الرئيسية | في رحاب الشريعة | العيد حلَّ مهللا ورمضان ولّى مسرعا.. فيا ترى هل رحل رمضان حامدا صنيعنا أم ذاما تضييعنا؟!/ محمد مصطفى حابس

العيد حلَّ مهللا ورمضان ولّى مسرعا.. فيا ترى هل رحل رمضان حامدا صنيعنا أم ذاما تضييعنا؟!/ محمد مصطفى حابس

قبل شهور ونحن نتمتم بذكر قدوم ضيف لا كباقي الضيف، شهر رمضان، نَعُدُّ الأيام والساعات والدقائق، نترقب يوميًّا دخول الشهر الفضيل، شهر القرآن؛ لنبدأ معه رحلة جديدة من أعمارنا تختلف عن باقي شهور السنة؛ رحلةً مع شهر عامر بالعبادات، صياما وقياما رغم طول النهار وشدة حرارته، رغم ذلك ما أن نجده حتى نفقده، ولا يكاد يبدأ حتى ينتهي!!

واليوم ها هو رمضان الخير والنور قبل أفل ورحل، رمضان العطر والطهر، رمضان الصلاة والذكر يرحل بعد أن أنستنا تغريدات المؤذنين بأعذب الألحان، وشدو بلابل أئمة التراويح بأجمل الأصوات.

يرحل رمضان الذي يتوب فيه كل عاصٍ، وتسطع فيه أنوار كل القلوب، وتمتلئ الصدور محبة ورضًا، ويرحل رمضان، ولكن يبقى ذلك الرصيد الذي اكتسبناه منه يمدنا بالقوة كلما فترنا أو ضعفنا، أو حاول الشيطان أن يقطع علينا الطريق.

يرحل رمضان وقد تعلمنا منه الكثير، وكم نحن بحاجة إلى أن نستمر مع كل الدروس التي تعلمناها.

ولعلَّ من أسرار قول الله تعالى في الحديث القدسي: (الصوم لي، وأنا أجزي به)- أي: جزاءً غير محدود – أن رمضان شهرُ الصبر، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [الزمر: 10].

وهذا المعنى ذكره الغزالي رحمه الله في “الإحياء”، فما من قُرْبة إلا وأجرُها بتقدير وحساب إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر، وأن جزاء الصبر الجنة؛ كما ورد في الحديث: (الصوم لي، وأنا أجزي به)، فأضافه الله إلى نفسه من بين سائر العبادات المفروضة.

هذا رمضان قد ذهب منتقلا، وولى مرتحلا، ذهب بأعمالنا شاهدا بما أودع فيه، فيا ترى هل رحل حامدا صنيعنا؟ أم ذاما تضييعنا؟ فمن كان قد أحسن فيه فليسدد وليقارب، ومن كان فرط فما زال السوق قائما بالست من شوال هذه الأيام، وما زال أيضا في العمر فسحة وبقية.

إن قلوبنا لتهفو بعد رمضان وتتشوق إلى أن ترى بيوت الله ممتلئة كما كانت في رمضان، وأن يسمع للقرآن أزيز كما كان يسمع له أزيز كأزيز النحل، نتشوق إلى أن نرى تعظيما للحرمات فلا تقرب، وإقبالا على الطاعات فلا تترك، فإن من الناس من يستغفر بلسانه وقلبه على المعاصي معقود، وهو عازم بعد الشهر للمعصية أن يعود.

فما أحوجنا بعد رمضان، أن نقف مع أنفسنا وقفة مراقبة مستمرة، ومحاسبة دائمة، حتى نقيم اعوجاج أنفسنا، وانتكاس قلوبنا، وحتى نستقيم على الطاعة فلا نحيد عنها، حتى نعلم أننا نعبد ربا وليس شهرا، فعباد الله الأتقياء الأنقياء؛ دائمة عبادتهم، مستمرة طاعتهم، وعبدة الشهور والمواسم، يموتون مع انقضاء موسمهم الرمضاني، ثم ينامون فتنتكس فطرتهم؛ إلا أن يتولاهم الله برحمته.

هذه المشاعر الإيمانية تنتابنا من حين لآخر مع رحيل رمضان وأفراح عيد الفطر المبارك وغيرها كثير، هذه المشاعر الفياضة قد يغفل عنها أقوام وقد يستفيد منها آخرون وقد يحرم منها لا قدر الله بعضنا في الشرق كما في الغرب، فنعمة المساجد وأداء صلاة التراويح فيها والأعياد، نعم ربانية عجيبة، لا يعرف قدرها إلا عند فقدانها، لأن رمضان والأعياد تعني لمسلمي أوربا الكثير؛ فهي فرص لتلاقي أبناء الأقلية والتقارب بين المسلمين المغتربين، كما أنها تبرز الهوية الإسلامية في تلك البلاد ذات التقاليد النصرانية والغربية. لكن بهجة العيد في هذه الدول لا تمر دون منغصات، أبرزها القيود المفروضة على ممارسة العديد من النسك، وعدم اعتراف غالبية الدول الأوربية رسميا بأعياد المسلمين، فضلا عن صعوبة الحصول على ساحات لأداء صلاة العيد وغياب الأجواء الاحتفالية في العيد التي تتميز بها البلدان الإسلامية.

مثل ما تناهى إلى مسامعنا، من أخبار في العشر الأواخر من رمضان، حول آخر “خرجات” الحكومة العنصرية النمساوية تجاه جاليتنا المسلمة، التي حرمت في نهاية الشهر الفضيل بقرار أجوف أجلف، تم بموجبه غلق عدد معتبر من المساجد وتسريح عدد كبير من الأئمة، إذ أعلن رسميا، مستشار النمسا، سباستيان كورتز، أن سلطات بلاده اتخذت قرارا بإغلاق سبعة مساجد، وطرد عشرات الأئمة الممولين من الخارج، من الأراضي النمساوية بسبب “انتهاكهم لقانون الإسلام”!!

معلوم أن البرلمان النمساوي تبنى ما سمي بـ”قانون الإسلام” في فبراير 2015م، إذ يعتبر نسخة محدثة لقانون أقر في الإمبراطورية النمساوية المجرية عام 1912م.

ويفرض هذا القانون حظرا على تمويل المنظمات والمؤسسات الإسلامية الناشطة في البلاد من الخارج، وينص على ضرورة حصول جميع الأئمة العاملين في النمسا على شهادات محلية!!

من جهتها اعتبرت الرئاسة التركية أن قرار السلطات النمساوية بإغلاق سبعة مساجد في النمسا، وترحيل عشرات الأئمة اتخذ بحجج واهية، ويمثل الشعبوية المعادية للإسلام، ويهدف إلى تحقيق مكسب سياسي لا غير، كما اعتبر المتحدث باسم الرئاسة التركية أن الموقف الأيديولوجي الذي تتبناه الحكومة النمساوية يخالف معايير القانون الدولي، وسياسات الاندماج الاجتماعي، وقانون الأقليات، فضلا عن أخلاقيات التعايش.

أما من جهتنا نحن كجالية ومؤسسات إسلامية، نعتبر أن هذه قرارات اتخذت بعجل بطرق سياسيوية استفزازية لا غير، يسعى أصحابها لتمزيق أواصر المواطنة والتعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد على اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم، وهو أمر إن لم يرشد عاجلا قد يعكر صفو العيش مستقبلا، ليس فقط على رواد هذه المساجد السبعة المعنية بالغلق، بل قد تنتشر شظاياها – لا قدر الله- ليس فقط لبعض المقاطعات النمساوية، إذ ما نخشاه أن تنتشر عدواه إلى باقي الدول الأوروبية ذات الحكومات الاستئصالية التي بدأت تستنسخ بغباء بعض فصول السياسة الأمريكية الجديدة في المنطقة منذ أشهر .

أخيرا، أمام هذه المحن والصعاب، ونحن  في عيد الفطر، وجب على جاليتنا في النمسا التحلي باليقظة والصبر والاحتساب والتعامل بعقلانية مع ظروف المرحلة، مع عدم السماح للمتهورين من جاليتنا بردود الأفعال البهلوانية التي كثير ما تهدم ما بنته الصحوة عبر الأجيال.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فتنة التطبيع الشنيع من قبول الاحتلال إلى الرضا بالاستذلال

أ. محمد مكركب/ لماذا رضي بعضُ حكام العرب الدنيويين باحتلال فلسطين منذ عقود، وسكتوا عن …