جنوبها باليمن، فقطعت 1400كلم. وقد دمرت بعض المدن كنجران ومأرب وغيرهما. ولا ريب أن المشيئة العليا قد هيأت أسباب فشل هذا الغزو، وصرفت اهتمام الغزاة بإعادة الكرة، لإبقاء بلاد العرب معزولة عن العالم المتمدن، لحاجة النبوة الخاتمة إلى هذه العذرية في الطبيعة والتفكير والأخلاق والآداب.

ويرجع مؤرخ الحملة الروماني(سترابو) الذي كان معاصرا لها، سبب الهزيمة إلى خيانة وزير ملك الأنباط صالح الذي كان دليلا للحملة، فتعمد أن يسلك بها طرقا صحراوية وعرة لا ماء فيها ولا كلأ ولا زرع، كيما ينهك الجيش…وقد حوكم هذا الوزير العربي في روما، وقطع رأسه في ساحة عامة أمام الجماهير. وقد شرفه هذا القتل على أيدي أعداء أمته، وصدق فيه قول زنوبيا ملكة تدمر التي أبت أن تذل لروما، فجردوا عليها حملة كبيرة وأخذوها إلى روما أسيرة مقيدة بالأصفاد، إمعانا في قهرها وإذلالها، فقالت مقولتها الشهيرة التي مازالت محفوظة يرددها الأحرار في كل زمان، وهي في ذل الأسر.

بئس تاج على رأس خانع ذليل** ونعم قيد في معصم حر أبي

وأنا أقول:

ما التاج بزينة على رأس العميل** فذله وضعفه للتاج مهين

 فلا هم للعميل سوى التعيين ** لأن ذلك في عرفه غير مشين

أما المؤرخون العرب، فيعزون تلك الهزيمة إلى توحيد العرب، ووقوفهم في وجه الغزاة.

ويمكن التنبيه إلى أن وثنية العرب لم تكن معقدة بالنظريات الفلسفية، على نحو ما كانت عليه الكثير من الوثنيات المنتشرة في ذلك الزمان، وإنما كانوا ينظرون إليها على أنها امتداد للحنيفية الإبراهيمية، فآلهتهم ليست إلا وسائط بينهم وبين الله، ولذلك كانت بلادهم ملائمة للرسالة الخاتمة، لأنها لم تكن مشحونة بالتعقيدات الحضارية، على نحو ما كانت عليه أثينا إذ لم يكن يشغل بال الناس، إلا الحديث عن الحكمة والفلسفة والفلاسفة، وفنون الخطابة والبطولات والملاحم الأسطورية، والجدل الذي كان يملأ أروقة الأكاديمية ومؤسسات التنشئة وشوارع المدينة وأسواقها، وما كان يثار فيه من معارك فكرية حول أصل المادة وخصائصها وأزليتها، وعن ماهية العالم وهل هو قديم أم محدث؟ وعن طبيعة شكل الأرض والكواكب والأجرام؟ وعن الفضيلة والخير والشر، والمعرفة، وهل العقل هو مصدر المعرفة أم الحواس؟ وهذه الموضوعات الشائكة، كانت تشكل مباحث فكرية عميقة، تتجاوز مستوى التفكير البدوي لدى عرب الجزيرة.

وكذلك الحياة في روما، كانت على نحو ما صوره أحد رهبان الكنيسة، حيث قال:” كانت أطراف المدينة (يقصد روما) جميعا ملأى بالجدل، ترى ذلك في الأسواق وعند باعة الملابس، وصيارفة النقود، وباعة الأطعمة..فأنت تريد أن تبدل قطعة من ذهب فإذا بك في جدل عما خلق وعما لم يخلق، أنت تريد أن تقف على ثمن فيجيبك من تسأله الأب أعظم أم الابن، وأنت تسأل صاحب الحمام هل ماؤه ساخن؟ فيجيبك غلامك لقد خلق الابن من العدم…”(حياة محمد لهيكل، ص 71).

وعند الفرس كان الجدل محتدما في الديانة  الزراديشتية، (نسبة إلى الفيلسوف زرادشت)، والنهاية المحتومة لانتصار قوى الخير والنور ضمن الصراع الأبدي بين آلهة تلك القوى (أهورامزدا) الذي يتصف بكل صفات الكمال والخير والنور والطيب والحق والعدل، وبين إله الشر والرذيلة والظلمة والعدوان والخطايا ومصائب الناس(أهر يمان)..أما الفراعنة فكانوا يؤلهون ملوكهم ويقدسونهم، ويبنون لهم الصروح الشامخة لتخليد ذكراهم، وقصة موسى عليه السلام الذي منعوا قومه المستعبدين لمدة 450 سنة من الخروج معه، محفوظة في التاريخ، فهذه البيئات التي كانت تحيط ببلاد العرب لم تكن صالحة للنبوة والرسالة الخاتمة للأسباب التي تقدمت.

ولما ضنّت المصادر ولم يعد فيها أرب، فقد أقصرت الحديث على ما يمكن للعقل أن يستنبطه من خلال دراسة استقرائية، يغوص بها في ثنايا الوقائع والأحداث والشواهد التاريخية.. وارتباطها ببعضها ضمن علاقتها البنيوية والغائية، وقد انتظمت في أنساق دينية جرت أحداثها في مساحة جغرافية متصل بعضها ببعض؛ لأسباب تبدو موضوعية سنذكرها فيما بعد..

ومن هنا يمكن لنا أن نتناول هذه المسألة، كظاهرة سماوية ارتبطت بتفضيل  إلهي للعرب على سواهم بالنبوة الخاتمة، وللكشف عن معرفة الحكمة من ذلك، يمكن القول: اعتبارا لما تقدم في ثنايا هذا الموضوع من أننا؛ ولكي نقف على معرفة سر ذلك، يتعيّن علينا الانطلاق من الحقيقة التاريخية ضمن حوادثه المتصلة بالحركة النبوية، كمعطى واقعي، وكمبدأ منهجي في تحليلنا لأسباب هذه الحالة التفضيلية، وبذلك نكون قد ألزمنا أنفسنا منهجا واقعيا، ضمن خطة استقرائية تسمح لنا باستقصاء الحقائق الجزئية في تسلسل الحركة النبوية؛ عبر تتابع زمني متواصل على فترات من الزمن، وضمن وحدة دينية متكاملة الأسس والأهداف والغايات في علاقاتها العقدية والتعبدية والأخلاقية والاجتماعية، نظمتها شرائع مختلفة، كانت تراعي طبيعة التغيرات الجديدة، وما كان يحاط بها من نظم سياسية واقتصادية، وطقوس وثنية، وعادات وتقاليد، وأنماط التفكير والسلوك الرائجين لديهم..

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …