الرئيسية | قضايا و آراء | مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة النبوية/ خير الدين هني

مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة النبوية/ خير الدين هني

– النسب الشريف-

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرشي الحسب والنسب، فلم يكن بطن من بطون قريش إلا وله  صلى الله عليه وسلم به صلة نسب، ولقد روي عنه صلى الله عليه وسلم من طرق مختلفة، أنه قال: خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء، وهذا رواه ابن عدي عن علي بن أبي طالب، وسند المرسل جيد، وفي صحيح مسلم من حديث واثلة بن الأسقع عن الني صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بي هاشم”.

وروى الإمام احمد عن المطلب بن أبي وداعة، قال، قال العباس: بلغه صلى الله عليه وسلم، بعض ما يقول الناس، صعد المنبر، فقال: “أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعله فرقتين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا”.

وفي هذا الحديث تفنيد قاطع لمن شغل نفسه من المستشرقين وجهلة العرب، بلغوِ الكلام وسقطه، وهذيان الحديث ولهوه. فلو كان العرب طوطميين وأموميين لعيرتهم بهما الفرس والروم والأمم المحيطة بهم. وبخاصة شعوبية الفرس حين كانوا يتفاخرون على العرب وهم مواليهم يتقربون بالانتساب إليهم، حينما أصبحوا سادة العالم ورواده، وملؤوا الدنيا حياة وحركة وعلما وفقها وفلسفة وعمارة،  حيث دكوا معاقل الفرس والروم وغيرهما من الوثنيين وعبدة الطاغوت. فلقد بحث أصحاب الحركة الشعوبية من المجوس عن مثالب العرب فذكروها وعددوها لينتقصوا من أقدارهم، ولكن لم يثلبوهم بالطوطمية والأمومة مع أنهم كانوا مثاليب معيابين، وهل توجد منقصة في أمة أكبر من أن تكون أمة مسافحة لقيطة؟

والسفاح كظاهرة جزئية – وهي إحدى الرذائل- كانت ومازالت منتشرة بين الأمم ولاسيما بين صعاليكهم وأوباشهم وأراذلهم، وهي في الغرب اليوم تحولت إلى ظاهرة تطورية عامة، وتوسع نطاقها لدى الطبقات الراقية، وقد تجاوزوا ذلك إلى ما هو أشنع وأقبح، فتحولوا إلى مجتمعات سحاقية ومثلية، وشرعوا ذلك في قوانين ثابتة وصارمة، وهذا أحد شيوخهم وأكثرهم ثراء وغناء نائب رئيس دولة عظمى، فاخر بذلك أمام عدسات العالم بأن ابنته سحاقية، وهو لذلك سعيد وفخور.

والذي يعرفه التاريخ وهو محفوظ في مظانه، أن الفرس في عهد الملك (قباذ) بن فيروز أبي كسر أنو شروان، هو الذي جعل السفاح عقيدة دينية نشرها بين الناس بقوة الدولة، ذلك أن كسرى وقع تحت تأثير مسيلمة الفرس الكذاب (مزدك: 487م)، الذي كان قد اطلع على شيء من التعاليم اليهودية والنصرانية والبوذية والبراهمية، فلما أنس في نفسه القوة ادعى أنه قادر على قيادة ثورة اجتماعية لحل  مشكلات الناس القائمة على الصراع على المال والنساء، فجعلهم شركاء في المال والنساء كما أنهم شركاء في الماء والنار والكلأ. وقد لقيت دعوته قبولا كبيرا لدى الشباب والحكام والمحرومين والمترفين، فشاعت الفاحشة والرذيلة.، وكان الرجل يغلب على أهله ونسائه وماله، قال الشهرستاني: “أحل النساء وأباح الأموال وجعل النساء شركة بين الرجال كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ..” (الملل والنحل، ص: 86).

وقال الطبري: “افترص القلة ذلك واغتنموا مزدك وشايعوه فابتلي الناس بهم، وقوى أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع عنهم. حتى صاروا لا يعرف الرجل ولده ولا المولود أباه..”. (تاريخ الطبري: 88).

وقد أقنع مزدك الملك قباذ بأن يترك زوجته ليسافحها غيره، كيما يقنع الناس بصدق إيمانه ودعوته، وكبر ذلك على ابنه أنو شروان، فناظر مزدك، فلما غلبه قتله وخلص الناس من شره وبلائه. وكان أفلاطون قبله قد دعا إلى ما يشبه ذلك من الشيوعية الإباحية، فلما جاء ماركس تبناها بشيء من الدهاء والتحايل والخديعة، إذ ركز فيها على الجانب الاقتصادي وفوائض المال لدى الأغنياء. كيما لا يحرج أتباعه والمعدمين من الناس الذين مازال لديهم فضل من الإيمان برسالة السماء.

أهمية السيرة النبوية:

السيرة النبوية مجال خصب بفيوض من المعارف المتدفقة، الناتجة عن أحواله صلى الله عليه وسلم وظروف نشأته وصراعه مع قوى الشر والبغي والضلال، وكذا هديه ودعوته إلى طريق الحق والرشد واليقين، فهي مجال فسيح لمن أراد أن يتعرف إلى شخصه الكريم، وما أحاط به من خطوب ومحن وإحن وظروف قاسية وأهوال يشيب لها الولدان، وحروب ومغاز وسرايا وبعوث،  ويتم وحرمان وجوع  وتآمر على الاغتيال  أو القتل، والوقيعة والدسيسة والغيبة والنميمة والقطيعة، والهمز واللمز والعذاب البدني والمعنوي.

فوائد السيرة النبوية:

ومن فوائد السيرة النبوية، أنها تعين على فهم كتاب الله وتدبر معانيه وتأويل متشابهه، ومعرفة أحكامه ومقاصده، والتعرف إلى أحاديث النبي وما تضمنته من تشريع  وتعاليم وهدي ورشد وبلاغة وفصاحة ولسن وبيان، إذ أنها هي الترجمان التفصيلي لما أجمل في القرآن وما غمض منه، أو أبهم لصعوبة لفظ أو سياق أو بيان أو معنى، وهي التي تجسد مبادئ الإسلام، وتوضح  تعاليمه المفروضة والمسنونة والمستحبة والمباحة. وهي التي تبين شريعته وعقيدته وأحكامه وعباداته وأخلاقه وآدابه، وأبعاده التعبدية وعلاقات المؤمن بذاته وبالناس وبخالقه. في علاقة أرضية وكونية متلازمة ومتناغمة في كينونة تامة لا تنفك ولا تزول ولا تريم، ونتعرف إلى غزواته وسراياه وبعوثه، ومعاهداته وعهوده ومراسلاته وموادعاته وعفوه وتسامحه، ومن خلالها نتعرف إلى جيل الصحابة الكرام، وتضحياتهم وبطولاتهم وملاحمهم التي خاضوها من غير خوف ولا وجل، ولا سأم ولا ملل، وما لاقوه من ألوان العذاب والهوان في سبيل مرضاة الله، وما وهنوا وما ضعفوا وما خاروا وما استكانوا وما استسلموا، ونتعرف إلى الوثنيات وطقوسها وأصنامها وأوثانها ونصبها ومواقعها وقبائلها ورموزها، وإلى طبيعة الشرك ومبتدعاته، وكيف تحول إلى عقيدة ثابتة راسخة في عقول الناس؟ وكيف كان الوثنيون من العرب والعجم ينافحون عنه ويجودون بأموالهم وأنفسهم من أجل بقائه ورواجه بين الناس؟

k.henni12@gmail.com

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

المعاملة هي روح التدين الحـــــق..

مداني حديبي/ ألا تتعجب معي لحال ذاك المتدين الذي يلزم الصف الأول ولا تفوته تكبيرة …