الرئيسية | في رحاب الشريعة | بين البخاري ومسلم..أو علل المتن والسند(2)/ محمد عبد تالنبي

بين البخاري ومسلم..أو علل المتن والسند(2)/ محمد عبد تالنبي

أخرج الإمام مسلم (4/ 2149) عن أبي هريرة قال:” أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل..”.

أشرنا في الحلقة الماضية إلى ما وقع من خلاف بين مَن أخرج الحديث مرفوعا، ومَن أخرجه موقوفا، وأن الإمام البخاري-شيخ مسلم -أعرض عن إخراجه في صحيحه، وأعلّه بالوقف في تاريخه.

وأكثر من عرض لكلام البخاري هو الإمام ابن كثير في تفسيره، فقد نص على تعليل الحديث بالوقف -تبعا للبخاري- أربع مرات في تفسيره، والذي يعنينا منها-في بيان رأي البخاري- قوله في إحدى المرات- (1/215):” وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه عليّ بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعا”.

وأما في الموضع الثاني من تفسيره (3/426) فقد رتّب علّة السند هذه على علّة في المتن-وهي العلة الثانية- فقال:”.. فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه والنسائي من غير وجه، عن حجاج -وهو ابن محمد الأعور- عن ابن جريج به، وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال في ستة أيام، ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار، ليس مرفوعا، والله أعلم”.

ونقل البيهقي في الأسماء والصفات (2/255) عن ابن المديني قوله:” وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى”. وإبراهيم هذا متفق على ضعفه، قال ابن حجر في التقريب (ص:93):” متروك من السابعة…”.

وقال الإمام الطبري في تاريخه (1/30):” وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: اليوم الذي ابتدأ الله تعالى ذكره فيه خلق السموات والأرض يوم الأحد، لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك”.

وقال الزركشي في كتابه النكت على مقدمة ابن الصلاح (2/268):” وجعلوا من دلائل الوضع أيضا أن يخالِف نصٌّ الكتاب، كما قال علي بن المديني- في حديث إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن أبي رافع عن أبي هريرة يرفعه خلق الله التربة يوم السبت الحديث- قال:”…وكذا ضعفه البيهقي وغيره من الحفاظ، وقالوا: هو خلاف ظاهر القرآن، من أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه من جهة ابن جريج عن إسماعيل به”.

وقال الصنعاني في كتاب التنوير في شرح الجامع الصغير (5/499):” قال بعضهم: هذا الحديث في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السماوات، وفيه ذكر خلق الأرض وإقامتها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، لأن الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السماوات في يومين”.

وقال ابن تيمية في رسالة في سورة الإخلاص:(ص:10):” …فإن القرآن أخبر في غير موضع أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وقد ثبت في الحديث الصحيح المتفق على صحته أن آخر المخلوقات كان آدم، خلق يوم الجمعة، وإذا كان آخر الخلق كان يوم الجمعة دلّ على أن أوله كان يوم الأحد، لأنها ستة، وأما الحديث الذي رواه مسلم في قوله:(خلق الله التربة يوم السبت) فهو حديث معلول قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره، قال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب، وقد ذكر تعليله البيهقي، وبينوا أنه غلط، ليس مما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه، وهو مما أَنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه”.

وقال أيضا في قاعدة في التوسّل والوسيلة (67):” وكذلك روى مسلم (خلق الله التربة يوم السبت) ونازعه فيه من هو أعلم منه: كيحيى بن معين والبخاري وغيرهما، فبينوا أن هذا غلط، ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والحجة مع هؤلاء، فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه هو آدم، وكان خلقه يوم الجمعة، وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أنه خلق ذلك في الأيام السبعة، وقد رُوي إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد..”.

وفي المنار المنيف لابن القيم (84)قال:” ويشبه هذا ما وقع فيه الغلط من حديث أبي هريرة (خلق الله التربة يوم السبت..) الحديث…وهو في صحيح مسلم، ولكن وقع الغلط في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير، وقاله غيره من علماء المسلمين أيضا، وهو كما قالوا، لأن الله أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهذا الحديث يقتضي أن مدة التخليق سبعة أيام والله تعالى أعلم”.

وجاء في بدائع الفوائد (1/85) لابن القيم أيضا:”.. ولم يكن-أي يوم السبت- يوما من أيام تخليق العالم، بل ابتداء أيام التخليق الأحد وخاتمتها الجمعة، هذا أصح القولين، وعليه يدل القرآن وإجماع الأمة، على أن أيام تخليق العالم ستة، فلو كان أولها السبت لكان سبعة، وأما حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه:(خلق الله التربة يوم السبت) فقد ذكر البخاري في تاريخه أنه حديث معلول، وأن الصحيح: أنه قول كعب، وهو كما ذكر، لأنه يتضمن أن أيام التخليق سبعة، والقرآن يردّه..”.

***

بين البخاري ومسلم..أو علل المتن والسند(3)

أخرج الإمام مسلم (4/ 2149) عن أبي هريرة قال:” أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل..”.

ذكرنا -فيما سبق- أن هذا الحديث أعله أئمة هذا الشأن، وهم ابن معين وابن المديني والبخاري، ووافقهما الكثير من المتأخرين، كابن كثير وابن تيمية وابن القيم، وذكرنا أن العلّة فيه أساسا في السند، وأكّدتها علّة في المتن، حيث يرى الأئمة أن الصحيح فيه الوقف لا الرفع، وأنه من حيث المتن مخالف لما في القرآن و”إجماع السلف” كما ورد في عبارة الإمام الطبري !

و مما ينبغي ذكره أن علم العلل علم دقيق، لا يحسنه إلا أئمة كبار معدودون من المتقدّمين في زمن الرواية، وأنه -لدقّته- يشبه الإلهام والكهانة لمن لا يمارسه، فهو قائم على تراكمٍ في المعرفة والخبرة، يُسلِمان إلى نوع من الحدس، يُخبر صاحبه -لأول الأمر- بأنّ هناك علّة، قد لا يستطيع أن يَكشف عنها إلاّ لاحقا، وقد يبقى الأمر من دون تفسير، ولذلك يأتي كلامهم -في كثير من الأحيان- من غير جزم، من مثل قولهم، ويشبه أن يكون كذا، والأشبه فيه كذا، كما هو موجود في كتب العلل، وفي هذا الحديث قال البخاري:” وقال بعضهم عن أبى هريرة عن كعب، وهو أصح”. وقال ابن المديني:” وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى”.

كما أنّ الإمام مسلما يقرّ لشيخه البخاري بالسبق، فيأتي إليه ويسأله عن عِلّة في حديث ظاهره الصحة، فيخبره، وقد أورد الواقعة الإمام الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث (112-114) وهو يتكلم عن دقة العلل وأجناسها، حيث ساق بسنده إلى أحمد بن حمدون القصار قال:” سمعت مسلم بن الحجاج- وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري- فقبّل بين عينيه، وقال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله..” ثم ساق حديثا في كفارة المجلس بسنده، وسأله:” فما علته؟، قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، إلا أنه معلول..” !

والسؤال الذي لا مناص من طرحه: هل يتأتّى لعالم معاصر-لم يَعِش في عصر الرواية ولا ما بعدها– أن يُغلِّط أئمة في العلل، من مثل ابن معين وابن المديني والبخاري، ومن رأى رأيهم ممن جاء بعدهم؟ حتى ولو كان منتصرا لإمام آخر لم يَر رأيهم؟

وقد أشار ابن تيمية في رسالته في تفسير سورة الإخلاص (10) إلى بعض ما غلط فيه مسلم، ثم قال:” والبخاري سلم من مثل هذا، فإنه إذا وقع في بعض الروايات غلطٌ ذكر الروايات المحفوظة التي تبين غلط الغالط، فإنه كان أعرف بالحديث وعلله، وأفقه في معانيه من مسلم ونحوه”.

وقلنا من قبل بأن البخاري رحمه الله قد نصّ على علّة هذا الحديث تحديدا في التاريخ الكبير، فبرّر عدم إخراجه له في الصحيح، وهو ما لم يفعله في أحاديث انفرد بإخراجها الإمام مسلم، واكتفى البخاري بعدم الإخراج، ما يوحي بأن لها وجها من القبول عند غيره؟

ويُضاف إلى ما سبق أن ارتبط بهذا الحديث مخالفة صريحة لما ورد في القرآن، ونصّ أكثر من واحد على أن الإجماع على خلاف ما ورد في متنه، وبالرغم من كل هذا يعاكس الشيخ الألباني رحمه الله هذه الحقائق، ويصحِّح الحديث؟ !

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …