الرئيسية | اتجاهات | صفقة القرن (2) الصفقة بين “من” و”من” ؟/ محمد الحسن أكيلال

صفقة القرن (2) الصفقة بين “من” و”من” ؟/ محمد الحسن أكيلال

في العادة تعقد الصفقات بين البائع والشاري، بين صاحب البضاعة العارض وصاحب الحاجة الطالب، وما حدث ويحدث خلال هذه السنة عن إعلان صفقة أسموها: “صفقة القرن”، وفي هذه التسمية على غرابتها شيء من الحقيقة، لأنها فعلا لا سابقة لها في عالم المال والأعمال والأسواق والتجارة، فلا العارض صاحب البضاعة، ولا الطالب صاحب الحاجة إلاّ إذا كان الطرفان اللذان يريدان عقد هذه الصفقة وكيلان عن الطرفين، وهنا وجه الغرابة؛ وزير خارجية أمريكا يقول أن إدارته في هذه القضية موكلة من طرف الدولة الصهيونية، وهذا يعني أنها تسقط عن نفسها صفة الراعي والوسيط بين الطرفين اللذين تعمل جاهدة على إعادتهما إلى طاولة المفاوضات، الأغرب من كل هذا الوكيل عن صاحب الشأن، الشعب الفلسطيني هم وكلاء لم يوكلهم هو، بل وكلهم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” وبإملاء من رئيس الحكومة الصهيونية “نتانياهو” و”العرَّاب” صديقه الشاب الصهيوني وصهر “ترامب”، “كوشنير” الذي حرص كل الحرص على أن تحاط الصفقة بالسرية التامة    مع استعمال أسلوب التسريب لجزئياتها قبل الإعلان عن التفاصيل الكاملة التي لم تعد خافية على أحد بعد القرارات التي اتخذها “ترامب” فيما يخص القدس والمستوطنات وعودة اللاجئين.

الدوافع والحوافز

الطريقة التي ظهر بها الرئيس “ترامب” على المسرح السياسي في الولايات المتحدة وترشحه المفاجئ لأقوى أول امرأة مرشحة للانتخابات الرئاسية الأمريكية والأساليب المشبوهة التي استعملها لإزاحتها من طريقه والفوز بالانتخابات، تلك الأساليب التي أعطت معارضيه من الديمقراطيين والجمهوريين المعتدلين وأغلبية الشعب الأمريكي أسبابا وجيهة لاتهامه، بل وفتح تحقيق ما زال قائما ضده لكونه استعان بروسيا الاتحادية. والتحقيق وصل إلى تدخل أطراف أخرى منها الإمارات العربية المتحدة التي أنفقت بسخاء على حملته الانتخابية ودولة إسرائيل التي استعملت ذراعها القوي المتمثل في اللوبي الصهيوني (الجناح المتشدد) في الدفاع عن دولة إسرائيل.

كل هذا إضافة إلى سعيه المستميت لفوز حزبه في الانتخابات التشريعية الجزئية القادمة لتحصين منصبه وتقوية فرص فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة لعهدة ثانية.

لا شك أن سياسة سلفه “باراك حسين أوباما” على الصعيد الخارجي، وخاصة فيما يتعلق بالاتفاقية النووية مع إيران التي تعارضها كل من دولة إسرائيل والمملكة العربية السعودية أعطته حظوظا لا مثيل لها للامساك بورقة يانصيب ثمينة صرفت له في الرياض تتمثل في صفقات واستثمارات سعودية بمبلغ 450 مليار دولار لصالح خزينة بلاده، دون ذكر للمبالغ التي منحت له في شكل عمولات لخزينته الخاصة، هذه الورقة في حد ذاتها تمثل الوجه الحقيقي للصفقة التي يتحدث عنها بطريقة مروض الثعابين في الأسواق لإطالة أمد الإثارة حولها قبل كشفها للناظرين، رغم أنهم رأوها قبل إخفائها في كيسه، فالقدس سلمها للدولة العبرية والمستوطنات، أعلن أنه لا ضرورة لها لإعادتها إلى أصحابها واللاجئون سقطت حقوقهم بالتقادم.

إنها صفقة القرن الحالي، وهي الصفقة التاريخية في تاريخ فلسطين وشعبها، والتي عقدت وراء ظهر هذا الشعب، ورغم أنوف أفراده ومواطنيه، فالأولى عقدتها المملكة المتحدة بالتشاور والتعاون مع جارتها وشريكتها في الاستعمار والإمبريالية العالمية وقد تمت في فترتين زمنيتين مدروستين بعناية من حيث التواجد اليهودي المهجر إلى هذه الأرض وتوزعهم في الأرض للاستيطان، مقابل طرد أصحاب الأرض الحقيقيين منها؛ بداية الصفقة بـ: “وعد بلفور” عام 1917م، ونهايتها بقرار الأمم المتحدة عام 1947م، وقد لعب التواطؤ لبعض العرب دورا هاما فيها مثلما يحدث اليوم بالضبط.

الصفقة الحالية هي صفقة القرن الواحد والعشرين، وتم طبخها من طرف جن الصهيونية العالمية على نار هادئة في المطبخ الأمريكي، وفي أفران ضخمة نصبت كلها في أراض عربية وعلى فترات أيضا وحطبها كانت من جماجم مناضلين فلسطينيين وجنود عرب في حروب 1973م/ 1976م/ 1982م/ 1991م/ 2002م/ 2003م/ 2006م/ 2011م/ 2013م، والمنفقون والمنفقات دائما عرب وأموال عربية بكل أسف، وبتعاون عربي – معلن هذه المرة – دون خجل ولا وجل.

فالرئيس “ترامب” قد وجد كل الظروف ملائمة، وكل الحوافز المادية والأخلاقية والمعنوية، بل وحتى الدينية عند البعض لتكون له هذه الجرأة، بل ليلبس لباس البطولة ويطمح حتى إلى نيل جائزة نوبل للسلام إن أمكن، ولم لا وقد منحت للصهيوني المجرم “إسحاق رابين” وبعده “شمعون بيريز” رغم كل الجرائم الحربية وضد الإنسانية التي ارتكباها في حق الشعب الفلسطيني الأعزل.

الصفقة هذه المرة إن تمت، ولن تتم بإذن الله مادام الشعب الفلسطيني مصمما على اقتحام الأهوال بنفسه، ومصرا على الدفع بفلذات أكباده إلى جوف الفرن الأخير الذي ما زال ملتهبا في سوريا وهو يتوسع ليشمل كل الإقليم الذي تريد أمريكا أن تتزعمه الدولة الصهيونية لا المملكة السعودية ولا مصر ولا تركيا ولا إيران.

الصفقة لن تتم هذه المرة، والولايات المتحدة تعد آخر أيام عمرها كإمبراطورية تنفرد بحكم العالم وقد بدأت فعلا في عد عدد خصومها، وتزايدهم المطرد حتى من بين أقرب المقربين إليها من حلفائها وتزايد حدة العداوة بينها وبين عدويها الذين ذكرهما بلسانه رئيسها “ترامب” ثلاثة أشهر تقريبا وهما روسيا الاتحادية والصين الشعبية.

إن الاعتماد على حلفاء المنطقة وأموالهم خطأ استراتيجي قاتل لأنهم لا يمثلون في شعوبهم إلا نسبة قليلة مظاهر الحياة الغربية وملاذها وشهواتها البائسة التي تنعدم فيها حتى مجرد الأحاسيس الإنسانية باعتراف نخب هذا الغرب نفسه بعد القرون الثلاثة التي أمضاها في الغزو والاحتلال والاستعمار واستعباد واستغلال الشعوب وثرواتها.

إن الشعب الفلسطيني الصامد وهو جزء لا يتجزأ من شعب بلاد الشام والعراق لن تدعه دماءه وحضارته الضاربة في أعماق التاريخ أن يخلد إلى الراحة والنوم وهو يرى فلول المستوطنين ينعمون بالعيش فوق أرضه وبعض أبناءه يتوزعون في الشتات وبعضهم في سجنين كبيرين أحدهما في الضفة الغربية وثانيهما في قطاع غزة المحاصر ولو أدى به الأمر بالتضحية إلى نصف تعداده، وخاصة وهو مطمئن إلى خصوبته في التناسل والازدياد.

إن الصفقة الحالية لن تتم، وقد يضطر صاحبها الأهوج إلى المغامرة بإشعال حرب كونية بسببها ستنتهي هذه الحرب لا محالة بزوال دولة الكيان الصهيوني لا بزعامتها للمنطقة، ولهذا فعقلاء العالم حتى من الغرب الإمبريالي حلفاء أمريكا والصهاينة المدافعين الحقيقيين عن دولتهم التي تحتل فلسطين، كل هؤلاء بدؤوا فعلا يتحركون لوضع مكابح لإيقاف هذا الثور الهائج قبل فوات الأوان، وهم إذ يبدؤون هذا التحرك ليس شفقة على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، بل شفقة على دولة إسرائيل نفسها وخوفا من الحرب التي إن وقعت ستطال، إن لم تكن كل القارة الأوروبية فثلثاها لأنها قريبة جدًّا وفي مرمى صواريخ “حزب اللـه” وإيران وسوريا، والمستوطنون هم أول من تلتهمهم نيران هذه الحرب الجهنمية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

هــــذا هــو البيـــت السعيـــد

عبد العزيز كحيل/ عند المسلمين الملتزمين بدينهم ليس البيت مجرد مأوى يتلاقى فيه أفراده للطعام …