الرئيسية | في رحاب الشريعة | لا تنتقدوا السلفية !/ عبد العزيز كحيل

لا تنتقدوا السلفية !/ عبد العزيز كحيل

يبدو أن ما يسمى السلفية تُرعب بعض الإسلاميين أكثر ممّا يرعبهم أعداء الإسلام وخصومه حتى إن هؤلاء الإسلاميين لا يجرؤون على انتقاد هذا التيار وأطروحاته ورموزه مهما ظهرت أخطاؤه وتضخّمت وانتشرت وأدّت إلى عواقب وخيمة يصطلي بنارها المسلمون كلّ يوم في أكثر من بلاد عربية وإسلامية وأجنبية، ويمتدّ شررُها ليصيب الإسلام ذاته ويعطي عنه أبشع صورة.

فكم من عالم دين مشهور أو داعية مرموق يرفع صوته بالنكير على تصرّفات أفراد أو جماعات أو تيارات عاملة في الحقل الإسلامي يرى فيها اعوجاجا أو شذوذا فيأمر بما يظنه معروفا وينهى عمّا يراه منكرا، وقد يشدّد في أمره ونهيه، إبراء للذمة وتبصيرا للعاملين، فإذا تعلّق الأمر بما يسمى السلفية أغمض عينيه وصمّ أذنيه ولاذ بالسكوت وتذرّع بألف ذريعة حتى يتوارى عن المشهد ولا ينتقد ذلك البعبع المخيف، فإذا أرغمته الظروف على الكلام تناول الموضوع بقفازات من حرير واستعمل التلميح بدل التصريح وأخذ بالمداراة والمداهنة، وعمّم وتجنّب التخصيص، وقال – إن تجرّأ على ذلك – ما بال أقوام؟ فَلِمَ يا تُرى هذه ” الحكمة ” هنا وتلك ” الشجاعة في الحق” هناك؟ لأنها الوهابية…وراءها المال والنفوذ واللسان السليط وأشياء أخرى.

ويبلغ الأسى مداه حين تفتح جرائد إسلامية صفحاتها لما تسمّيه النقد البناء داخل الكيان الإسلامي بشرط – ضمني بطبيعة الحال – هو النأي عن انتقاد السلفية، وكم من صحفي إسلامي غيور على دينه، حريص على تنقية الصفّ ومواجهة الأمراض الداخلية وتناول المراجعة الدائمة لمسيرة العمل الإسلامي لا يجرأ على كتابة مقال لا يعجب هؤلاء، بينما يُطيل التنظير إذا تعلق الأمر بجماعة الإخوان ويبرز ما اقترفته في مسيرتها الدعوية والسياسية من أخطاء وربما اعتبر شيئا من سعيها خطايا تستحق الزجر والتنبيه الغليظ، وأنكر على بعض رموزها ما يرى فيهم من شطط أو غلوّ أو تساهل في أمر الدين، وسمّاهم بالأسماء، وقد يعذرهم وقد لا يعذر، وقد يصرّح في كتاباته أنه إنما يفعل ذلك إحقاقا للحق وأنه لا يخاف في الله لومة لائم، هذا إن كان صاحب أسلوب مهذّب، وكم من كاتب مال إلى التجريح الصارخ…لكنك لن تجده كتب مقالا يذكر أخطاء أدعياء السلفية، فإذا تسلّح بجرأة كبيرة واقتحم هذا الحمى توارى خلف التلميح وذكر الإيجابيات ولو كانت موهومة وأحجم عن “الإساءة ” إلى أيّ من رموزها ولو بالتنبيه على خطأ علمي أو موقف فيه نظر.

وكم من كاتب أو صحفي أو خطيب – من الصف الإسلامي – يتناول الصوفية بميزان الجرح والتعديل، ويركّز على سلبيتها ولا ينسى موقفها المتخاذل من الثورات العربية وانحيازها للأنظمة المستبدّة وإفراغها للإسلام من محتواه الاجتماعي الحيّ، لكنه يسكت عن أفعال تلك الفرقة وهي أشدّ ممّا عليه الصوفية من اصطفاف مع الحكام ضدّ الشعوب وتخذيل للأمة وقتل لفتوّة الشباب وفرار مريع إلى الماضي واختيار صفّ العلمانية المتوحشة والكنيسة القبطية حين تراءى الجمع الإسلامي وخصمُه.

وكم كتب هؤلاء عن داعش والقاعدة والنصرة وبوكو حرام وخوّنوهم وخوّفوا منهم واكتشفوا أنهم خطر على الإسلام والمسلمين، لكنهم لم يكتشفوا حقيقة ناصعة يراها كلّ ذي عينين هي المحضن الذي تخرج منه هؤلاء ” المتطرفون “، أو قُل هم يعرفونها لكنهم يتحدثون على الأعراض ويتركون المرض، ويركزون على الفرع بينما الأصلُ ماثل أمامهم يتجاهلونه، ويهتمّون بالنتيجة ويغفلون السبب، والجميع يعرف أن هؤلاء ” التكفيريين السفاكين للدماء ” خريجو المدرسة الفقهية والتربوية التي لا تؤمن إلا برأي واحد ولا تصوّب إلا منهجا واحدا هو الفقه الحنبلي بقراءته الوهابية الحادّة، وهم الذين لقّنوهم مفهوم الولاء والبراء وقلّصوا مجاله حتى لا يشمل إلا أتباعهم من دون المسلمين، هناك تعلموا إنكار الآخر وتصنيف التيارات الإسلامية الدعوية وأعلامها في خانة المغضوب عليهم، وأُورِثوا قسوة القلوب وإغلاق العقول، وامتلأت أذهانهم ببُغض من يخالف ما استقرّ عليه رأيهم، وبالغوا في الإنكار على مخالفيهم في الجزئيات والفروع فضلا عن الأمور الكبرى والقضايا الكلية، وصنّفوهم مع الأعداء الألداء، فلما أُتيح لهم السلاح نفّذوا ما شُحنوا به، ولأنهم يزدرون العقل ودوره ودَرَجوا على الحرفية والسطحية سهُل على القوى العالمية والإقليمية استدراجُهم إلى تنفيذ مخططات كلها فساد ومصائب يعاني منها الإسلام والمسلمون هنا وهناك وهنالك..

علماؤنا ودعاتنا الكبار وجرائدنا الإسلامية ومراجعنا الدينية – إلا قليلا منهم – يعرفون كلّ هذا لكنهم يؤثرون السلامة خوفا من الردود الغليظة والتصنيف المتسرّع الذي يزخر بالتفسيق والتبديع والتضليل والتكفير، وربما يخشون القوى السياسية والمالية التي تعضد هذا التيار لحاجة في نفسها لم تعد تخفى على المراقب الحصيف، وأعرف علماء كبارا يحسنون – في المجالس الخاصة – تحليل الظاهرة السلفية والتحذير من منهجها المغالي وعواقبه الوخيمة على الأمة وعلى الإسلام، غير أنهم لا يجاهرون بذلك أبدا رغم وفرة تأليفهم وكثرة كلامهم العام، فإذا اضطروا إلى اتخاذ موقف علني من هذا التيار المخيف عمدوا إلى العبارات العامة والقول المتشابه، فأين التقوى وأين الأمانة العلمية؟ إذا كانت المجاهرة بكلمة الحق خطيرة إلى هذه الدرجة فمن الأفضل لهؤلاء العلماء والدعاة والصحفيين أن يشتغلوا بالأدب أو الفن أو التجارة ليستريحوا ويريحوا.

وليس المطلوب بطبيعة الحال مقابلة تكفير بتكفير أو إساءة بإساءة، فهذا ما لا يؤمن به عالم رباني ولا داعية له وعي، إنما المطلوب مقاربة علمية تربوية هادئة شجاعة توسّع ما ضيّقته هذه السلفية المزعومة وتعيد الاعتبار لمختلف المدارس الإسلامية سواء الفكرية منها أو الفقهية والدعوية التي يحاربونها منذ مدة باسم السلفية، مثل الأشعرية والمذاهب: الحنفي والمالكي والشافعي المعروفة جميعا باعتدالها النظري والعملي كما دلّ التاريخ الثقافي والعلمي والاجتماعي للمسلمين، أما السكوت عن تمدّد الوهابية وغلوّها في التربية والتنظير والتأصيل فلن يجرّ على الأمة إلا مزيدا من المآسي، أي إذا تمادى العلماء والإعلاميون في التنديد بالنتيجة والتغاضي عن مقدماتها وأسبابها…ربما خوفا أو طمعا.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فتنة التطبيع الشنيع من قبول الاحتلال إلى الرضا بالاستذلال

أ. محمد مكركب/ لماذا رضي بعضُ حكام العرب الدنيويين باحتلال فلسطين منذ عقود، وسكتوا عن …