الرئيسية | قضايا و آراء | مشاريع الضرار من حركة الاستشراق إلى تيار العلمنة العربية/ عبد القادر قلاتي

مشاريع الضرار من حركة الاستشراق إلى تيار العلمنة العربية/ عبد القادر قلاتي

في مقالي الأخير كتبت مقدمة لهذا الموضوع الذي أسميته بـ”مشاريع الضرار” في الساحة الفكرية والدينية في العالم الإسلامي، وهي المشاريع التي جاءت استجابة لدعاوى التحديث التي صاحبت المشروع الاستعماري الغربي، ولم يكن من مقاصدها التحديث كضرورة وحتمية تاريخية ترتبط بتطور المجتمعات والدول، وإنما كان الهدف الرئيس هو خلق حالة من الفوضى الفكرية، تحول دون التطور والتحديث الذاتي، وتمكن الغرب من خلال مشروعه الاستعماري بناء قاعدة فكرية تتبنى الرؤية الحداثية الغربية، وتعمل على تجاوز الموروث الديني للعالم الإسلامي، حتى يبقى هذا المجال الجغرافي –العالم الإسلامي- خارج سياق الحضارة المعاصرة، وكما اشرنا وتشير الكثير من الدراسات إلى أن هذه المشاريع لم تكن لتظهر كمشاريع فكرية، حتى سبقتها حركة فكرية ومعرفية خطيرة، أحدثت تحولاً خطيراً في البنية الفكرية والنفسية، ونقصد بها حركة الاستشراق، التي بذلت جهوداً جبارة في قراءة التراث الإسلامي، بدءً بالنّصوص التأسيسية وانتهاء بتفكيك السياق التاريخي للتشكل العلمي والمعرفي، والخروج بمجموعة من الرؤى والأفكار، كانت تشكل بالنسبة لتيار العلمنة والتغريب في بلادنا العربية والإسلامية قاعدة الانطلاق في صياغة مشاريع فكرية، جزء كبير منها له بذوره في حركة التاريخ العلمي والمعرفي، خصوصاً عند بعض الفرق والتيارات الفكرية التي عرفها العالم الإسلامي، والجزء الآخر هو من إبداع حركة الاستشراق التي كان من أهدافها الرئيسة تفكيك التراث الإسلامي وإحداث عملية خلخة في مفاهيمه الأساسية من اجل نزع القداسة عنه، حتى يسهل تجاوزه.

في هذا المقال نقف عند محطات مهمة في تاريخ هذه المشاريع المضادة لحركة الفكر الإسلامي الأصيل، نبدأها بالمشاريع التي اهتمت بالدراسات القرآنية، والتي أخذت مسميات عدة، منها القراءة المعاصرة، ونقد التراث الإسلامي والقطيعة الابستيمولوجية مع التراث، وغيرها من العناوين البراقة التي كان هدفها الرئيس، تخريب المجال الفكري والديني، وضرب الأساس القوي لهذا التراث وهو القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة،

والمراد بالقراءات المعاصرة هو: “تعدد الاستدلالات بالقران الكريم بناء على بعض النظريات الحديثة التي لم تثبت أو ثبت بطلانها، والإعراض عن طريقة الصحابة والتابعين في الاستدلال.. وعلى ذلك سار أصحاب القراءات المعاصرة في نبذ الضوابط التي وضعها العلماء للاستدلال من القرآن وجَعْل المجال مفتوح لأي شخص أن يفسر القرآن بالطريقة التي يراها”.

فالقراءات المعاصرة للقرآن كما يقول الدكتور ناصر بن سليمان العمر: “تبدأ بـ (القراءة التاريخية)، حيث تخصص النّص بالسبب والظروف التي نزل فيها والوقائع المعينة فقط، ثم بعد ذلك تأتي مرحلة القراءة بناء على تفسير لفظ النص بغض النظر عن مراد القائل وهو ما يعرف بـ (موت المؤلف)، وهي تفسر ذلك بكل الطرق العبثية التي يدل عليها اللفظ مما يتوافق مع فهم القارئ أو المتلقي لهذا النص سواء وافق مراد القائل أو لا، ثم بعد ذلك تأتي مرحلة القراءة بناء على تفسير اللفظ حسب فهم القارئ، بغض النظر عن مراد القائل أو دلالة اللفظ وهو ما يعرف بـ(موت النص) أو (النص المفتوح)، وهي تفسر ذلك بكل الطرق العبثية مما يتوافق مع فهم القارئ أو المتلقي لهذا النص سواء كان هذا التفسير يدل عليه اللفظ أو لا، وسواء وافق مراد القائل أو لا، وهذا العبث أو اللعب في الاستدلال بالنصوص الشرعية قد تقرر التحذير منه عند أهل العلم، وقد أطلق بعض أهل العلم على عملية صرف معنى اللفظ عن ظاهره بدون دليل (لعباً)، لأنه عبث في الاستدلال.

وذلك أنه عندما تعذر على كثير من أصحاب المناهج المنحرفة الطعن في أصل القرآن ومصدريته الإلهية أو التشكيك فيه، بدأوا يفكرون في طرق جديدة لإبطال هداية القرآن للعالمين، وهي نزع القداسة عن القرآن من خلال لغة القرآن وطرق الاستدلال به”.

فهذه بعض ملاح هذه المشاريع الضرار التي اشتغلت على موضوع القراءات المعاصرة، والتي هي -في الحقيقة – نقد واضح للقرآن الكريم كنص ديني يحمل الكثير من القداسة، ويشكل العقبة الكؤود في مجهود هذه المشاريع القائمة أساساً على ضرب التراث الاسلامي ومحاولة ازاحته عن المجال الفكري للأمة، باعتباره النص الأكثر خطورة على الفكر الحداثي الذي يبشرنا به هؤلاء القوم، ويمكننا في هذا المجال أن نذكر أهم هذه المشاريع الذي “اشتغلت” على موضوع القرآن، مثل مشروع محمد اركون ومحمد عابد الجابري، وعبد المجيد الشرفي، ومحمد شحرور، وحسن حنفي، وعلي حرب، والقائمة طويلة اذا أضفنا تلاميذهم المنتشرون في الجامعات العربية وفي مراكز البحث، وحتى في مراكز القرار، حيث تحالف الكثير منهم مع الأنظمة الاستبدادية التي تعادي بالأساس الدين وترفض المنطق الديني الذي يشكل تهديدا واضحا لعروشها.

يتبع

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …