الرئيسية | قضايا و آراء | كيف السبيل!/ علي حليتيم

كيف السبيل!/ علي حليتيم

اختلف العلماء قديما وحديثا في أي العبادات أحب إلى الله تعالى، فقال قوم هي أشقها على النفس، فكلما كان العمل أشق كان أجره أعظم، وقال آخرون هي ما كان نفعه متعديا إلى الغير كما ورد في الحديث الشريف، وقال فريق ثالث هي ما كان خالصا لوجه الله تعالى وصوابا موافقا للشريعة، وقال جماعة هي ما كان بعيدا عن الهوى والشهوات، فكم من عبادة وافقت شهوة ورياسة، فكانت أحب إلى النفس من المعاصي واللذائذ، وقال جماعة إنّ أفضل العبادات على الإطلاق العمل على إرضاء الله -سبحانه وتعالى- في كل الأوقات والأحوال بما يقتضي ذلك الوقت ويحتاجه من الأعمال والعبادات، فأفضل العبادات حين يرتفع الأذان هو الصلاة وأفضل العبادات في وقت الجهاد مثلاً هو الجهاد، وأفضل العبادات في زمن الغفلة هو الدعوة إلى الله عز وجل.

ولا شك أن لكل رأي من هذه الآراء حظا من الصواب والنظر وكل عبادة ليس فيها إخلاص غير مقبولة وكل عبادة لم تكن موافقة لشرع الله لم تكن مرضية وقد تكون باطلة وهكذا دواليك.

لكن كيف السبيل إلى معرفة أفضل العبادات في زمن بلي فيه المسلمون بالجدل بدل العمل والأماني بدل العزائم والعجب بدل الخوف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:( ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فأما المنجيات: فتقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط، والقصد في الغنى والفقر، وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه) خرجه البيهقي.

وأعجب معي أكثر إذا أردت أن تعجب أن مناصب الدين غدت هي كذلك مناصب للدنيا يتنافس عليها الـمتنافسون، يبذلون في سبيلها الجهد والفكر والـمكر حتى بلغ الداء أبناء الحركة الإسلامية نفسها كما يبلغ السرطان الخبيث أعضاء الجسد فتعتل جميعا.

إن خلايا السرطان هي عند الفحص من ذات طبيعة الجسد، فسرطان الكبد مكون من خلايا كبدية، وسرطان الرئة من خلايا تنفسية، وسرطان البنكرياس مكون من خلايا صماء، وهكذا دواليك لكنها خلايا تعمل لصالح نفسها فقط، لها غنم الجسد وعلى الجسد غرم الداء والمرض ثم هو بعد ذلك لا يملك عنها فكاكا، إن قاومها قاوم ذاته وإن تركها أتت عليه بالكلية.

ما أحكم ديننا حين جعل العمل مكونا من مكونات الإيمان حتى يقي الـمسلمين ظاهرة الإرجاء التي انتشرت وغدت وبالا على الحركة الإسلامية اليوم وما أحكمه حين جعل الجدل علامة من علامات الزيغ وما أعظم الدعوة في زمنها الأول حين ربى النبي صلى الله عليه وسلم قلة من الأخيار على اليقين والعمل حملوا الدين كله للعالم بدل الكثرة الكاثرة التي لا تغني زمن العوز شيئا.

ولست أشير حين ذكرت ظاهرة الإرجاء إلى ما يسمى الجماعة المدخلية فقط وإن كانوا هم شر مرجئة العصر على الإطلاق إذ جعلوا من مجرد الولاء للحكام عبادة تفوق كل عبادات الـمؤمنين الذين يأمرون الناس بالخير حكاما ومحكومين، لكني أشير إلى انتشارها في الأوساط الإسلامية التي كان يُنظر إليها إلى وقت قريب على أنها الحصن الحصين للإسلام وأمل الـمسلمين الوحيد في استئناف الحياة الإسلامية من جديد.

لم يعد نادرا أن تلقى ذلك النوع من “قدماء” التيار الإسلامي الذي يحسنون القول في الفكر والوعي والسياسة والنهضة وفقه الواقع ومصلحة الإسلام ويتنبأون بكل الغيوب لكنهم في العمل إما سلبيون باردون مثل الصقيع أو متسكعون على أرصفة العمل لم يعودوا يحسنون شيئا أو في أسوأ الحالات صعاليك همهم الـمناصب والجدل وإلهاء الأجيال الجديدة عن العمل.

والحل؟

كان الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- يحكي عن أحد شيوخه أنه كان يقول: أنا أؤمن بالواحد! ولم يكن شيخ الشيخ يقصد بهذه الفذلكة أنه يؤمن بالله الواحد القهار وهو تحصيل حاصل لكنه كان يقصد أنه يؤمن بالقائد الفرد الفذ الـمختار الذي سيخلص أمة الإسلام من مهاوي الردى التي وقعت فيها كما حصل دوما في تاريخ الإسلام الطويل.

سيقول الأغرار من الناس هذا كلام باطل ونحن نعيش في عصر الـمؤسسات على غرار ما يحصل في الغرب إلى غير ذلك من الأدبيات التي فيها صواب كثير، لكن هؤلاء ينسون أن شرارة التغيير في الغرب كانت رواد النهضة الذين يسمونهم في الغرب الآباء الـمؤسسون ولا يعون أن واقعنا الـمريض بحاجة إلى طبيب يخطو بالأمة خطوات حقيقية في طريق الخلاص.

لن يأتي ذلك الواحد بضرب من السحر لكنه سيكون أنموذجا موفقا للقائد الـمسلم الـمتجرد من حظ النفس والهوى الـمتسلح بالعلم والجد والربانية، فيسلك بالأمة سبيل النصر وفق القوانين والسنن، ويخرج بها من الكسل والخمول والجدل الذي يغيب كلمات الهداية في ركام من الأباطيل وأكبره أن الـمسلمين والدعاة منهم خاصة غدوا يقولون ولا يعملون ويطلبون الجاه والـمال بالدين لا يتحرجون ولا يستحون حتى قست قلوبهم فلم يعد ينفع فيهم الوعظ إلا قليلا.

هيا بنا فلينطلق كل واحد منا للبحث عن أفضل العبادة: أحبها إلى الله جل وعز وأبعدها عن الهوى وأوفقها للشرع وأنفعها للمسلمين وقد يكون أعظم النفع أن يترك الـمسلم مكانا لغيره هو أقدر على حمله، وقد يكون أعظم النفع ألا يخوض الـمسلم فيما لا يحسنه ووالله ليوفقن الله عز وجل كل طالب الهداية بصدق ساع إليها بجد حريص عليها أكثر من حرصه على الجاه والرياسة قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت:69].

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ضباب في التربية!/ علي حليتيم

‏‫في رواية عائد إلى حيفا للروائي الفلسطيني غسان كنفاني الذي قتله الموساد الإسرائيلي يحكي لنا …