الرئيسية | على بصيرة | الخامس من يوليو، من الاستقلال إلى الاستغلال/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

الخامس من يوليو، من الاستقلال إلى الاستغلال/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

 

 

يا شهداءنا الخالدين !

يا علماءنا العاملين !

يا مجاهدينا الميامين !

بشراكم، إذ تحقق منذ أكثر من خمسة عقود –مبتغاكم، بطرد المحتلين الغاصبين! وطوبى لكم عندما تجسدت مناكم، ببزوغ فجر استقلال بلدكم، بعد ما يزيد على قرن وربع قرن، من مقاومين الظلم والظالمين!

واليوم، وشمس الذكرى، تطلع، حاملة، حرارة الطبيعية الخانقة، وسط برودة المشاعر الساحقة، ألا بحق للراحلين الخالدين، أن يسائلوا أبناء الأجيال الصاعدين ماذا فعلتم بإرثنا الثمين؟

لماذا اصفرّ الزرع، وجفَّ الضرع، وغاب القانون والشرع؟

ما الذي أدى إلى اختفاء القيم، وفساد الذمم، وسقوط الهمم؟

لماذا تبدل الإنسان، وتغير البنيان، واختل المعيار والميزان؟

لقد صغر ما كان كبيرا، وذبل ما كان غزيرا، وكبر ما كان ذليلا وحقيرا.

هذه –أيها الماهدون الخالدون- هي صورة جزائرنا الحبيبة، وقد تحوّل اخضرارها إلى اصفرار، وتشييدها إلى اندثار، وتقدمها، إلى تخلف، وتبعية، بعد إعمار وإكبار.

بأي وجه –إذن- نلقى الخامس من يوليو عندما يسائلنا صانعوه، ومهندسوه، عن هذا الوجه الشاحب الذي، تحيي به الجزائر عيد استقلالها؟

أمن قلة نحن اليوم، يا أيها الخالدون؟ أم من ذلة، استبدت بنا، فأصابت مواطن العزة، والعفة، في البطون والذقون؟

هل نحن -حقا- الذين كنا، مضرب المثل في التضحية، والفداء، والاستشهاد؟ وهل نحن الذين كنا رمز الإعداد، والاستعداد، والإمداد؟

إنّ عين الحسود أكبر، قد أصابتنا ولاشك، فحولت وحدتنا إلى شتات، ونعمتنا إلى قُتات، وقوتنا إلى كيانات.

فمن كان يظن أن اقتصاد الدينار ينهار، فيتحكم في مصيرنا سوق المضاربين في “السكوار”؟

وإنّ من علامات قيام الساعة في الجزائر الخالدة، أن يجرؤ، فيها من يطالب بتجزئتها السياسية، والثقافية، والاجتماعية؟

وإنها لخيانة لله، ولرسوله، وللمجاهدين والشهداء، والمصلحين، أن تعلو -اليوم- في جزائرهم ثقافة المحتل الغاصب الناهب على ثقافة الوطني، الأصيل المجاهد الكاسب.

فالمحيط الثقافي، الذي تقام فيه ذكرى الخامس من يوليو، تلوث، بحروف ثقافة المستعمر، فعلت هذه الثقافة الغازية، على لغة الوطن والدين الأبية، الغالية.

إنّ هذا الجيل الصاعد، جيل الاستقلال الذي فتحنا له المدارس والجامعات، وبنينا له الملاعب والمنشآت، ووهبنا له المنح والامتيازات، هو من يقوم بهدم الرموز والمقدسات، ويعلي ذهنية الفنانين والفنانات، على ثقافة العلماء، والمجاهدين، والخالدين من الشخصيات.

سبحانك اللهم ! حوّلتَ مدنا إلى جزر، فمنينا بالهزائم بعد النصر، وقابلنا النعم بالنكر بدل الشكر،  وها هي ذي آفات “الكوكايين”، والخمر والعهر، وكل ما يمس، بالقيم، والأخلاق والفكر. هل هي عفوية –من الله- حلت بنا، فحولنا الاستقلال إلى استغلال، أو إلى “استحلال” على لغة أخينا العزيز الدكتور أحمد بن نعمان؟

لا نريد أن نغرق في اليأس والتشاؤم، فنصاب بالمزيد من الخور، ولكن، ما حيلتنا، إذا كان كل شيء يوحي بهذه النهاية الحزينة؟

وكيف الخلاص مما نخن فيه، والخروج من هذه الحالة المهينة؟

كيف ننهار، وفينا الصالحون، والمجاهدون المخلصون، والشهداء الخالدون؟

إن الخطوة الأولى، هي أساس الألف ميل، ويجب الابتداء من البداية.

فأساس بناء الوطن والمواطن، هو بناء العقل. ولا بنيان للعقل، خارج منظومة تربوية سليمة نابعة من قيمنا، عاكسة لطموحاتنا، مجسدة لعقيدتنا، ووطنيتنا.

وأساس بناء الوعي الوطني، ينطلق من الإعلام الوطني الهادف، الذي يدخل بيوتنا، فيشيع فيها الوئام بدل الخصام، والوحدة بدل الوخذة، والمحبة بدل الكراهية، فأين إعلامنا من هذه القيم المنشودة؟

وأساس استقرارنا، يقوم على إشاعة العدل، ومحو الظلم، والتمكين للجيل الصاعد، من إيجاد الطمأنينة النفسية، في بيت سعيد، وتكوين سديد، وعمل مجيد، فنحول دونه ودون المغامرات المشؤومة، كركوب القوارب الملغومة، والإقدام على الاتجاهات المتشددة المذمومة، وتلك هي نوافذ الشر التي تتسلل إلينا  منها، كل أنواع الشرور، وآفات الفجور.

إن الوطن جريح بشبابه، مريض بنسائه، منكوب بتجاره واقتصاده، فكيف يمكن الخلاص مما هو فيه؟

نعتقد أن سيف الحجاج العادل، يجب أن يطال كل من تسوّل له نفسه المساس بقدسية الوطن والمواطن، أيا كان موقعه، ومهما يكن مستواه، فقداسة الوطن، يجب أن تسود وأن تعلو على كل الاعتبارات والاختيارات.

إن ما يرسل به وطننا اليوم من رسائل الاستغاثة، ونداءات النجدة، لحري بكل مسؤول شريف حر، أن يسمع النداء، ويستجيب له.

وحري بكل مواطن صادق المواطنة والوطنية أن يهبّ لنجدة الوطن حتى يخلصه مما هو فيه.

وطن يباع ويشترى   وتصيح فليحيا الوطن

لو كنت تبغي حقه     لبذلت من دمك الثمن

ولقمت تندب حظه     لو كنت من أهل الفطن

فيا شهداءنا الخالدين!

ويا علماءنا العاملين!

ويا مجاهدينا الميامين!

ويا أبناء جيلنا الصاعد التائهين!

إننا ونحن نحتفل اليوم بالذكرى السادسة والخمسين لاستعادة استقلالنا الوطني، مطلوب منا أن نقرأ بقلوب واعية، وعقول مفتوحة، ما يبعث به إلينا وطننا من رسائل مشفرة، وصريحة، كي نحول دون تحويل نهره مصب الاستغلال، وإبقائه في نبع الاستقلال.

إنها وديعة الشهداء في ذمتنا، وإنه لعهد العلماء في ضمائرنا! إنها لأمانة ثقيلة، فلينظر كل واحد وكل واحدة منا ما نحن فاعلون بهذه الأمانة، وبهذا العهد؟

حذار فإن سيف التاريخ سلاح لا يرحم!

وحذار فإننا جميعاً  مسؤولون، عن صياغة التاريخ، وتصحيح مساره، وإن مشعل التاريخ المضيء، كما تسلمناه من الماهدين من أسلافنا، يوشك أن ينطفئ بين أيدينا، وإذا وقع ذلك، -لا سمح الله- فإنها للعنة أبدية ستظل تلاحق ذاكرتنا، وحينها سنندم، ولاة ساعة مندم.

اللهم إني قد بلغت! فاللهم فاشهد!

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

القدس: عظَمة الصِّغار وصَغار الكبار

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إن ما يكتبه شبان وشابات بيت …