الرئيسية | قضايا و آراء | خدمة العربية…كيف؟ (2/2) أفكار عملية، وأخرى عملية أيضا…!/ حسن خليفة

خدمة العربية…كيف؟ (2/2) أفكار عملية، وأخرى عملية أيضا…!/ حسن خليفة

هذا هو الجزء الثاني من المقال الذي سبق نشر الجزء الأول منه في الأسبوع الماضي، والذي خُصّص لخدمة اللغة العربية، واقتراح بعض ما يمكن أن نخدمها به، وهي مجرد رؤية اجتهادية بسيطة تحتاج إلى مناقشة وتوسّع وإثراء.

وقد تم لفت النظر إلى الاستفادة القصوى من المتاح والممكن؛ خاصة من الهيئات الرسمية وغير الرسمية الموجودة في ساحتنا الوطنية، ومنها بالأخص: المجلس الأعلى للغة العربية، والهيئات الأخرى ذات الصلة، وبيان أن ذلك التعضيد يعزز الجهود المتصلة بخدمة العربية ويوسّع انتشارها ويعمّق آثارها، وكل ذلك أمر ميسور يحتاج ـ فحسبُ ـ إلى المتابعة والاهتمام والبحث والاستفسار والاستكشاف والتعرّف؛ خاصة في ضوء الوسائط الإعلامية الإلكترونية المتوفرة في الشبكة عموما، أو في وسائط التواصل الاجتماعي المتعددة، أو في أي وسائط إعلامية أخرى جادة.

ويعني أن أبسط الكلام في هذا الجزء الثاني من المقال – في طرح بعض الأفكار العملية التي أتصوّر أن بالإمكان خدمة العربية الشريفة بها خدمات جليلة- تُعين على بسط سلطانها وتقوية بنيانها، وشيوع استخدامها على النحو الذي يحقق الهدف في جعلها اللغة الأساسية والمحورية في حياتنا كلها. وليسمح لي القارئ الكريم بإشارات خاطفة إلى ذلك العمل العظيم الذي قام به الروّاد في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قبل عقود، عندما “أنشؤوا” وجهّزوا وأعدّوا تلك الجيوش اللامعة من التلاميذ وطلاّب العلم، وربّوهم على أحسن تربية، فكان منهم الخطباء، الشعراء، الأدباء، الصحفيون، الكتّاب، قادة الرأي والتوجيه، والقضاة والمربّون (المعلمون). وقد أشارت الدراسات إلى أن الجمعية – بتيسير من الله تعالى لها- أعدت نحو أربعين ألفا من الطلبة خلال عقود قليلة، كانوا ثمرات العمل التربوي والتعليمي، وهؤلاء الذين هيأتهم الجمعية هم الذين حملوا راية صيانة العربية العزيزة، والمحافظة على هُوية المجتمع الجزائري، رغم كل الظروف والصّروف.

في الوقت الحاضر، لا يختلف الأمر كثيرا، خاصة ونحن نرى بابتهاج وسرور وحبور الكثير من مظاهر الخير، ومشاهد القوّة والمُكنة في هذه الأجيال الجديدة التي تتحدث العربية بنقاء وصفاء واقتدار، ونرى تلك الكواكب من الفتيان والفتيات والشباب وهم يرتلون القرآن الكريم ويجوّدونه، ويتحدثون بلسان عربي فصيح، ويحقّقون النتائج الباهرة في المسابقات الدولية والإقليمية، في حفظ القرآن وترتيله، وفي المسابقات ذات الصلة باللغة العربية والقراءة والتفوّق والتميّز، ويرفعون عاليا اسم الجزائر، كما نرى ـ أيضا ـ الكثير من المشاهد السارّة في مدارس الجمعية ومناشطها واحتفالاتها الموسمية والسنوية، نرى تلك البراعم الصغيرة والعصافير الجميلة من الأطفال ذكورا وإناثا، وهم “يبلبلون” (من البلابل) بالعربية الأنيقة الساحرة، ويقدّمون المسرحيات والمشاهد التمثيلية، ويقرؤون الشعر والنثر على أمثل ما تكون القراءة ضبطا ومخرجا للحروف، ونقاوة وجمالا وحُسن أداء.

كل ذلك وغيره يثير فينا شعورا بالاعتزاز والسعادة، كما يعيد إلينا الثقة في تحقيق الأفضل، ويفتح لنا آفاقا واسعا في إمكان الاستدراك فيما يتصل بموضوع خدمة اللغة العربية، إن نحن أحسنّا ـ بالفعل ـ الاستفادة من الإمكانات والمعطيات المتوفّرة، واقتدرنا على توظيفها توظيفا منهجيا إيجابيا، فنكثّف من العناية، ونسدّد في مجال اللغة العربية، ونعدّ البرامج المحققة للآمال، في سياق عالمي ترتفع فيه أسهم اللغة العربية استخداما واهتماما؛ إذ هي (العربية) ضمن اللغات العشر الأولى في العالم استخداما واستقطابا. فما هو المطلوب تحديدا لخدمة العربية؟

هناك الكثير مما يمكن أن يُقدّم من أفكار وطروحات، وليست هذه السطور سوى لإثارة الاهتمام والدفع إلى عصف ذهني حضاري مجتمعي، يستحضر عظمة هذا الأمر (خدمة اللغة العربية)، ووجوب العمل من أجله بكل ما يمكن. وفي سبيل الإسهام في بلورة مشروع خدمة أقترح هذه الأفكار العملية:

  • أجدد التذكير بأهمية الاستفادة من المتاح، خاصة ماله صلة بالمؤسسات المعنية بخدمة اللغة العربية، وقد ذكرنا بعضها كالمجلس الأعلى للغة العربية، ويمكن العمل (في إطار الجمعية والتعاون مع غيرها) على إعداد دليل دقيق وشامل عن المؤسسات المهتمة بالعربية المعنية بخدمتها، لتعريف الجمهور الواسع بها، وربط الصلة بين تلك المؤسسات والباحثين والمهتمين والمهتمّات بصفة خاصة، وعموم الجمهور صاحب الخلفية المهتمة باللغة العربية، بصفة عامة.
  • العمل على توزيع المطبوعات ذات الصلة باللغة العربية على نحو يمكّن من إيصالها إلى من يفيد ويستفيد.
  • التعريف الإعلامي الواسع، في عروض ومطويات وملخّصات، للمصادر والمراجع ذات الصلة بالعربية، وتوظيف ذلك في إطار عمل منهجي يستهدف إيصال المعلومة إلى كل من يحتاج إليها.
  • العمل على إنتاج برامج تلفزيونية وإذاعية في هذا المجال، وسيكون له نفع كبير، خاصة باعتماد أساليب مبتكرة، سواء تعلق الأمر بالتصويب اللغوي، أو بالتشجيع على استخدام اللغة العربية أو سوى ذلك بما يعزز القناعة بأهمية العربية.
  • العمل على إطلاق مسابقات نوعية، في مختلف الوسائط والوسائل، ذات جوائز مهمّة، لتشجيع الأجيال على استخدام اللغة العربية، وتداولها بشكل سلس، وبيان مزاياها وخصائصها وجمالياتها.
  • كما يمكن إطلاق جوائز وطنية في شكل “أبحاث” و”ملخصات” ذات صلة باللغة العربية في علومها وفنونها.
  • الاهتمام بتدريب الطلاب في الجامعات على المهارات اللغوية كتابة وحديثا، في شكل برامج تطوير وتحسين برعاية كليات الآداب وأقسام اللغة العربية (وما أكثرها) بما يعزز استخدام اللغة العربية بصيغ أفضل وأنجع، وبما يحسّن أداء الطلاب والطالبات في مجال اللغة العربية في التعبير الشفوي والكتابي، وفي الاستيعاب الجيد لما يُقرأ.
  • إقامة المهرجانات الأدبية والإبداعية (شعر ـ سرد ـ مسرح) للتباري والتنافس، والإلقاء والخطابة والحديث؛ ويمكن أن يُدرج ذلك في سياق إعداد الأجيال للقيادة، وتعليم المتميزين والمتميزات لمهارات التواصل والحديث ابتداء، وهو من مفاتيح التأهيل للشباب في المجتمعات المهتمة بأبنائها وبناتها.
  • إعداد برامج ميسّرة لتعليم العربية وتعزيز حضورها في واقعنا الحياتي المعيش، وهذا عمل يحتاج إلى تكاتف الجهود وتعاون وتشارك الكثير من الهيئات: المسجد، المؤسسات التربوية، الجامعات، الهيئات العلمية، المجالس العلمية، الدعاة، الجمعيات والمؤسسات ذات الصلة. فلو أن كل هيئة ومؤسسة قامت بنصف الواجب في خدمة اللغة العربية بطرق مبتكرة – وهو من واجباتها وصلاحياتها- لأمكن لنا توسيع رقعة الاهتمام والاستخدام، وتوظيف اللغة العربية في حياتنا.
  • من واجب الجمعية ابتداء، وواجب كل الهيئات الأخرى المعنية الاهتمام بتطوير وتحسين عملها في مجال خدمة العربية بالاحتفاء بالمناسبات الخاصة بها، وإعلان الرأي والموقف في وجوب احترام العربية وتقديرها، وترقية استخدامها، ومن ذلك إنفاذ القوانين الخاصة بها، وحمايتها من أي عدوان.

ثمة آمال عريضة وإمكانات كبيرة لخدمة العربية، في جو يشهد تنافسا شديدا بين الأمم لتحقيق “الغلبة”، واللغة هي أهم وسائل بسط تلك الغلبة والسيطرة.

فماذا ننتظر؟ ولمَ لا يرتفع هذا الأمر – لدينا- إلى مستوى الواجب؟!

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …