الرئيسية | أقلام القراء | الومضة الأولى: “الشخصية الإسلامية الزمكانية”/ مُصْطفى العبُّودي

الومضة الأولى: “الشخصية الإسلامية الزمكانية”/ مُصْطفى العبُّودي

هناك ثنائية الزمان والمكان، على محور الزمكان العام (مزمك، ع)، من يوم خلق الله السماوات والأرض، {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36]. ولكل منها ثنائية الزمان والمكان، على محور الزمكان الخاص (مزمك، خ)، من يوم الميلاد إلى يوم الرحيل؛ ومن ثم يمكن تشكيل المعلم الديكارتي منهما معا، لتشغيل عداد الحياة، حيث يتشكل الخط البياني من خلال ثنائية الزمن والعمل، صعودا أو هبوطا. فالزمن من حيث هو في ذاته فراغ، وما يملأه هو الأفعال أو الأعمال، التي تصدر عن المولود. روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ”، علاج هذا الغبن ما رواه الحاكم وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”، والدافع هو ما أخرجه الترمذي والدارمي باختلاف يسير، والخطيب في (اقتضاء العلم والعمل) واللفظ له، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن علمه ما عمل فيه، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه”. وروى الترمذي وصححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه، حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟”

من مثل هذه النصوص استخلص أولو النُّهى من المسلمين أن: “الوقت هو الحياة”. ذلك أن كل فرد بالغ عاقل في هذه الدنيا مسؤول عما يبدر منه من عمل، يؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم “…والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها”.

وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: “…إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”. فبجموع أعمال، الأفراد الذين يشكلون الأمة تواصل الشخصية الإسلامية مسيرتها، لكن كما قال الشاعر:

 على قدر أهل العزم تأتي العزائم        وعلى قدر أهل الكرم تأتي المكارم

فالمحصلة العامة تكون تبعا للجهد العام، في سلسلة متتالية من القوى. وهذا معروف في علوم الفيزياء.

كان مبدأ الانطلاق للأمة الإسلامية على محور الزمكان، لحظة أمر جبريل لمحمد المتحنث في الغار بقوله “اقرأ”. وبهزة اقرأ: انتقل “محمد بن عبد الله بن عبد المطلب”، إلى “محمد رسول الله”، خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} [الأحزاب: 45/46]. هذا هو الإطار الزمكاني لميلاد الشخصية الإسلامية التي تجسد فيها الوحي واقعا تنضوي تحته وتستمد منه كيانها كل شخصية لأي فرد مسلم، له بطبيعة الحال مبدأ يبدأ منه، ومنتهى ينتهى إليه، وبينهما حياة حافلة أو حياة مجدبة، تبعا لما يفني فيه عمره ولما يبلي فيه شبابه (جسده).

فالشخصية الذاتية إذن التي تتربع على القمة هي شخصية رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، التي يستمد منها كل مسلم وجوبا أو استحبابا، ما يجعل حياته ذات معنى إيجابي. ولذلك جعله الله لنا الأسوة. قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:21]. فالآية تجمع كل معنى يحمل مدلول الاتباع والاستمداد الطاقوي السليم.

حدثت لرسول الله صلى الله عليه وسلم عدة مساومات وهو يبلغ عن ربه، فماذا كان منه صلى الله عليه وسلم؟

1/ أراد المشركون أن يجعلوا العبادة مناصفة بينهم وبينه، كما ورد في كتب السير وفي أسباب النزول، فماذا كان؟

نزلت سورة الكافرون فاصلة بين الحق والباطل، بين الشرك والتوحيد، لا مطمع لأحد بعدها في هذا اللون من المناصفة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [سورة الكافرون].

الدعوة إلى الإسلام لا تقوم على الأسس الدخيلة الواهنة الضعيفة، إنها لا تقوم إلا على الحسم والصراحة والشجاعة والوضوح فيما هو من جنس ذلك، كالعقائد والتشريع وكل ما له صلة بذلك.

2/ البلاغ يحتاج إلى قوة في التبليغ، وليس معنى ذلك ألا تتصف الدعوة باللين، فاللين أسلوب من أساليب الدعوة، وهو لا يعني الضعف والخنوع، بقدر ما هو طريق يهدف إلى تيسير وصول الكلمة إلى القلوب، لكن متى أحس المبلغ بأن المدعوين يريدون ثنيه عما يريد تبليغه صدع بما هو مأمور أن يصدع به.

خاطب عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم، وخطابه خطاب لأمته، إلا ما خص به قائلا: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر:94]. قال الفراء: أراد بـ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}، أي أظهر دينك. والصدع لغة هو الشق، فمن معاني هذه الآية: فشق صف الكافرين بما أمرك الله من الحق، ولا تلتفت لما يصدر عنهم تجاهك من الاستهزاء وغيره كالتهديد.

3/ مما جاء في كتاب سيرة ابن هشام أن قريشا أرادت ثنيه عن رسالته فقال قولته المشهورة: “والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه”.

ولا يضر أن المقولة من حيث صحة سندها فيها كلام كثير. ولم لا الذهاب بعيدا وموقفه من تطبيق الحد على المخزومية بلغ أن أقسم بالله قائلا: “وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”. والحديث صحيح.

تبعه على مثل هذا أبو بكر صديق الأمة، حيث قال في خطبة توليه الخلافة “القوي فيكم عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم عندي قوي حتى آخذ له الحق”. وكم كان موقفه صارما في منع الإرث من نبي الله، التزاما بالنص النبوي طاعة لله ورسوله، لما طالبت فاطمة رضي الله عنها بميراثها من أبيها، حيث كانت حجته وقوة موقفه في الحق ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم “نحن معاشر الأنبياء لا نورث”.

ارتدت جزيرة العرب عن دين الإسلام، فكان منه نفس التفاعل ومن ثم التفعيل “والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه”. ومحل الشاهد في كل ما سبق ليس في استعمال القوة (العنف)، وإنما هو في قوة الموقف… لقد كان منه صلى الله عليه وسلم قوة الموقف وبنفس الدرجة حينما أخذ قرار الصلح في الحديبية وبنفس القوة أخذ على الصحابة بيعة الرضوان. قوة الموقف وهو يسالم، وقوة الموقف وهو يستعد للمواجهة، حين بلغه أن عثمان قتله المشركون في مكة.

إنه لا يخلو زمن على محور زمكان الشخصية الإسلامية، ممن يتبع بإحسان، أخرج مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك”. وهؤلاء هم جذوة الأمة التي لا تنطفئ، والناس تتفاوت في درجات هذا الإحسان وهذه القوة في الحق، من حيث الأفراد ومن حيث الجماعات. والسعيد من وفقه الله إلى ذلك.

إن الأمة – أية أمة – لا يكون لها وزن إلا إذا ظهر فيها رجال يصنعون تاريخها الحافل بالأحداث العظيمة، فالأمة برجالها أو إن شئت حتى لا نظلم الجنس الآخر بأبنائها، فالصحابيات كثيرات منهن ساهمن في صناعة الخط البياني الصاعد لفترة رسول الله وهو يصنع الأمة التي اختارها الله لتكون شهيدة على الأمم. والمحظوظ من وفقه الله للذود عن هذه الأمة في أيامها العصيبة، وللدفع بها قدما أن تنهض من كبوتها لتواصل مسيرتها، ولم لا أن تستعيد صدارتها، وقد استعادت الشمعة وهجها. إن حاجة البشرية اليوم لهذه الأمة كحاجة أي فرد للأكسجين، فما فائدة حياة بلا صلة مع السماء، خالية من العبودية لله، خالية من الطهر والعفاف والسمو والعدل، خالية من التمسك بالحق والذود عنه؟

كم ستزيد خسارة العالم من بقاء المسلمين في الذيل، المسلمون مكلفون بإصلاح ما أفسد الناس، ولا يتحقق لهم ذلك إلا إذا أصلحوا أنفسهم.

إن الذي يعجز أن يسوس نفسه جهلا أو هوى لا يمكن أن يقود نفسه، وإن الذي يجهل ما حوله لا يمكن أن يقود غيره.. ففاقد الشيء لا يعطيه…! لا على المستوى الفردي ولا على المستوى الجماعي!

غالبية المسلمين لا يدركون حقيقة تمكن الغرب من المسلمين، القليل منا من يعلم أنه ومن القرن الثامن والغرب يدرس الإسلام والمسلمين للقضاء على الاثنين، مما اطلعت عليه، وأنا أعد بحثا عن الإستشراق أنه – وفي اختصاص واحد- أنتج المستشرقون ستين ألف مؤلف، ولا يزالون.

معلوم أنه ليس من السهل اليوم أن يحقق إنجاز، بعد أن هيمن الغرب على كل صغير وكبير في جميع المجالات، لولا قوة العقيدة في الله لأصبحنا نعتقد أن الغرب أصبح على كل شيء قدير. لكن على كل مسلم أن يدرك أن من أدوات قتل النفس الاستسلام لواقع مرير.. ولو نظر الغرب بعين الكسل لما كانت عليه الحضارة الإسلامية ما انطلق ولا ابتكر ولا أبدع…إلخ.

ما أنتجته تكنولوجيا الغرب من أدوات، أصبحت باستطاعتها إدخال الفساد إلى القلوب قبل العقول، لقد امتدت نارها المحرقة إلى الغرفة فضلا عن البيت، بل الجيب كما نبهني أحدهم..! (حادثة الشاب الذي يتصل بالزوجة وهي إلى جانب زوجها على السرير..!)

الغرب لا ينتظر من المسلمين أن يقدموا له تكنولوجيا أكثر تطورا، فماذا ينتظر إذن؟!

يقول فيلسوف بريطاني: “أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور، لاتساع الهوة بينهما، ولكني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم بالإسلام”.

كيف يعي هؤلاء قيمة الإسلام ونغفل، بل ويأخذنا نحن العمى؟!

إنه لمن السفاهة أن ينسى المسلم أو يغفل عن مدلول الأمانة في الإسلام. وإن مما تميزت به الحضارة الإسلامية أن مادتها الأساسية الوحي، من خلال تعامل العقل وتفاعله مع الكون والإنسان والحياة، بتوجيه وصناعة من الوحي، بالمعنى الواسع للتوجيه والصناعة. فحياة المسلم فردا وجماعة وأمة يجمعها ناظم إنساني متكامل في علاقته مع الكون والوجود، تنتهي أبعادها القصدية عند كليِّة  العبادة لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

وبتحقيق قيم التعبد يتحقق الاستخلاف في الكون والشهود على الأمم بما تستقيم عليه الحياة فيما هو أفضل في الدنيا، وفيما هو أمثل في الآخرة.

هذا هو المعنى الإيجابي للحياة، وإلا كيف يكون الاستخلاف؟ وكيف يكون الشهود على الأمم؟

هذا هو المنتظر من المسلمين تجاه الإنسانية، ومن لم يكن على هذا فهو خائن للأمانة بقدر ما هو مقصر في ذلك..!

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …