الرئيسية | كلمة حق | أين محاكمة الفساد علنا؟/ د. عمار طالبي

أين محاكمة الفساد علنا؟/ د. عمار طالبي

استمعت إلى كلام السيد وزير العدل مطولا حينما أكد تأكيدا صارما حاسما لا هوادة فيه محاكمة الـمفسدين مهما تكن درجة مناصبهم، وسموها في هيئة الـمناصب العلياء في الدولة والمجتمع، فأدركت أن الوضع قد تفاقم في الفساد، وعم كثيرا من الشؤون العامة التي إذا استمرت واستشرت شرورها خربت البلاد، وأتت على قواعد الدولة وأسسها، وأن يقظة أخذت تدب في أنفس الـمخلصين لوطنهم الغيورين على قيم هذا الوطن الذي ضحى من جاهد في سبيله بأنفس ما لديه، وأغلى ما يعز عليه، ولا أغلى ولا أنفس من نفسه التي بين جنبيه.

وقلت لعلنا نشهد محاكمة هؤلاء محاكمة علنيا يراها الناس، وأسبابها وعواقبها وجزاءها رأي العين، ولا تبقى سرا غامضا، يكثر الخيال في تخيل خطره وتوهم أصحابه، ودرجاتهم العليا في المجتمع والدولة، وتصورات مدى الفساد وانتشاره، وأبعاده التي تهدد اقتصاد البلاد، وسياستها بالانهيار لا سمح الله.

وشعرت من خلال تأكيده، وعزمه الشديد وصرامة وعيده أن الأمر جد، وأن الحسم قادم للقضاء على جراثيم الفساد وخيوط عناكبه، وكهوف أخطبوطاته من قبيل الأخطبوط الظاهر والخفي، وأن أمر الشفافية قد وجد طريقه إلى العلن، والظلام يشقه نور يأتي على ظلمته، وفلق الصبح يسفر عن الـمستور الخفي، ليصبح في وضوح وشيء جلي مما يدل على العافية بعد الأسقام، فإن الضمائر اليقظى شفاء لـما في الصدور، وجلا لـما هو مستور إذا أعقبها الحساب، والمحاكمة والعقاب لتطمئن النفوس على مصير الوطن، ومقوماته، من خرائب الضمائر، وجشع البطون، فلا تشبع، وتسلط الـمطامع فلا تقنع بما جمعت من الـمال والسلطة والسفه، وغاب عنها الرشد والخلق.

وأعتقد أن المسؤولية لا تقع على العدالة وحدها وقضاتها في تطبيق القوانين وتنفيذها بصرامة لا هوادة فيها، وتجنب كل سبيل للرشوة والوسائط، والأوامر، وإنما على المجتمع وعلى الـمثقفين وذوي الغيرة على الوطن، وذوي الضمائر الحية وهم كثر في البلد، أن ينهضوا بواجبهم في محاصرة الفساد، وتعقب الـمفسدين وعدم السكوت عما يرونه من فساد، وتخريب أموال الأمة وثرواتها واقتصادها، فالساكت على الفساد أخرص، ومعين على انتشاره.

فعلى الجمركي، والدركي، والشرطي، والإداري، والـمربي، والـمواطن مسؤولية، وواجب في هذا المجال في فضح الـمفسد إذا اتضح فساده وظهر للعيان، أما إذا كان الجمركي يرتشي والدركي والشرطي والإداري ذا طمع يخل بوظيفته وأمانته فإن باب الفساد ينفتح على مصراعيه ويغيب مفتاحه وغلقه.

أرجو أن أرى محاكمة هؤلاء من كبار الـمفسدين الذين خانوا أمانة سلطتهم، واستغلوها في الفساد وحمايته أن أراهم يحاكمون وأن لا يقتصر الأمر على عزلهم من مناصبهم.

ثم لا يلبثون أن يتولوا مناصب أخرى ربما أعلى وأمكن جزاء لهم على فسادهم ليتمكنوا من فساد أوغل في خراب الاقتصاد وأجشع في ملء الجيوب والبطون والبنوك الخارجية، والفنادق، والقصور، والتجارات فلا محاسب ولا رقيب.

وهذه إفريقيا التي كثر فيها الفساد، فساد القادة يصبح الفرد دخله أقل من دولارين، حيث يبلغ عدد سكانها 400 مليون، وانتشر الفساد في أغلب دول القارة مع توفر ثروة عظيمة من البترول، والمعادن، والأراضي الصالحة للزراعة، ولكن أهلها يشكون الفقر ويهاجرون وينتحرون في البحار، هربا من التعاسة والبؤس مما يسببه فيها فساد الأنظمة وتعفن ضمائرها، إذ بلغ الفساد حوالي 860 مليار دولار في السنة الواحدة حسبما تؤكده التقارير، ولذلك اتفق المؤتمرون أخيرا على تعيين يوم لمحاربة الفساد، والأجدر بهم أن يحاربوا الفساد يوميا لعلهم يقضون على بعضه ويخففون من أضراره وآثاره.

نريد أن يجري في بلادنا ما يجري اليوم في ماليزيا، من قطع جذور الفساد الـمالي، واستغلال السلطة للاستيلاء على الأموال، والتحكم في القضاء والعدالة بالأوامر وعزل من لا يستجيب لهم وتولية من يطيعهم، وينفذ أوامرهم من القضاة.

إن الجمع بين الـمال والسلطة وتحالف رؤوس الأموال مع السلطة، جرثومة كبرى للفساد ونجاته من العقاب وبعضهم يلجأ إلى الطرق الصوفية ليحصل على البراءة وصكوك الغفران إن هذا لـمنكر الـمناكر، وأفسد الفساد، تشجيعا له، واستكثارا منه، وتحصينا لأصحابه من أن تنالهم محاكمة أو عقاب، بل مباركة لهم أن يتولى مناصب أعلى، وسلطة فائقة تتسع للفساد أكثر.

فأين منظمة مقاومة الفساد، وهي تبدو جاهدة في هذا السبيل، وأين الصرامة في القضاء وتنفيذ الأحكام العادلة، والسكوت عن كبار المفسدين ومتابعة صغارهم والتماطل في حسم القضايا سنين عددا، مما يفوت مصالح الناس ويضيعها باطلا.

ثم ما هذا العجز عن تنفيذ الأحكام الصادرة، وترك صاحب الحق يتخبط ولا معين له في أخذ حقه، فهل المحاكم تكتفي بإصدار الأحكام في الأوراق، وتترك الحكم بلا ثمرة.

فهذا يساعد الـمفسدين الظلمة على الإصرار على فسادهم، بل يشجعهم عليه أكثر.

فهل تعالج المحاكم الـموقرة هذا الأمر؟

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ما حجة بعض الناس الذين يحذّرون من اللقاح ويفتون بتحريمه؟

أ د. عمار طالبي/ نسمع من حين لآخر التخوف من اللقاح، وبعض الناس يزعمون أنه …